دستور نيوز
عنب بلدي – شعبان شامية
مع انتهاء الامتحانات، تدخل الأسر السورية مرحلة تبدو مريحة ظاهرياً، لكنها في الواقع تحمل تحديات نفسية وتربوية معقدة.
فالطفل الذي عاش أشهراً طويلة ضمن إيقاع صارم من الدراسة والالتزام والضغوط، يجد نفسه فجأة أمام دوام مفتوح، فيما يعيش الأهل بدورهم صراعاً بين الرغبة في تعويض أبنائهم عن تعب العام الدراسي، وعدم القدرة على توفير أنشطة صيفية باهظة الثمن في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية.
في الوقت الذي ترتفع فيه رسوم النوادي الصيفية والدورات الترفيهية، تتزايد مخاوف الآباء من الفراغ وإدمان الشاشات وفقدان الأطفال للروتين الصحي.
هل المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الأندية؟ هل فعلاً مطلوب ملء كل وقت الطفل بالأنشطة؟
“فخ” الترفيه الفوري
المستشارة النفسية الأسرية، الدكتورة هبة كمال العرنوس، قالت في حديث إلى عنب بلدي، إن معظم الآباء يعتقدون أن التوتر الدراسي ينتهي بنهاية الامتحانات، لكن دماغ الطفل العصبي لا يتحرك بهذه السرعة من حالة اليقظة إلى حالة الاسترخاء.
وأضافت أنه خلال العام الدراسي يعيش الطفل ما يسمى في علم النفس “الاستجابة المزمنة للتوقع والتقييم”، أي أنه يبقى لفترات طويلة في حالة ترقب دائم مرتبط بالدرجات والمقارنة والخوف من الوقوع في الخطأ.
وأشارت إلى أن هذا النوع من التوتر لا يظهر دائما بشكل مباشر، بل قد ينعكس على شكل تهيج عصبي، أو انسحاب اجتماعي، أو تعلق مفرط بالشاشات بعد انتهاء الدراسة.
ولذلك فإن أول ما يحتاجه الطفل في بداية العطلة ليس الترفيه المكثف، بحسب الاستشاري، بل استعادة الشعور بضبط النفس والهدوء الداخلي.
ومن الأخطاء الشائعة، بحسب العرنوس، أن يقوم الأهل بنقل الطفل مباشرة من الضغط المدرسي إلى ضغط آخر تحت عنوان “استثمار العطلة”، لافتا إلى أن الطفل يحتاج أولا إلى مرحلة تفريغ نفسي حقيقي قبل إدخاله على أي التزام جديد.
فاتورة الأنشطة الغائبة
وعن تداعيات غياب الأندية الصيفية على نمو الطفل النفسي والاجتماعي، أكدت المستشارة أن التأثير لا يرتبط بغياب النادي نفسه، بل بكيفية إدراك الطفل لمكانته مقارنة بغيره.
وأوضحت أن الطفل لا يولد لديه شعور بالدونية الاجتماعية، بل يكتسبه من الرسائل المتكررة المحيطة به. وعندما يسمع الطفل باستمرار عبارات مثل “لا نستطيع” أو “الآخرون أفضل منا”، يبدأ في تكوين ما يسمى في علم النفس “الهوية المقارنة السلبية”، وهي حالة يبني فيها الطفل احترامه لذاته بناء على ما يفتقده، وليس على ما لديه، بحسب العرنوس.
في المقابل، تشير الأبحاث الحديثة في علم نفس الأسرة إلى أن جودة التفاعل العاطفي داخل المنزل تؤثر على الصحة النفسية للطفل أكثر بكثير من مستوى الإنفاق الترفيهي، بحجة أن الطفل الذي يشعر بأنه مشارك ومسموع ومهم داخل أسرته يتطور لديه استقرار نفسي أعلى حتى في البيئات المحدودة ماليًا.
البدائل التعليمية للأندية الصيفية
المشكلة، بحسب ما ذكرت المستشارة النفسية الأسرية، هي أن الكثير من الآباء يخلطون بين “احتلال الطفل” و”نمو الطفل”، مؤكدين أن المطلوب ليس فقط قتل الوقت، بل خلق تجارب تعزز النمو النفسي والعقلي.
وتحدث العرنوس عن أنشطة منخفضة التكلفة ولكن ذات قيمة عالية على المستوى العصبي والنفسي، أبرزها: الألعاب الجماعية الحرة، المهارات اليدوية، القراءة التفاعلية، الحوار الأسري، الأنشطة الحركية اليومية، المشاركة في المسؤوليات المنزلية، والأعمال التطوعية الصغيرة.
وتعمل هذه الأنشطة، بحسب الاستشاري، على تحفيز ما يسمى بـ”الشعور بالكفاءة الذاتية”، وهو من أهم العوامل التي تبني ثقة الطفل بنفسه. عندما ينجح الطفل في إعداد وجبة بسيطة، أو زراعة نبات، أو تنظيم مساحته الخاصة، يبدأ الدماغ في تكوين اتصال داخلي بين الجهد والقدرة والإنجاز، وهذه العملية أكثر أهمية لتنمية الشخصية من الترفيه السريع للمستهلك.
الملل الخفيف يصنع طفلاً مبادراً ومنظماً
ويرى العرنوس أن الملل هو مرحلة انتقالية مهمة لنمو دماغ الطفل وليس مشكلة نفسية، فغياب المؤثرات الخارجية يحفز مجالات الخيال والتخطيط والإبداع.
وأشارت إلى أن وقت الفراغ الدائم يرتبط بتنمية الوظائف التنفيذية، مثل المبادرة وحل المشكلات والتنظيم الذاتي والمرونة المعرفية، محذرة من أن الترفيه الفوري عبر الشاشات يفقد الطفل قدرته على توليد الاهتمام الداخلي.
ودعت المستشارة أولياء الأمور إلى عدم الخوف من الملل المعتدل، واعتباره فرصة لتنمية الاستقلال النفسي لدى الطفل.
الضغوط الصامتة تطارد أبناء الموظفين
وأشار العرنوس إلى حالات خاصة، مثل أطفال الموظفين الذين يتعرضون لما يعرف بـ”الإرهاق العصبي منخفض الشدة”، بسبب ضغوط السفر الطويلة خلال العام الدراسي.
وأوضحت أن ذلك يتطلب استغلال العطلة لإعادة تنظيم الإيقاع العصبي لدى الطفل، من خلال تقليل العجلة داخل المنزل وزيادة لحظات التفاعل الهادئ والأنشطة الحسية الطبيعية، مثل المشي واللعب الحركي والجلوس العائلي.
الأنشطة ومعايير الامتثال
يقع قطاع كبير من أولياء الأمور في فخ اختزال أنشطة الطفل الصيفية في إطار “الترفيه الخالص”، وهو مفهوم يخطئ فيه المستشار النفسي الأسري، مؤكدا ضرورة تصميمه وفق الاحتياجات النفسية والعصبية المرتبطة بكل مرحلة عمرية.
وتبني العرنوس تحليلها على علم النفس التنموي الذي يقوم على “سلم الحاجات”، إذ يتطلب النمو المتوازن للدماغ والشخصية تزويد الطفل بالخبرات المناسبة لعمره.
في حين أن الطفل الأصغر يحتاج إلى الأمن الحسي والعاطفي كأولوية على المهارات الأكاديمية، فإن الطفل الأكبر يسعى إلى الاستقلال والانتماء الاجتماعي والشعور بالكفاءة.
وخلصت المستشارة إلى أن نجاح النشاط الصيفي لا يقاس بتكلفته المالية، بل بمدى توافقه مع مرحلة نمو الطفل.
بدائل التلقين في مرحلة الطفولة المبكرة
ووزعت المستشارة متطلبات الأطفال حسب الفئات العمرية، مشيرة إلى أن الفئة من ثلاث إلى خمس سنوات تحتاج في المقام الأول إلى الأمن الحسي والعاطفي واكتشاف العالم المحيط.
وأوضح العرنوس أن الدماغ في هذه المرحلة يكون في ذروة نموه العصبي الحسي، ما يجعل الطفل بحاجة ماسة إلى الحركة والتجريب والتفاعل المباشر، بعيداً عن أساليب التلقين الجافة.
ولتلبية هذه الاحتياجات اقترحت المستشارة حزمة من الأنشطة المنزلية البسيطة، مثل اللعب بالماء والرمل والطين، وتجميع المكعبات، والرسم الحر، بالإضافة إلى الاستماع إلى القصص التفاعلية، ولعب الألعاب الحركية والإيقاعية، والمشاركة الرمزية في بعض المهام المنزلية الخفيفة.
أنشطة “تفعيل الكفاءة والإنجاز”
من ناحية أخرى، تتحول الاحتياجات النفسية للأطفال في الفئة العمرية ما بين السادسة والتاسعة سنوات نحو “الشعور بالكفاءة والإنجاز”، وهي المرحلة التي يبدأ فيها الطفل بتكوين صورته الذاتية وتقييم قدراته الذاتية، مما يجعله شديد الحساسية لمفاهيم النجاح والفشل والمقارنة مع أقرانه.
ويرى العرنوس أن الأنشطة المثالية لهذه المرحلة يجب أن تحفز مهارات التفكير وبناء الشخصية، مثل تعلم الحرف اليدوية البسيطة، وممارسة الألعاب الرياضية الجماعية، وألعاب حل المشكلات.
تتضمن القائمة أيضًا خيارات تفاعلية منخفضة التكلفة مثل البستنة المنزلية والطهي البسيط والمسرح والتمثيل، بالإضافة إلى قراءة القصص والرحلات القصيرة.
الاستقلال واكتشاف الهوية
أما المراهقون في الفئة العمرية ما بين 10 و12 سنة، فيدخلون في نفق تحولات نفسية وعصبية مهمة جداً.
وفي هذه المرحلة الانتقالية يتضاعف الوعي الذاتي لدى المراهق، ويصبح أكثر حساسية وتأثراً بآراء وتقييمات الآخرين له.
وانطلاقاً من هذا التحول البنيوي تتغير بوصلة احتياجاته الأساسية لتدور بشكل وثيق حول البحث عن الاستقلال واكتشاف ملامح هوية شخصية مستقلة بعيداً عن الوصاية الأبوية التقليدية.
وحذرت الفتوى من التعامل معهم بمنطق «تلقي الأوامر» لأنه يحفز التمرد السلبي.
كما تتطلب هذه المرحلة أنشطة مسؤولة تتجاوز أبعاد الترفيه فقط، مثل: التصوير والرسم المتقدم، والرياضة المنتظمة، والأعمال التطوعية والكشفية، والمشاريع الجماعية التي تنمي الذكاء الاجتماعي وتنظم العواطف.
أنشطة تعمل على صقل المهارات الحياتية لدى المراهقين
وفي مرحلة المراهقة (بين 13 و17 سنة)، تأخذ الاحتياجات النفسية بعدا أعمق، يتمحور حول “المعنى” و”الانتماء” و”بناء الذات”، إذ يتجاوز المراهق في هذه السن فكرة الترفيه السطحي، ويبحث عن الشعور بالقيمة والاعتراف الاجتماعي بوجوده وقدراته.
ويرى العرنوس أن هذه الفئة بحاجة إلى أنشطة تدمجهم في المجتمع وتصقل مهاراتهم الحياتية، كالتطوع المجتمعي، والتدريب المهني البسيط، وتعلم المهارات الرقمية المفيدة، والرياضة المنتظمة.
وتشمل الخيارات الفعالة أيضًا إشراكهم في المبادرات الشبابية، والقراءة الحوارية، وتدريبهم على إدارة الوقت والمال، بالإضافة إلى تفريغ طاقاتهم من خلال الأنشطة الفنية والإبداعية والنوادي الثقافية والمناظرات.
واختتمت المستشارة حديثها بتوجيه رسالة تحذيرية لأولياء الأمور من خطورة الإفراط في “جدولة حياة الطفل” وملء وقت فراغه بأنشطة متواصلة، مما يؤدي إلى حرمانه من أهم مهارة نفسية وهي القدرة على التنظيم الذاتي.
متعلق ب
#عمارة #الإجازة #الصيفية. #أنشطة #ذكية #تتناسب #مع #نمو #الطفل #واحتياجاته
عمارة الإجازة الصيفية.. أنشطة «ذكية» تتناسب مع نمو الطفل واحتياجاته
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – عمارة الإجازة الصيفية.. أنشطة «ذكية» تتناسب مع نمو الطفل واحتياجاته
المصدر : www.enabbaladi.net
