.

عالم الأسرة – «الهجين» في حوران.. روح «الربع» و«السامر» والأرض

اخبار الأسرهمنذ 3 ساعات
عالم الأسرة – «الهجين» في حوران.. روح «الربع» و«السامر» والأرض


دستور نيوز

عنب بلدي – وسيم العدوي

“الهجين” في حوران وامتداده الجغرافي التاريخي ليس مجرد شكل من أشكال الغناء الشعبي، بل هو سيرة كاملة للبسطاء الذين حملوا مشاعرهم على ظهور الجمال، وغنوا عن الطرق الطويلة والأراضي البعيدة، كما ارتبط تاريخيا بحياة البدو في الصحراء، والفلاحين في أزقة الأحياء القديمة وهم يتوجهون إلى حقولهم، إما ليودعوا في الأرض البذور التي جمعوها خلال العام الماضي، أو لجني سنابل الذرة التي رسمتها الشمس ورعتها يد الله.

“الهجيني” حسب التراث الشعبي لأبناء البدو والأرياف النائية للمحافظات هو “نص شعر بدوي أو ريفي سريع الإيقاع”، بينما “الهجينة” هي عملية الأداء من خلال إلقاء هذا الشعر البدوي (الهجين) صوتيا، والذي يعتمد على بيتين أو أكثر بإيقاع متكرر.

«الهجيني» (أي الرعاة والمسافرون والمزارعون الذين كانوا يؤدون طقوس الحجيني أثناء نزهاتهم وأعراسهم وسفرهم وأعمالهم الزراعية…) كانوا يرددونها أثناء العمل أو «المشي إلى الحصاد» أو أثناء رحلة القافلة للتخفيف من مشقة السير على الطرق غير المعبدة. وبمرور الوقت، أصبحت “الهجيني” جزءاً لا يتجزأ من الوجدان الشعبي في جنوب سوريا وشمال الأردن، وخاصة بين أهالي حوران، الذين أضفوا عليها نبرة حزينة. وخاصة (على الأغلب) وكأنها صادرة من قلب يعرف معنى الفراق جيداً.

تتميز “الهجيني” ببساطتها وعفويتها، أبياتها قصيرة ولكنها مشحونة بالعاطفة الشديدة، ولا تحتاج إلى آلات موسيقية معقدة، فالصوت وحده يكفي لحمل القصة. في كثير من الأحيان، يبدأ المنشد بيتًا شجيًا عن الغربة أو الأم أو الحبيب الراحل، ويردد الجالسين خلفه الجزء الأخير، وكأن الجميع يشتركون في نفس المشاعر.

«هجين» الشوق والرحيل

“”الحجيني”” كانت في الأصل قصيدة تُغنى على لحن بدوي خفيف الإيقاع. غالبًا ما كانت تُغنى أثناء سفر الجمال في رحلات طويلة. ولذلك فهو يرتبط بالسفر والصحراء. ويقال عند أهل البادية السورية أن اسمها مشتق من “هجيني” أي الإبل السريعة التي تركب في الأسفار.

«يا راكب النجيبة أطلق سراحك

دع الشغف يسير معك أينما ذهب

وإذا رأيت دار الأحبة سلم عليهم

ومن غاب عن العهد لم ينساهم.

بهذا الغناء الشعبي “الهجين”، بدأ فارس المحمد، من أهالي السماقيات في محافظة درعا على الحدود السورية الأردنية، حواره مع عنب بلدي، حول “الهجين” الذي يعتبر من أقدم أشكال الشعر الشعبي في الجنوب السوري. وقال إن هذا الأسلوب الشعري ولد من حياة «المراعي» و«السهول» وصحبة «الفرسان» في الصحراء، حيث كان الناس يتناقلون القصائد ليلاً، على ظهور الجمال والخيول.

وبقيت «الهجنة» مرتبطة بروح البدو ولهجتهم البسيطة، لأنها تعبر عن الفرح والعتاب والفخر بكلمات قريبة من القلب وتحمل طابع البيئة الحورانية والبدوية، بحسب المحمد (الذي يجيد هذا النوع من الإنشاد)، موضحا أن «الهجنة» كانت تقال قديما في «المضافات» خلال مراحل إعداد القهوة العربية، مثل «التميس» و«دق». “بالمهبج” ويغلي بالرقوة على نار الموقد عندما يجتمع الرجال بعد النهار. العمل الطويل والرعي.

وكان الشاعر الشعبي ينقل أخبار الناس وأحوالهم من خلال الأبيات، فبقي هذا الفن قريباً من المجتمع ويشبه تفاصيل حياته اليومية. وقال المحمد إن شاعر “الهجنة” يعتمد على سرعة البديهة وقوة الحضور، لأن الكثير من القصائد تُلقى بشكل ارتجالي في المناسبات والأعراس.

وأضاف أن الشاعر الحقيقي هو الذي يعرف كيف “يسحب الخط”، ويستجيب بسرعة بكلمات تحمل معنى وإحساسا دون تكلف أو اصطناع، وهو ما يعطي “الهيجانا” طابعها الخاص. وتحدث عن ارتباط “الهجانة” بحياة الفرسان وأهل الصحراء، ووصفت القصائد “النبل” والكرم و”الأربعة خيول”، بالإضافة إلى الغناء عن الشجاعة والفروسية.

الحنين والغربة والحب والسفر

وفي السنوات الأخيرة، عاد الاهتمام بـ”الهجين” من خلال تسجيلات نشرها شباب على مواقع التواصل الاجتماعي، محاولين إنقاذ هذا التراث الشعبي من الاندثار. فمنهم من يمزجها بالموسيقى الحديثة، فيما يصر آخرون على أدائها بشكلها القديم، حفاظاً على روحها العربية الأصيلة.

وقال فارس المحمد إن «الهجين» في النهاية ليس مجرد غناء، بل هو صوت الذكريات والتراث الشعبي في أذهان الناس، ولغة من لم يكتبوا تاريخهم في الكتب، «بل تركوه معلقاً في الهواء، بين نغمة أجش وبين بيت شعر يقول كل شيء في لحظة واحدة، عن الحنين والغربة والحب والسفر».

وأكد أن محافظة درعا حافظت على هذا اللون الشعبي عبر الأجيال، حيث لا يزال حاضرا في الأعراس والجلسات التقليدية حتى اليوم، ولا يزال “الخطايرة” (كبار السن) يرددون آيات “الهجنة” القديمة، فيما يحاول بعض الشباب جمعها وحفظها.

“الهجنة” ليست مجرد شعر، بل هي جزء من ذاكرة الجنوب السوري، لأنها توثق اللهجة والعادات القديمة وتفاصيل الحياة البسيطة. وقال المحمد إن هذا الفن يحمل روح الرب والسمر ويعكس صورة المجتمع الحوراني بعفويته وقيمه الأصيلة.

سبب قرب “الهجنة” من الناس

ولعل أكثر ما يميز «الهجيني» هو صدقه، فهو لا يبخل بالبلاغة، بل هو وليد التجربة المباشرة، ويضرب المحمد أمثلة على ذلك: «الراعي الذي يشتاق إلى أهله، والأم تنتظر ابنها، والرجل يقف على قبر غريب بعيد عن أرضه». لذلك، بقي “الهجيني” قريباً من الناس رغم تغير الزمن، إذ لا تزال المجالس الريفية والأمسيات الشعبية تحافظ على مكانته.

ويتجاوز هذا التراث الشعبي البدوي صحراء الشام، فهو معروف في جميع أنحاء المناطق البدوية في الأردن وشمال السعودية والعراق، ويحمل معاني كثيرة من الحكمة والبساطة.

وبحسب شاعرها فارس المحمد، فإن “الهجنة” تحتاج إلى الاهتمام أكثر بالشعر الشعبي وتوثيقه، لأن الحفاظ عليه يعني الحفاظ على جزء من تاريخ المنطقة وتراثها، لتبقى كلمات الصحراء وأصوات الشعراء حاضرة في ذاكرة الأجيال القادمة.

“الهجين” في كتاب

ومن أهم المصادر الحديثة التي تناولت “الهجيني” كفن بدوي قديم، كتاب “فن الهجيني في الغناء البدوي: دراسة ونصوص” للباحث محمود مفلح البكر، حيث يؤكد أن “الهجيني” هو أحد أبرز أشكال الغناء والشعر البدوي في الصحراء العربية، وارتبط بشكل مباشر بحياة الرعي والسفر وركوب الجمال.

وبحسب الكاتب البكر، فإن “الهجين” انتشر في صحراء الشام والجزيرة العربية، باعتباره فنًا شفهيًا يعبر عن الحب والحنين والفخر والشكوى. من الصعب تحديد بداياتها التاريخية بدقة، لكنها متجذرة في الثقافة البدوية القديمة.

وتلخص هذه الإشارة «قصة حياة الهجين» في أنها كانت تؤدى في كثير من الأحيان أثناء السفر على الجمال أو في لحظات العزلة في الصحراء، مما جعلها قريبة من «الضمير البدوي»، ومعبرة عن التجربة اليومية لرجل الصحراء أكثر من كونها نصًا مكتوبًا أو فنًا نخبويًا.

#الهجين #في #حوران. #روح #الربع #والسامر #والأرض

«الهجين» في حوران.. روح «الربع» و«السامر» والأرض

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – «الهجين» في حوران.. روح «الربع» و«السامر» والأرض

المصدر : www.enabbaladi.net

.