.

اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة – وجادلهم بالتي هي أحسن

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة – وجادلهم بالتي هي أحسن


دستور نيوز

المهندس بسام برغوت

إن دعوة الناس إلى الله من أشرف المهام التي قام بها الأنبياء والمرسلون. وهي رسالة تقوم على تبليغ الحكمة والتأثير في القلوب قبل العقول. ومن الأساليب التي أهداها القرآن الكريم في هذا السياق، يبرز مبدأ الحوار الراقي الذي يقوم على الرفق واللين، كما جاء في قوله تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) (سورة النحل). تحمل هذه العبارة القصيرة في طياتها منهجاً متكاملاً في التعامل مع الآخرين، خاصة عند وجود اختلاف في الرأي أو المعتقد، كما تدعو إلى استخدام أجمل الأساليب وألطف التعبيرات، بعيداً عن القسوة والتعصب.

المناظرة في الإسلام ليست مرفوضة قطعا، بل هي وسيلة لإظهار الحق، على أن تقوم على الأدب والاحترام. قد يختلف الإنسان بطبيعته مع الآخرين في الأفكار والمعتقدات، لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى صراع أو تنافس، بل إلى فرصة للتفاهم والتقارب. وهنا تأتي أهمية قوله تعالى: “وجادلهم بالتي هي أحسن” فهو يضع قاعدة ذهبية للحوار البناء الذي يهدف إلى الإرشاد لا الغلبة، والإقناع لا الإهانة.

وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ في حياته اليومية. وكان يتعامل مع المعارضين بأدب، ويستمع إليهم بصبر، ويستجيب لهم بالحجة واللطف. ولم يعتمد على الشدة أو الإكراه، بل خاطب العقول والقلوب معًا، مما جعل الكثيرين يعتنقون الإسلام عن قناعة ومحبة. وهذا يدل على أن الكلمة الطيبة والأسلوب الطيب قد يكون لهما تأثير أقوى من أي وسيلة أخرى.

ومن أهم ما يمكن فهمه من هذه الآية هو ضرورة اختيار الأسلوب المناسب عند إجراء الحوار. لا يقبل جميع الناس نفس الأسلوب، بل يجب أن تؤخذ في الاعتبار ظروفهم وثقافتهم ومستوى فهمهم. والحكمة تقتضي أن يخاطب كل إنسان بما يناسبه، وأن يستخدم العبارات التي تقربه ولا تنفره. قال الله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) (سورة النحل).

ومن آداب المناظرة الابتعاد عن السخرية والسخرية، لأن ذلك يغلق أبواب الحوار ويثير العداوة. المُناظر الحكيم هو الذي يحترم الطرف الآخر، حتى لو اختلف معه، ويُظهر له التقدير، مما يخلق بيئة مناسبة للنقاش المثمر. كما أن استخدام الكلمات الطيبة والعبارات الهادئة يساهم في تهدئة النفوس ويساعد على تقبل الأفكار الجديدة.

ولا يقتصر هذا المبدأ على الدعوة الدينية فقط، بل يشمل جميع جوانب الحياة، سواء في الأسرة، أو المجتمع، أو العمل. الخلاف بين الناس أمر طبيعي، لكن طريقة التعامل معه هي التي تحدد نتائجه. إذا تم الحوار بأسلوب جيد فإنه يعزز العلاقات ويقوي الروابط، أما إذا تم بطريقة قاسية فإنه يؤدي إلى الانقسام والصراع.

الجدال بالأسلوب الأمثل يحتاج إلى الصبر وضبط النفس، لأن الحوار قد ينطوي على استفزاز أو إساءة من الطرف الآخر. وهنا تظهر طبيعة الإنسان. فهو إما يرد بالمثل فيتصاعد الخلاف، أو يلتزم الهدوء ويرد على الإهانة بلطف، مما قد يحول العدو إلى صديق، كما أمر الله تعالى عندما قال: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) (سورة فصلت). المناظر الناجح هو من يجمع بين الأسلوب الجيد والمضمون القوي، فيطرح أفكاره بطريقة مقنعة ومنطقية، دون تنازل أو غطرسة.

وفي عصرنا الحالي أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة واسعة للنقاش والمناظرات، ولكن للأسف غالبا ما يغيب هذا المبدأ القرآني العظيم. نرى العديد من الحوارات تتحول إلى مشادات كلامية مليئة بالشتائم والتشهير، مما يفقدها قيمتها ويبعدها عن الهدف الحقيقي للحوار. ولذلك فإننا بحاجة ماسة إلى أن نتذكر قوله تعالى: “وجادلهم بالتي هي أحسن” في كل نقاش نخوضه سواء أكان على الهواء مباشرة أو عبر الإنترنت.

والالتزام بهذا الأسلوب لا يعني التنازل عن الحق أو التنازل عن المبادئ، بل هو تعبير عن قوة الشخصية ونضج الفكر. الشخص الذي لديه الحجة لا يحتاج إلى الصراخ أو الشتائم؛ بل يكفيه أن يعبر عن رأيه بثقة وهدوء. وهذا ما يجعل الآخرين يحترمونه ويستمعون إليه.

ومن ثمار النقاش الجيد نشر روح التسامح في المجتمع والحد من الصراعات والخلافات. وعندما يتعلم الناس كيفية الحوار باحترام فإن ذلك يساهم في بناء مجتمع متماسك يسوده التفاهم والتعاون. كما أنه يعزز صورة الإسلام كدين الرحمة والعدل، يدعو إلى الخير بشكل حضاري وإنساني.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا المبدأ يتطلب التدريب والممارسة، فهو ليس فطريا لدى الجميع. قد يجد بعض الأشخاص صعوبة في التحكم في انفعالاتهم أو اختيار الكلمات المناسبة، ولكن مع الوقت والخبرة يمكن تطوير هذه المهارة. ويكفي بالإنسان أن تكون لديه نية صادقة في الإصلاح، وأن يتذكر أن هدفه هو الوصول إلى الحق، وليس انتصار الذات.

ختاماً،

وقوله تعالى: “وجادلهم بالتي هي أحسن” يمثل قاعدة أخلاقية عظيمة تناسب كل زمان ومكان. وهي دعوة لتحسين أسلوب الحوار والابتعاد عن العنف اللفظي وتبني الحكمة واللين في التعامل مع الآخرين. وإذا التزم المسلمون بهذا النهج، فلن ينجحوا في إيصال رسالتهم فحسب، بل سيكسبون قلوب الناس واحترامهم. الكلمة الطيبة صدقة، والحوار الطيب طريق إلى الهداية ووسيلة لبناء عالم أكثر سلاما وتفاهما.

المهندس بسام برغوت

#حديث #الجمعة #وجادلهم #بالتي #هي #أحسن

حديث الجمعة – وجادلهم بالتي هي أحسن

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة – وجادلهم بالتي هي أحسن

المصدر : www.elsharkonline.com

.