دستور نيوز
عنب بلدي – محمد ديب بزت
لم تكن الأسواق في مدينة حلب القديمة نشطة دفعة واحدة، بل فتحت أبوابها تدريجيا على شكل أروقة منفصلة. استأنف بعضها عمله، والبعض الآخر بقي مغلقاً، وبين هذين المشهدين يتحرك الناس وهم يحاولون استعادة إيقاع الحياة اليومية. يسيرون بين أزقة البلدة القديمة والمحلات التجارية، وكأن المدينة القديمة تستعيد تدريجياً نبضها المألوف.
كل ركن من أركان هذه الممرات يروي حكايات عن ماضي المدينة الذي لا يُنسى، وعن الحاضر الذي يحاول أن يجد لنفسه مكاناً بين الركام والذكريات.
شبكة شبكية
تتميز أسواق حلب القديمة بشبكة من الممرات المتداخلة. ومن سوق “الحبل” يمكن العبور إلى أسواق “السقطية” و”الجلوم” و”العطارين”، في طريق اعتاد عليه أهل حلب منذ عقود طويلة، وكان جزءاً من حياتهم اليومية.
في المقابل، لا تزال أسواق أخرى خارج هذا المشهد، مثل أسواق «السرماتية» و«الذهب» و«الصوف»، حيث لم تعد حركة المرور بعد، وتبقى حاضرة كأسماء وليس أماكن مفتوحة.
وبين أسواق عادت للعمل وأخرى تنتظر، تستعيد المدينة القديمة جزءاً من حركتها المعتادة، عودة هادئة بلا ضجيج، يتقدمها فتح باب محل، ومرور زبون، وصوت مألوف في ممر قديم، وصدى أصوات التجار، كما كانت حلب دائماً، مدينة تعيش من أسواقها وبأبسط تفاصيلها.
تحول في سوق «الحبال».
وفي سوق «الحبل»، يبدو العائد أكثر وضوحاً. ويعود السوق الذي عرف تاريخيا ببيع الحبال ولوازم الحرف التقليدية، إلى النشاط منذ عام 2023، مع افتتاح معظم متاجره وعودة الزبائن إليه يوميا.
وإلى جانب المهن القديمة في السوق، دخلت السوق أنشطة جديدة أضافت ألوانا مختلفة إلى المشهد العام، مثل النقش اليدوي وبيع المواد التراثية، ومحلات النحاس والألياف التقليدية المستخدمة في الحمامات، إضافة إلى محلات العطور والصابون. هذه التفاصيل جعلت من السوق لوحة حية تتشابك فيها المهن، كما كانت أسواق حلب دائماً مكاناً للحياة والعمل معاً.
وقال الحرفي أيمن سعيد، صاحب محل متخصص في الرسم على الخشب داخل سوق “الحبال”، إن السوق كان في السابق مخصصًا بالكامل لبيع الحبال والشباك التي يحتاجها الصيادون في ريف حلب والساحل، لكنه تحول اليوم ليشمل عددًا من المهن التراثية التي لم تكن موجودة سابقًا.
وأضاف سعيد، خلال حديثه لعنب بلدي، أن الرسم البارز على الخشب الذي يمارسه هو حرفة ورثها عن أجداده، وتعتبر من الحرف التراثية المعروفة في حلب وسوريا بشكل عام. وكانت تُنفذ تاريخياً في القصور والبيوت العربية القديمة والأسقف المستعارة، وما زال الطلب عليها قائماً، خاصة بين الساعين إلى الحفاظ على «أنفاس» البيت الحلبي القديم.
وأوضح أن السوق تعرض للتدمير الكامل خلال سنوات الحرب، قبل أن تعود الحركة إليه تدريجياً، ومع عودة النشاط بدأت تظهر حركة سياحية محدودة، إضافة إلى زيارات المغتربين الذين يتوجهون إلى السوق لشراء قطع تراثية تمثل حلب، ليأخذوها معهم كهدايا خارج البلاد، ولتبقى ذاكرة المدينة حاضرة معهم رغم بعد المسافة.
مدخل سوق الحبال بحلب القديمة – 21 كانون الثاني 2026 (عنب بلدي)
لقد تغير السوق
وقال سالم جاويش، إن صناعة الحبال كانت تتم في منطقة يعرفها أهل حلب باسم “المغاير”، حيث كانت ورش صناعة الحبال داخل الكهوف، ويتم وضع الحبل وسحبه على مسافة طويلة، وكان وجود الرطوبة داخل الكهف ضرورياً قبل اعتماد الحرفة على الآلات.
وأضاف جاويش، في حديثه لعنب بلدي، أن السوق اليوم تغير كثيرًا، حيث يقدم كل صاحب محل سلعة مختلفة، بينما كان السوق سابقًا مقصد أهالي ريف المدينة، وكان مفتوحًا منذ ساعات الصباح الأولى.
ويستذكر النشاط الذي كان سائداً في الأسواق قبل الحرب، خاصة في أيام الأعياد ويوم الوقفة الاحتجاجية، حيث كان كل شارع ينبض بالحياة، وتتشابك الأصوات مع الروائح والألوان القديمة.
وعن حركة السوق الحالية، يرى جاويش أن الأمر لم يعد كما كان، ويربط ذلك بتوجه الناس نحو أسواق أخرى في المدينة، مثل الفرقان والسبيل والموكامبو.
كما أشار إلى أن إغلاق باب الجامع الأموي القبلي المطل على سوق “الحبال” كان له أثر كبير على الحركة، إضافة إلى الدمار الذي أصاب الأسواق المجاورة مثل سوق “السرماطية”.
وأصبحت الأسواق اليوم، بحسب جاويش، أماكن للزيارة والتجول، بدلًا من مساحات للبيع والشراء، مع وجود أماكن مثل مقام “النبي زكريا”، الذي أضاف بعدًا دينيًا وتراثيًا وسياحيًا، ويجعل الزائرين يتوقفون لحظة بين محلات الحبال والنقش والأخشاب.
الصعوبات التي تواجه الترميم
وهناك العديد من التحديات التي تواجه الجهات القائمة في المدينة فيما يتعلق بإعادة التأهيل، أبرزها عدم توفر التمويل اللازم لاستكمال أعمال الترميم.
أعلن مدير آثار حلب منير القصقص، أن بعض الأسواق الأثرية في المدينة شهدت أعمال ترميم خلال الفترة التي أعقبت سقوط نظام الأسد، ومن بينها سوق المحمصة، حيث تم إعادة تأهيل 24 محلاً تجارياً.
في المقابل، لا تزال أسواق أخرى مثل “الإيبي” و”الباطية” و”الدرعا” و”الجوخ” و”الصايغ” و”السرماطية” تنتظر ضمها إلى أعمال الإعمار، منتقدة بطء العملية حتى الآن.
وشهدت بعض أسواق المدينة القديمة بحلب أعمال ترميم محدودة في السنوات الأخيرة، نفذتها جهات تابعة للرئيس المخلوع بشار الأسد، أبرزها “الأمانة السورية للتنمية” المعروفة بارتباطها الوثيق بأسماء الأسد، إلى جانب “مؤسسة الآغا خان”، التي ساهمت تدريجياً في عودة الحركة إلى أسواق مثل “الجلوم” و”أنطاكية”.
وشملت هذه الأعمال أسواقاً مختلفة مثل “السقطية” و”العبي” و”الحبال”، وتركزت على ترميم الواجهات الحجرية وتركيب الأبواب وتحسين البنية التحتية.
ورغم أن هذه الأعمال ساعدت في إنعاش بعض الأسواق الأقل تضرراً، إلا أن أسواقاً مركزية أخرى مثل “الزهراوي” و”السويقة” بقيت خارج دورة الحياة التجارية، نتيجة حجم الدمار الكبير فيها وغياب خطة شاملة لإعادة تأهيلها.
متعلق ب
#سوق #الحبال. #قلب #حلب #القديمة #ينبض #بين #ركام #الحرب
سوق الحبال.. قلب حلب القديمة ينبض بين ركام الحرب
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – سوق الحبال.. قلب حلب القديمة ينبض بين ركام الحرب
المصدر : www.enabbaladi.net
