.

اراء و اقلام الدستور – استشهاد المفتي الشيخ حسن خالد: اغتيال مشروع وطن – 1

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – استشهاد المفتي الشيخ حسن خالد: اغتيال مشروع وطن – 1


دستور نيوز

المحامي أسامة العرب

تحل علينا الذكرى السابعة والثلاثون لاستشهاد سماحة المفتي العام الشيخ حسن خالد، ليس فقط كمناسبة عابرة في سجل الأحزان الوطنية، ولا كذكرى اغتيال هزت ضمير اللبنانيين، بل كلحظة مفصلية في تاريخ الدولة اللبنانية نفسها. ولم يكن اغتيال المفتي مجرد استهداف لشخصية دينية بارزة، بل كان محاولة للنيل من فكرة الدولة وتقويض مرجعيات الاعتدال وإسكات صوت العروبة اللبنانية الجامعة، في مرحلة كانت البلاد تتأرجح فيها على حافة الانهيار والانقسام.

استشهاده جاء في مرحلة حساسة جداً من الحرب اللبنانية، حيث بلغ التفكك السياسي والاجتماعي ذروته، وتحولت الساحة اللبنانية إلى ساحة مفتوحة للصراعات الداخلية والخارجية. وفي مثل هذه الظروف يتم استهداف الشخصيات الكبرى لأنها تمثل قوة فكرية ومعنوية قادرة على تعطيل مشاريع الفوضى. ومن هنا كان اغتيال الشهيد المفتي، في جوهره، اغتيالاً لمشروع وطني متكامل، يقوم على العروبة الثقافية والتعايش ووحدة المؤسسات ورفض منطق الدويلات والانقسامات.

إن استحضار هذه الذكرى اليوم ليس مسألة رثاء فحسب، بل هو أيضاً مسألة مسؤولية سياسية وأخلاقية. ولا يزال لبنان يواجه، ولو بأشكال مختلفة، نفس الأسئلة التي شغلت المفتي الشهيد: مسألة السيادة والدولة والعيش المشترك، وعلاقة الانتماء العربي والخصوصية اللبنانية، ودور المسلمين في الوطن ركيزة أساسية في مشروع الوحدة الوطنية، وليس مجرد طائفة تسعى إلى حصة في السلطة.

وتكتسب هذه الذكرى بعدا إضافيا في ظل ظروف جيوسياسية معقدة، بين العدوان الإسرائيلي الذي يهدد السيادة الوطنية وينتهك الأرض والكرامة، والمحاولات الداخلية والخارجية لإعادة تعريف لبنان خارج ثوابته التاريخية والدستورية. في المقابل، تتجدد المحاولات لمحو ملامح «وثيقة الثوابت الإسلامية العشرة»، التي لم تكن مجرد بيان ديني أو موقف ظرفي، بل إعلان وطني ودستوري سبقت روحها العديد من التسويات اللاحقة.

عندما أصدر سماحة المفتي الشيخ حسن خالد بالتعاون مع الإمام محمد مهدي شمس الدين وثيقة الثوابت من دار الفتوى عام 1983، لم يكن ذلك تعبيراً عن موقف طائفي أو رد فعل فوري على أحداث الحرب، بل محاولة واعية لإعادة الفكر السياسي الإسلامي في لبنان على أساس الدولة الواحدة والمواطنة المتساوية والشرعية الدستورية. وأراد المفتي الشهيد التأكيد على أن الإسلام في لبنان ليس مشروع عزل أو هيمنة، ولا أداة في الصراع بين المحاور، بل هو جزء لا يتجزأ من بناء الدولة الوطنية العادلة.

ومن أبرز ما أكدته الوثيقة أن لبنان يعتبر وطنا نهائيا لجميع أبنائه. هذه العبارة التي أصبحت اليوم جزءاً راسخاً من الخطاب السياسي والدستوري، كانت في حينه موقفاً جريئاً للغاية في وقت كانت مشاريع التقسيم والفدرالية والكانتونات الطائفية تتقدم على حساب فكرة الدولة المركزية. ولم يكن هذا الموقف شعارا عاطفيا، بل كان تأصيلا عميقا لمفهوم المواطنة باعتبارها رابطة قانونية وسياسية وأخلاقية تتجاوز الانقسامات الطائفية والمذهبية والمناطقية.

ومن الناحية الدستورية، شكلت وثيقة الثوابت الإسلامية العشرة الأساس الفكري لفكرة الشرعية المؤسسية في لبنان، حيث أكدت أن لا سيادة فوق سيادة الدولة، ولا سلطة تسبق سلطة المؤسسات الوطنية الموحدة. كما أنها تتفق مع روح المادة السابعة من الدستور اللبناني التي تنص على المساواة بين اللبنانيين أمام القانون في الحقوق المدنية والسياسية دون تمييز. ولذلك، لم تكن الوثيقة دفاعًا عن مكانة المسلمين في الدولة فحسب، بل كانت أيضًا دفاعًا عن الدولة نفسها في مواجهة منطق الميليشيات والتشرذم والتبعية.

ولم يكن المفتي الشهيد مجرد فقيه يشغل منصب الإفتاء منذ عام 1966، بل كان رجل دولة بالمعنى العميق للكلمة، جمع بين الفقه والوطنية، والإيمان والعقل، والاعتدال والصلابة. وكان يدرك أن المرجعية الدينية في بلد معقد مثل لبنان لا يمكن أن تقتصر على إدارة الشؤون الدينية أو إصدار الفتاوى، بل يجب أن تكون ضميراً وطنياً وصمام أمان في مواجهة الفتنة والانقسام.

لقد كان رجل منطق وتوحيد، ليس فقط بمعناه الديني، بل أيضاً بمعناه الوطني: توحيد اللبنانيين حول مشروع الدولة، وتوحيد المسلمين حول الاعتدال، وتوحيد الخطاب العربي حول فلسطين والقدس والسيادة. لذلك، استخدم مكانته الفكرية والقانونية لمنع تفكك لبنان وتحوله إلى ساحات نفوذ متحاربة يجذبها التعصب والسلاح والارتهان للعالم الخارجي.

وكان يدرك تمام الإدراك أن قوة لبنان لا تكمن في عزلته عن محيطه أو اندماجه فيه، بل في عروبته الثقافية المنفتحة، وفي قدرته على أن يكون وطناً للتعايش بين المسلمين والمسيحيين. ولم تكن العروبة بالنسبة له إلغاء للخصوصية اللبنانية، كما أن الخصوصية اللبنانية لم تكن عكس الانتماء العربي. بل رأى في لبنان نموذجاً عربياً للحرية والتنوع والشراكة.

ومن هذا المنطلق، شكّل المفتي حسن خالد سداً منيعاً أمام محاولات حرف لبنان عن موقعه الطبيعي أو تفكيك كيانه الوطني. فمن قمم عرمون في السبعينيات، إلى اللقاءات السياسية التي سبقت اتفاق الطائف، وصولاً إلى اجتماعات الكويت عام 1989، بقي حاضراً كمرجع وطني ثقل ومحرك أساسي لمسار الإصلاح السياسي، باحثاً عن صيغة تنقذ لبنان من الحرب وتعيد الاعتبار لمؤسساته.

يستمر غدا

المحامي أسامة العرب

#استشهاد #المفتي #الشيخ #حسن #خالد #اغتيال #مشروع #وطن

استشهاد المفتي الشيخ حسن خالد: اغتيال مشروع وطن – 1

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – استشهاد المفتي الشيخ حسن خالد: اغتيال مشروع وطن – 1

المصدر : www.elsharkonline.com

.