.

اراء و اقلام الدستور – مرثاة أخيرة لجبل عامل

سامر الشخشيرمنذ 14 دقيقة
اراء و اقلام الدستور – مرثاة أخيرة لجبل عامل


دستور نيوز

بقلم نديم قطيش

“أساس ميديا”

لا أعلم إذا كان جبل عامل مكاناً حقيقياً. أعتقد أحيانًا أننا اخترعنا القرى فقط لنعطي الحزن شكلًا لا يُنسى. كأنه مجرد هواء يمر بين أشجار الزيتون ثم يختفي. أما الحرب فهي هنا بيننا، ولا تفعل شيئا سوى تقزيم قدرة الأشياء على التظاهر بالبقاء. إنها أيضًا فرصة للاعتراف بشكل مهين بأن الأرض لا تشعر بأي شيء. الأشجار لا تشعر بأي شيء. وحتى عندما تسقط المنازل، فإن ما نسميه الكارثة لا يحدث لها. الكارثة فكرة إنسانية، لأن القلب لا يتحمل أن يبقى العالم عادياً إلى هذا الحد.

القرى لا تموت دفعة واحدة، بل تنسحب ببطء من نفسها. تترك الباب، ثم الشجرة، ثم رائحة الخبز، ثم صوت الماء في الصنبور، حتى لا يبقى إلا شيء صغير جدًا يشبهها.

جبل عامل ليس هناك الآن. لا في مكان يسهل الوصول إليه، ولا في الأخبار، ولا في الصور التي تعيد لنا نفس الحجارة من زاوية أخرى. أصبحت فكرة متعبة، تجلس بالقرب من نفسها وتحاول أن تتذكر كيف كانت التلال والشوارع والطرق والمتاجر والبرك طبيعية ومملة وجميلة قبل أن تصبح ترنيمة للغياب. وربما لهذا السبب، عندما أنظر إلى صور المنازل المدمرة، لا أشعر بالحزن التام. أشعر بشيء يشبه الغيرة من تدمير أصدق ذواتنا.

هذا الركام لا يحاول أن يبدو شجاعاً أو وطنياً أو حتى مظلوماً. مجرد الحجارة التي فقدت ترتيبها. نزلت قليلاً نحو الأرض، وكأنها سمعت شيئاً لا نسمعه. هذا كل ما في الأمر. أما نحن فنضيف إليها ما ليس فيه، لئلا نعترف بأن العالم لم يعدنا بشيء أصلاً. وما الدمار إلا مرآة لحياتنا، والبيوت التي سقطت بداخلنا منذ زمن طويل. والأصوات التي لم نعد نسمعها حتى يتوقف كل شيء فجأة.

نحن نعيش في العادات

نحن لا نعيش في الأماكن فقط. بل في عاداتنا الصغيرة حولها ومعها. في الطريق الذي نسلكه دون تفكير، في النافذة التي نعرف أن نورها سيبقى قليلا، في رنين الاسم عندما يقال دون أي اهتمام.

عندما تختفي هذه الأشياء، فإنها لا تجلب معها الحزن، بل تزيل الثقل الذي يشدك إلى الأرض. يبدو الأمر كما لو أن جزءًا من العالم قد توقف عن التعرف عليك وتلك السذاجة التي تجعلك تعتقد أن الأشجار غير قابلة للتغيير.

أدركت الآن أن هذا ما يخيفني أكثر من الموت: فقدان ثقتي الساذجة في الأشياء. ألا أشعر مرة أخرى بذنب غامض في صدري لأن العالم لا يزال قادرًا على مواصلة هذا الهدوء؟ ألا تدهشني قدرة البشر على مواصلة الحياة فوق هاوية مفتوحة؟ ربما لأن الجحيم الحقيقي ليس الألم، بل التكيف معه. ربما لهذا السبب أحب المدن. المدن لا تعد أحدا بالخلاص. فهو يمنحك فقط شارعًا لتمشي فيه، وضوءًا في الزاوية، ووهمًا صغيرًا بأنك تسير في اتجاه محدد.

أما جبل عامل فهو ليس مدينة على الإطلاق. إنها فكرة الهدوء التي سقطت ومعها الإيمان بوجود مكان يمكنك العودة إليه دائمًا. إذن فالجمال نفسه بلا ضمير. غروب الشمس في الجنوب لا يزال جميلا. السماء التي ظللت العشاق هي نفسها فوق الدبابات. هذه إهانة إضافية لعمري.

أحيانًا أرى ناجين من الحرب وأظن أنهم لم ينجوا حقًا. فقط قم بتأجيل انهيارهم قليلاً. أنا متعب. تعبت من عامل الجبل. أحد المجالات التي أعتقد أنها تتطلب الحكمة مني. من الأمهات اللاتي يحملن صور أبنائهن وكأن موتهن مهنة. من الشعراء الذين يأتون متأخرين دائما ليجمعوا الرماد في دفاترهم.

دولة بلا بطولة

أريد وطناً بلا بطولة. أنت تشرب البيرة عند الظهر. تنسى أحيانًا موتاها، وتتثاءب، وتغش، وتنام طويلاً، وتفكر في الطقس أكثر من تفكيرها في التاريخ.

لكن جبل عامل لم يترك وحده. هناك من يحتاج إلى جرح دائم ليغطيه بالمعرفة. أفكر الآن ببائع أدوات صحية في بنت جبيل، الذي أراد فقط استبدال بلاط الحمام في منزله. لشراء مروحة أقوى لفصل الصيف. أن يزوج ابنته لرجل سمين وهادئ يحب مشاهدة كرة القدم.

ثم جاءت الحرب فأدرجته في قصيدة لم يطلب أن يكون فيها. هذا ما تفعله الحروب بنا. إنه يحول الأفراد إلى رموز وأيقونات سيئة الحظ.

بالأمس شاهدت فيديو لدجاجة وحيدة تمشي على الركام. كان المشهد كاملا. دجاجة لا تهتم لماذا اختفت المنازل من حولها. ربما الحيوانات أكثر حكمة منا. لا تؤمن بالأوطان فلا تخسرها. أما نحن، فنحن مخلوقات يائسة للعشوائية.

نحن نخترع المعاني كما يخترع المؤرق الأصوات في الليل. وإلا فكيف لعالم يصنع الموسيقى والآيس كريم والروايات الروسية أن يخترع أيضاً قنابل عنقودية؟ كيف نبني المتاحف ثم نهدم المدن؟ نكتب الشعر، ونكتب معه البيانات العسكرية التي نحصي فيها عدد الجثث.

الجسد يكره المآسي العظيمة

وفي النهاية يعود العائدون إلى منازلهم ويخلعون أحذيتهم ويسألون: ماذا سنأكل الليلة؟ أحترم هذا السؤال بالذات، لأنه يصالحني مع الناس، أكثر من أي فلسفة. الجوع ينتصر دائما على الميتافيزيقا. حتى الشخص الحزين يحتاج إلى قهوة في الصباح. حتى الشخص الذي فقد منزله يعتقد أحيانًا أن شعره أصبح طويلًا جدًا.

وكأن الجسد يحتقر المآسي الكبرى، ويستمر في طلباته الصغيرة بوقاحة مذهلة. ولعل هذا هو السبب في أن الموت لا ينتصر تماما. لأن هناك دائمًا من يتذكر، في منتصف الجنازة، أنه نسي شراء السجائر. مثلما تموت قرية بأكملها، ويستمر نجم بعيد في الاحتراق بهدوء على بعد ملايين السنين، وكأن شيئًا لم يحدث.

أجد أنني كلما فكرت في الحرب لفترة أطول، كلما فقدت الحدود بين المأساة والسخرية، لأن الحياة ليست شجاعة كما نعتقد. انها مجرد عنيدة عمياء. القذائف أضعف من الرائحة. الرائحة أكثر إخلاصًا من الذاكرة. والأخيرة تكذب، وترتب المشاهد، وتحذف ما لا يعجبها. أما الرائحة فتهاجم دفعة واحدة، كالحيوان الذي يعرف الطريق وحده.

أفكر الآن في رائحة الأشياء عديمة الرائحة. أشم رائحته، كما لو كان هنا الآن. بقميص تم تعليقه بالقرب من المدفأة ذات يوم. مع ترك التين في طبق معدني. مع صوت الملعقة في كوب الشاي. مع المروحة التي هزت سقف الغرفة قليلًا في أغسطس، ومع النعاس الشديد بعد الغداء، عندما بدا العالم بطيئًا جدًا بحيث لا يؤذي أحدًا.

نظرة التعب على الأريكة، وصوت الماء في الخراطيم، والمذياع البعيد بعد الظهر، وظل الشجرة عندما تتحرك قليلا فوق البلاط. الحنين هو الشوق إلى الحواس القديمة. إلى النسخة الأولى من أنفسنا، عندما جاءت الأشياء إلينا مباشرة، دون الكثير من التفكير. عندما كان ضوء أصفر في المطبخ، أو صوت باب بعيد، كافيا ليشعرنا أن العالم، رغم كل شيء، في مكانه الصحيح.

وأنا أيضاً، بعد كل هذا الحديث، سأخرج لأشرب القهوة بعد قليل، وأبحث عن قميص نظيف، وأفكر هل أريد الخروج الليلة أم لا.

نديم قطيش

#مرثاة #أخيرة #لجبل #عامل

مرثاة أخيرة لجبل عامل

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – مرثاة أخيرة لجبل عامل

المصدر : www.elsharkonline.com

.