.

اراء و اقلام الدستور – زيارة السلام إلى دمشق: نحو مقاربة سيادية للعلاقات الثنائية/1

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – زيارة السلام إلى دمشق: نحو مقاربة سيادية للعلاقات الثنائية/1


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

تكتسب زيارة رئيس مجلس الوزراء اللبناني القاضي الدكتور نواف سلام إلى العاصمة السورية دمشق، ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، أهمية سياسية تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي والمجاملات الرسمية. ويأتي، توقيتاً ودلالات، في سياق محاولة إعادة صياغة العلاقة اللبنانية – السورية على أسس جديدة، تقوم على احترام السيادة وتفعيل المؤسسات، والانتقال من إرث الغموض التاريخي إلى منطق المصالح المشتركة وحسن الجوار. لا يمكن التعامل مع اللقاء بين الرئيسين سلام والشرع كحدث عابر في مسار العلاقات الثنائية، بل كمؤشر على احتمال ظهور مقاربة سياسية مختلفة تجاه قضية حساسة جداً في الوعي اللبناني والسوري. لم تكن العلاقة بين بيروت ودمشق ذات يوم مجرد علاقة جغرافية بين دولتين جارتين، بل كانت الاعتبارات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية متشابكة، وكان التعاون المشروع يختلط أحياناً بالمخاوف السيادية والتوترات السياسية.

ومن هنا تبرز أهمية الزيارة لأنها تطرح سؤالاً محورياً: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية السورية، على أساس منطق دولة لدولة، وليس على الوصاية أو القطيعة أو التبعية؟ هل يمكن تحويل القضايا الاقتصادية والأمنية والإنسانية إلى مقاربة عملية لإعادة بناء الثقة بين البلدين؟

وتشير المعطيات الأولية، في ظل أجواء الزيارة وطبيعة الملفات المطروحة، إلى إمكانية الاعتماد على هذا المسار. ولا يبدو أن ما شهدته دمشق مجرد لقاء سياسي بروتوكولي، بل يعكس توجهاً نحو نقل العلاقة من منطق التوتر السياسي الذي ميز المراحل السابقة، إلى إطار تعاون مؤسسي أكثر انتظاماً. ويعكس هذا التحول وعي الرئيسين سلام والشرع بأن العلاقات بين الدول لا تدار بالعواطف أو بذاكرة الماضي وحدها، بل بالمؤسسات والقواعد القانونية والمصالح الواقعية.

وكان لافتاً في كلمة الرئيس نواف سلام أنه ركز على مبدأين مترابطين: احترام السيادة المتبادلة وطي صفحة الماضي. وهذان المبدآن لا يندرجان في إطار المجاملة الدبلوماسية فحسب، بل يشكلان أساس أي مقاربة سليمة للعلاقات الخارجية اللبنانية. ويدرك الرئيس سلام، بخلفيته القانونية والدبلوماسية، أن السيادة ليست شعاراً خطابياً، بل هي ممارسة مؤسسية تبدأ باحتكار الدولة لقراراتها الخارجية، وتمر عبر القنوات الرسمية، وتنتهي باحترام سيادة الآخرين، كما يطالب لبنان باحترام سيادته. ومن هذا المنطلق، فإن تأكيده على عدم استخدام لبنان منصة لإهانة الدول العربية، وخاصة سوريا، يعبر عن رؤية متوازنة تؤكد مجددا موقف لبنان كدولة عربية مستقلة لا تدخل في محاور معادية، وفي الوقت نفسه لا تسمح بالمساس بسيادتها.

وهنا لا بد من التحية للرئيس نواف سلام الذي نجح بهدوءه ورصانته في إعادة لهجة الدولة إلى الخطاب اللبناني الرسمي. وجمع في نهجه بين التمسك بالسيادة والانفتاح الواقعي والدفاع عن المصالح اللبنانية والحفاظ على علاقات صحية مع سوريا. وهي معادلة دقيقة لا ينجح فيها إلا رجل دولة يدرك أن السياسة الخارجية هي إدارة مصالح في إطار القانون والتوازن. وقدّم سلام نموذجاً مختلفاً في مقاربة الملف السوري: لا تمزق ولا تبعية، ولا استعراضية ولا انفعال، بل رؤية قانونية ومؤسسية تنطلق من أن لبنان لا يستطيع أن يتجاهل موقعه الجغرافي، كما لا يجوز التفريط في سيادته. وهذا التوجه هو ما يضفي على الزيارة بعدا استراتيجيا.

في المقابل، برز الرئيس أحمد الشرع كشريك سياسي يسعى لفتح صفحة جديدة مع لبنان، على أساس الاعتراف المتبادل بالمصالح والخصوصيات. وإذا كانت العلاقات اللبنانية – السورية قد شهدت في الماضي مراحل معقدة ومختلة، فإن المناخ الذي ميز هذه الزيارة يوحي بأن دمشق أصبحت أكثر ميلاً إلى إدارة العلاقة مع بيروت بمنطق أكثر واقعية وتوازناً. ويبدو الثناء على الرئيس أحمد الشرع مناسباً من الناحية السياسية والتحليلية، لأنه أبدى استعداداً للتعامل مع لبنان كدولة كاملة السيادة، وليس ساحة نفوذ أو ورقة سياسية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن أي علاقة مستقرة بين البلدين لا يمكن أن تقوم إلا على الاعتراف المتبادل بالمؤسسات والمصالح والاهتمامات الوطنية لكل منهما.

إن الانفتاح السوري على مناقشة القضايا العالقة بروح إيجابية يعكس توجهاً جديداً نحو بناء علاقة مبنية على الواقعية السياسية وليس على إرث الماضي. وهذا من شأنه أن يقلل من مستوى الشك التاريخي ويفتح الباب أمام تعاون متوازن في قضايا الحدود والطاقة والنقل والتجارة والنازحين والمفقودين.

والحقيقة أن نجاح الرئيسين سلام والشرع في إرساء مناخ سياسي جديد بين بيروت ودمشق قد يشكل مدخلاً لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين على أساس واضح: لا يمكن للبنان أن يستقر في ظل علاقة متوترة مع سوريا، ولا يمكن لسوريا أن تستفيد من لبنان الضعيف أو المنقسم. فالاستقرار المتبادل مصلحة مشتركة، والسيادة المتبادلة ضمانة للطرفين.

ومن أبرز جوانب الزيارة، الاقتراح المتعلق بالانتقال من الصيغ التقليدية التي حكمت العلاقة اللبنانية – السورية، لا سيما إطار “المجلس الأعلى اللبناني – السوري”، إلى آلية أكثر مؤسساتية تعتمد على لجان وزارية متخصصة وإطار تنسيقي رسمي يخضع للمرجعيات الدستورية في البلدين. ولا يقتصر هذا التحول على الجانب الإداري، بل يعبر عن تغير في فلسفة العلاقة نفسها. وارتبط المجلس الأعلى في الذاكرة اللبنانية بمرحلة سياسية حساسة جداً، أما اللجان الوزارية، في حال تشكيلها وفق قواعد شفافة وواضحة، فإنها ستسمح بنقل العلاقة إلى مستوى أكثر طبيعية، أسوة بعلاقات لبنان مع الدول العربية الأخرى.

يستمر غدا

د. ابراهيم العرب

#زيارة #السلام #إلى #دمشق #نحو #مقاربة #سيادية #للعلاقات #الثنائية1

زيارة السلام إلى دمشق: نحو مقاربة سيادية للعلاقات الثنائية/1

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – زيارة السلام إلى دمشق: نحو مقاربة سيادية للعلاقات الثنائية/1

المصدر : www.elsharkonline.com

.