.

كيف وضعت “حرب أكتوبر” 1973 العالم على شفير الهاوية النووية…

صدى الملاعب17 أكتوبر 2023
كيف وضعت “حرب أكتوبر” 1973 العالم على شفير الهاوية النووية…

دستور نيوز

هنري لورانس* – (أوريان 21) 5 تشرين الأول (أكتوبر) 2023كان الهدف من وراء القرار المصري بعبور قناة السويس في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) في العام 1973 وخوض معركة جديدة مع إسرائيل بمعاونة سورية، إنهاء الوضع القائم منذ حرب حزيران (يونيو) 1967. لكن أنور السادات كان يضمر في نفسه هدفًا آخر، ألا وهو إشراك الولايات المتحدة الأميركية في المعادلة وإنهاء تبعية القاهرة لموسكو. وقد نجح ذلك الرهان جزئيا، لكنه وضع المنطقة على شفا صراع نووي.اضافة اعلان*   *   *يتألف “الصراع العربي الإسرائيلي” أو بعبارة أخرى الحروب التي وقعت بين إسرائيل والدول العربية، من حلقات قصيرة بالغة العنف، والتي كانت تمتد من أسبوع إلى بضعة أسابيع، تليها فترات طويلة من الكمون، مع احتمالية اندلاع مواجهات أقل حدة. وقد شهد مطلع ستينيات القرن الماضي نشأة الحركة القومية في إطار ما عُرف بـ”الحرب الباردة العربية” بين الدول “التقدمية” والدول “المحافظة”، والتي استُخدِمت فيها القضية الفلسطينية كورقة للتوافق والمزايدة في آن واحد. وقد رفعت القمة العربية التي عقدت في القاهرة في كانون الثاني (يناير) في العام 1964 شعار “تحرير فلسطين” -وكانت الأولى من نوعها.كانت حرب حزيران (يونيو) 1967 نتاج عملية معقدة من القرارات المتهورة والحسابات الخاطئة من جانب الفاعلين الإقليميين كافة. ورفعت القمة العربية المنعقدة في 29 آب (أغسطس) 1967 شعارًا جديدًا بعنوان “أزيلوا آثار العدوان”، أي استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حزيران (يونيو) 1967 (الضفة الغربية، والقدس الشرقية، وغزة، والجولان في سورية وسيناء في مصر). وقد أبدت كل بعض الدول العربية استعدادا لقبول الحل السياسي الذي يتضمن وقف القتال من دون الاعتراف بدولة إسرائيل، وتنحية القضية الفلسطينية جانبا من دون التصريح بذلك. ولكن مع اندلاع الثورة الفلسطينية وانتخاب ياسر عرفات رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية في شباط (فبراير) 1969، استعادت فلسطين مكانها على الساحة الدبلوماسية.إرث عبد الناصرترك الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي توفي في 28 أيلول (سبتمبر) في العام 1970، لخليفته أنور السادات، سلسلة كاملة من الخيارات. وكان من بينها الحل الذي تم طرحه في الخرطوم، لكن إسرائيل كانت راغبة في معاهدة سلام وضم أراض بينما لم تكن الولايات المتحدة جاهزة لذلك، خلافا لموقفها في العام 1957 عندما أجبرت إسرائيل على إجلاء قواتها من مصر (1). وكان هناك أيضا الخيار العسكري: “ما أخِذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”، وهو ما كان يتطلب إعادة التسليح بمساعدة الاتحاد السوفياتي. وكان هناك أكثر من 20 ألف “مستشار” سوفياتي في مصر، بعضهم في مواقع قتالية، خاصة في سلاح الطيران والدفاع المضاد للطائرات، غير أن موسكو لم تشأ أن تكون طرفا في حرب عربية جديدة ضد إسرائيل اعتبرتها خاسرة سلفا. لكن الوجود السوفياتي في القاهرة كان أداة لمساومة الولايات المتحدة الأميركية.شكل هذا الواقع قلقا بالغا لإدارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، وأدى إلى ظهور مدرستين فكريتين متعارضتين. الأولى هي مدرسة الخارجية الأميركية، التي رأت أن التطبيق الكامل للقرار 2243 سيؤدي إلى تقليص الوجود السوفياتي في المنطقة بشكل كبير، والثانية هي مدرسة هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي في ذلك الحين، الذي رأى أنه كلما طال أمد حالة “اللا سلم واللا حرب”، أدرك العرب أن الولايات المتحدة هي الوحيدة القادرة على حل الصراع. وهكذا سيتعيّن على العرب إظهار “اعتدالهم”، أي العودة إلى أحضان النظام الغربي. لكن المشكلة التي كانت تكمن في استراتيجية كيسنجر هي عجزه عن وضع تصور لتلك التسوية، حيث إن هويته كيهودي ألماني ناجٍ من المحرقة جعلته منحازا بشدة إلى إسرائيل، بينما تقف القضية الفلسطينية كحجر عثرة أمام حل الصراع. كما أن “الواقعية” بالنسبة له، أي المصالح الأميركية المباشرة بطريقة أو بأخرى، تعلو على الأخلاق والخسائر البشرية التي يمكن أن تسببها سياسته، كما أظهر دعمه لانقلاب تشيلي في 11 أيلول (سبتمبر) 1973، أو دعمه للجيش الباكستاني في العام 1971 على الرغم من المجازر التي تم ارتكابها في بنغلاديش الناشئة.تتمثل قوة الجيش الإسرائيلي الحقيقية في سلاحه الجوي، ولم يكن العسكريون العرب يجرؤون على مواجهته جوا في ظل ظروف متساوية. ولذلك، كان يجب إذن تجريده من قوته بواسطة نظام يجمع بين منصات إطلاق صواريخ “سام” والمدفعية الجوية المضادة للطائرات، الذي قد تثبت فعاليته لعدة كيلومترات، لكن نقله من مكان إلى آخر يستغرق وقتًا طويلاً، حيث تمتد ساحة المعركة المصرية إلى منطقة قناة السويس بأسرها، ويمكن أن تصل في أفضل الأحوال حتى خط الممرات في سيناء الذي لا يبعد عنها كثيرا. أما بالنسبة للسوريين، فتمثل مرتفعات الجولان ميدان المعركة الأساسي. وقد خطط الجيش المصري للعملية “غرانيت 2” التي تنتقل بموجبها القوات المصرية حتى الممرات، ثم تنتشر في كامل سيناء بعد فترة من التوقف.التأهب السياسيكان عبد الناصر يعول على تبني الجبهات العربية موقفًا مشتركًا لتشتيت القوات الإسرائيلية، لكن ولاء نظام البعث السوري كان على أقل تقدير مشكوكًا فيه، وهو ما يوحي بأن الرئيس المصري لم يكن ليقوم بهجوم عسكري في خريف العام 1970 على عكس ما يروج له أنصاره. لكن الانقلاب السوري الأخير في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1970، الذي تسلم بموجبه حافظ الأسد مقاليد السلطة في البلاد، غيّر المعادلة، حيث أسفرت “حركة التصحيح” التي أطلقها عن نشأة سلطة براغماتية، تَبِعها تقارب سريع بين مصر وسورية.بعد إقصاء الناصريين من السلطة، أصبح السادات يتمتع بقدر أكبر من حرية الحركة، فأطلق مشاريع سلام تطبق على مراحل متتالية، لكنها تشترط جميعًا انسحاب القوات الإسرائيلية الكامل، ما أدى إلى عزوف إسرائيل عن التفاوض. أما إدارة نيكسون التي كانت منغمسة آنذاك في حرب فيتنام، فأبدت اهتمامها بتلك المشاريع، لكنها لم ترغب في فرضها على إسرائيل نظرًا لأن 1972 كان عام الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولم يكن من الوارد استعداء “الأصدقاء في إسرائيل”، حتى أنها أعربت عن رغبتها في رحيل المستشارين السوفيات من مصر.كما أخذ السادات يتحدث علنًا عن استئناف الأعمال العدائية العسكرية، الأمر الذي لم يأخذه على محمل الجد المسؤولون الإسرائيليون الذين كانوا يصرحون بازدرائهم لقدرات العرب الفكرية والاستراتيجية، ولا سيما في مجالي الطيران والمدرعات. وقد شرح السوفيات لشركائهم العرب ضرورة توافر ثلاثة شروط لشن الحرب، هي: الأسلحة؛ والتدريب؛ والرغبة في القتال، وأنهم كانوا يفتقرون إلى العنصر الأخير. وعلى الرغم من دعايتهم المستمرة لتطبيق القرار رقم 242، لم تكن لدى السوفيات رغبة في خوض صراعٍ مسلح جديد.حاول السادات أن يشرح لهم أن بلاده لن تحتمل قرار “تجميد” الحرب. ثم، في تموز (يوليو) 1972، فاجأ العالم بطرد معظم المستشارين السوفيات الموجودين في مصر، معتبرًا أن تدريب جيشه قد وصل إلى نهايته وأن الروس لن يتمكنوا من منعه من الانخراط في صراع جديد. ولإنقاذ الموقف، اضطر السوفيات إلى الرضوخ وتسليم المصريين الأسلحة الإضافية التي طلبوها.شهد العامان 1972 و1973 سلسلةً من العمليات (3) -اختطاف طائرات والهجوم على دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ في أيلول (سبتمبر) 1972- وعمليات مكافحة الإرهاب التي غطت عن غير عمد على الاستعدادات العسكرية العربية. وفي تلك الأثناء وضع الجنرالات المصريون خطة “العملية بدر” التي كانت أكثر محدودية من عملية “غرانيت 2″، والتي تمثلت في عبور القوات قناة السويس مع تقدمها بعمق 15 إلى 20 كيلومترًا وصولاً إلى الممرات الجبلية بعد معركة استنزاف. وتم التنسيق عسكريًا مع سورية بدعم من المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، لم يذكر المصريون للسوريين مسألة تقدمهم حتى خط الممرات، واتفق الطرفان على شن هجوم عسكري متزامن. وتم تدريب الجيش المصري بشكلٍ خاص على عبور القناة من خلال سلسلة من المناورات الكبرى التي زادت من انطلاقات صفارات الإنذار في الجانب الإسرائيلي. كما بُثت سلسلة من “المعلومات المضللة”، من بينها نشر إشاعة تقول إن الجيوش العربية مستعدة للقتال، والتي تم الاستهانة بها اعتقادًا بأنها كذبة أخرى من أكاذيب العرب بغرض استعراض القوة. كما تمت مضاعفة التحذيرات الزائفة، وأمدّ أشرف مروان، صهر عبد الناصر الذي يُعتقد أنه كان عميلاً مزدوجًا، الإسرائيليين، بمعلومات خاطئة على الرغم من قابليتها للتحقق.مباغتة إسرائيلكان هناك حرص كامل على سرية المعلومات، حيث لم يطلع على الوضع كاملاً سوى 15 شخصًا من مصر وسورية. وزادت المملكة العربية السعودية من قيمة مساعداتها المالية للقاهرة، وأُطلِق العد التنازلي اعتبارًا من 22 أيلول (سبتمبر). وجرى تركيز القوات بدعوى إقامة تدريبات الخريف. وفي 3 تشرين الأول (أكتوبر)، أدرك السوفيات أن الحرب أصبحت وشيكة وقاموا بإجلاء مواطنيهم من مصر وسورية اعتبارًا من اليوم التالي. ولم يدرك المسؤولون الإسرائيليون حقيقة الوضع إلا قبل ساعات قليلة من بدء القتال، فلم يأخذوا في الاعتبار حقيقة أن هذه كانت حربًا ذات أهداف محددة، ولم يفهموا مغزى العمليات العسكرية بالنسبة للعرب، وهو إنهاء الوضع الراهن وإنشاء سياق سياسي جديد. أما على الصعيد العربي، فكان الهدف واضحًا، لكن الترتيبات السياسية غير واضحة المعالم، حيث إن استعادة الأراضي المفقودة كانت تتطلب أيضًا الاعتراف بإسرائيل، وهو ما لم يكونوا ينوون القيام به.وفي يوم 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1973، عند الساعة الثانية ظهرًا، فتحت المدفعية المصرية النار على امتداد قناة السويس، وقام المصريون بهجومهم عبر كامل الممر المائي، وانتشر الجيش الثاني المصري في قطاع القناة والجيش الثالث في قطاع البحيرات. وكُلل عبور القناة بنجاح ساحق، وأدرج في قائمة أعظم الأعمال البطولية في القرن العشرين. وبعد 24 ساعة من بدء العمليات، تمكن 100 ألف رجل وألف دبابة و13 ألف مدرعة من العبور إلى الجانب الآخر. وكان رد الفعل العسكري الإسرائيلي فوضويًا، وكانت الخسائر بينهم فادحة بسبب عدم وجود غطاء جوي.كانت جبهة الجولان أكثر ما يشغل الإسرائيليين، حيث كان نجاح السوريين في إحراز تقدم يمثل تهديدًا مباشرًا للأراضي الإسرائيلية. وبعد اشتباكات عنيفة، تم إيقاف تقدم القوات السورية. وفي مساء يوم 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وعلى عكس ما حدث على الجبهة الجنوبية، نجحت القيادة الإسرائيلية في موضعة وحداتها بفعالية، واعتمدت على مهارات الجنود القتالية لإتمام المهمة. وفي 10 تشرين الأول (أكتوبر)، تم صد السوريين وإعادتهم إلى مواقعهم الأصلية. وفي المجمل، أظهرت القوات السورية بسالة حقيقية، لكن العقيدة العسكرية الجامدة منعتها من الخروج على التعليمات الصارمة التي تلقتها مسبقًا من القيادات. وبسبب بعد المسافة لوجود صحراء سيناء، تمكن الإسرائيليون من إيقاف تقدم المصريين وتركيز جهودهم على الجبهة الشمالية.معاقبة سوريةقررت إسرائيل التنكيل بسورية عن طريق شن هجوم “جوي نفسي” على اقتصاد البلاد، مما تسبب في مقتل عدد كبير من المدنيين. لكن دمشق لم تهتز، إذ كانت تركن إلى مساعدة العرب لها في جهود إعادة البناء. وأرسل العراق إمدادات عسكرية إلى سورية، لكن تدخل القوات العراقية كان فوضويًا بعض الشيء نظرًا لعدم وجود اتفاق مسبق.شلّت قضية ووترغيت (1972-1974) حركة نيكسون، وكان كيسنجر هو صاحب القرار الفعلي، حيث كان يجمع بين منصبي مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية. واعتقد كيسنجر في البداية أن إسرائيل ستحقق انتصارًا سريعًا، واستغرق الأمر بعض الوقت لفهم الارتباك الذي سيطر على المسؤولين الإسرائيليين. أما القيادة السوفياتية التي كانت تتوقع هزيمة العرب سريعًا، فكان عليها أن تحافظ على التهدئة مع الولايات المتحدة وأن تفي في الوقت نفسه بواجباتها تجاه حلفائها، ولذلك أمدّت سورية بالأسلحة جوا.كانت إشكالية إسرائيل الرئيسية تتمثل في نفاد المعدات، لا سيما الطائرات والمدرعات، وإلا لكانت ستحقق انتصارًا بطعم الهزيمة إذا استمرت الأمور على تلك الوتيرة. وقد تعهد الأميركيون بتقديم المساعدة المطلوبة، فوجدت إسرائيل أرضًا صلبة لشن هجومها على سورية. واندلعت مواجهات عنيفة وبدت دمشق مهددة، لكنها استطاعت إيقاف تقدم القوات الإسرائيلية في 14 تشرين الأول (أكتوبر) بمساعدة القوات العراقية والمغربية، وتبعت ذلك حرب مواقع. وحشدت سورية قواتها استعدادًا للهجوم المضاد الكبير المقرر شنه في 25 تشرين الأول (أكتوبر)، بعد أن استطاعت الصمود وإعادة تنظيم قواتها بفضل وصول التعزيزات العربية. في الأثناء، كانت القوات الإسرائيلية مستنزفة القوى، وميزان القوى يتغير في غير صالحها.للحد من الضغط الذي تتعرض له سورية، شن المصريون هجومًا من دون غطاء جوي في اتجاه الممرات، وبدأت في 14 تشرين الأول (أكتوبر) أكبر معركة دبابات شهدها القرن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وتم نشر ألفي مدرعة، منها 1.200 دبابة، على جبهة بطول 140 كيلومترًا. ونجح المصريون في التقدم بعمق 15 كيلومترًا في عدة قطاعات، لكنهم كانوا مشتتي القوى كحال خصومهم في بداية الحرب. واستفاد الإسرائيليون هذه المرة من مواقعهم الدفاعية ومن الدعم الجوي، ونجحت قوات المشاة الميكانيكية في حماية المدرعات بفعالية. وعند الساعة 3 بعد الظهر، تم صد الهجوم المصري، وفي نهاية اليوم أمرت القيادة القوات بالعودة إلى مواقع البداية. وقد فقد المصريون 250 دبابة خلال هذه المعركة (أي ما يعادل جميع خسائرهم منذ بداية الحرب)، مقابل 40 دبابة في الجانب الإسرائيلي.بعد تردد، أقامت الولايات المتحدة جسرا جويا ضخما لدعم إسرائيل. وبدأ سوق النفط العالمي يتأثر بالقصف الإسرائيلي على سورية، والذي دمر خطوط إمداد النفط السعودي والعراقي إلى البحر الأبيض المتوسط. وفي 17 تشرين الأول (أكتوبر)، تم رفع أسعار النفط بضغط من الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود. وفي 20 تشرين الأول (أكتوبر)، قرر المنتجون العرب فرض حظر على صادرات النفط إلى الولايات المتحدة وهولندا. ومن جانبهما، مارست إيران وفنزويلا لعبة رفع الأسعار بشكل منهجي، وبعد بضعة أسابيع، قفز سعر النفط إلى أربعة أضعاف. وبعد معركة 14 تشرين الأول (أكتوبر) في سيناء، أصبح الإسرائيليون في موقع قوة، حيث بدأ الجسر الجوي الأميركي في إمداد إسرائيل بالأسلحة، وبدأ احتياطي المدرعات المصري ينفد بشكل كبير، كما حال الأميركيون دون تدخل عسكري سوفياتي. وفي 16 تشرين الأول (أكتوبر)، نجح الجيش الإسرائيلي في عبور قناة السويس، وأنشأ بعد معركة شرسة رأس جسر لعزل الجيش الثاني المصري عن الجيش الثالث. ولم يدرك السادات عواقب محاصرة الجيش الثالث، ورفض سحبه من الضفة الغربية لأسباب سياسية.معضلة الاتحاد السوفياتيرأى الاتحاد السوفياتي أن الوقت قد حان للتدخل السياسي، وقام قادته بتوجيه الدعوة إلى كيسنجر الذي وصل إلى موسكو في 20 تشرين الأول (أكتوبر) وحاول كسب الوقت. وفي 21 تشرين الأول (أكتوبر) بدأت المفاوضات الحقيقية. وأجبر تدهور الوضع العسكري السادات على إخطار الروس بأنه في حاجة ماسة إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وأبلغ الأسد بأن المصريين يقاتلون ضد الولايات المتحدة وليس إسرائيل بسبب الجسر الجوي، وأن النصر أصبح مستحيلًا.انتهت المناقشات بالتصويت، تحت وصاية واشنطن وموسكو، على قرار مجلس الأمن رقم 338، الذي دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار وتطبيق القرار 242 الصادر في تشرين الثاني (نوفمبر) 1967. ووافقت مصر على الفور، بينما حاولت إسرائيل الإسراع بتطويق الجيش المصري الثالث بالاستيلاء على مدينة السويس، وهو ما منع سورية من شن هجومها المضاد الكبير الذي كانت تعتزم القيام به.نشأت في أعقاب ذلك أزمة كبرى تُعزى في المقام الأول إلى الغياب الكامل للإشراف على وقف إطلاق النار. ولم يكن الاتحاد السوفياتي يرغب في هزيمة العرب بينما كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق نصر إسرائيلي محدود. وعلاوة على ذلك، كانت مكانة مصر على المحك، وقد استغل السادات تلك الورقة ببراعة، حيث أجبر الاتحاد السوفياتي على منحه مساعدات بعد أن هدده ضمنيا بالانضمام إلى المعسكر الغربي. وفي الوقت نفسه، أبلغ الغربيين بوضوح بأنه ينوي فعليا القيام بذلك. ولم يرَ السادات أي بادرة من الأميركيين، ولذلك اضطر إلى طلب التدخل السوفياتي. وفي ليلة 24-25 تشرين الأول (أكتوبر) -بسبب اختلاف التوقيت كان ما يزال يوم 24 في واشنطن وكان يوم 25 في موسكو- أرسل زعيم الكرملين في ذلك الحين، ليونيد بريجنيف، رسالة عاجلة للغاية إلى نيكسون لدرجة أنها نُقِلت عبر الهاتف، واقترح فيها إرسال قوات عسكرية سوفياتية وأميركية لضمان -ليس تطبيق وقف إطلاق النار فحسب، وإنما فرض سلام شامل.إنذار موسكو الكاذبفُسّرت رسالة بريجنيف على الفور في واشنطن على أنها إنذار نهائي، لكننا بتنا نعلم اليوم أنها لم تكن نية موسكو الفعلية. في اجتماع عقد يومي 23 و24 تشرين الأول (أكتوبر)، قرر المكتب السياسي إرسال 250 مراقبًا سوفياتيًا فقط كحد أقصى بما يعادل عدد المراقبين الأميركيين. وفي 24 تشرين الأول (أكتوبر)، عند الساعة 11:41 صباحا بالتوقيت المحلي، وبعد ساعة من المباحثات، اتخذت واشنطن قرارًا برفع حالة الاستعداد العسكري الأميركي إلى المستوى الثالث (ديفكون 3)، مما يعني رفع حالة التأهب التي تشمل تعبئة جميع أجهزة الردع النووية، وهو ما لم يكن يتناسب مطلقًا مع التحديات الراهنة.وفي صباح يوم 25 تشرين الأول (أكتوبر)، تلقى العالم بصدمة خبر إعلان حالة التأهب النووي العالمي بسبب الصراع الدائر في الشرق الأوسط. وأعرب الحلفاء الأوروبيون عن غضبهم من استبعادهم من قرارات بتلك الأهمية، ودافع كيسنجر عن موقفه متذرعًا بأن الوضع الطارئ هو ما اضطره إلى ذلك، واعترف في الوقت نفسه بأن التشاور مع أوروبا لم يكن ليؤثر على الخيارات الأميركية. تبع ذلك سلسلة من البيانات العامة شديدة اللهجة، اتهم فيها الأوروبيون الولايات المتحدة بإخفاء سياستها في الشرق الأوسط، بينما ألمح الأميركيون إلى جبن الأوروبيين بسبب اعتمادهم على النفط العربي. وقد سيطرت حالة عدم التصديق على القيادة السوفياتية أكثر من غيرها على الأرجح لعجزها عن فهم طبيعة التهديد الذي قد تمثله موسكو للولايات المتحدة لتتخذ إجراء كهذا. ولعل التفسير المنطقي الوحيد الذي تم التوصل إليه في الكرملين هو أنها مناورة سياسية داخلية تهدف إلى تبييض وجه نيكسون وإظهاره بمظهر الرئيس الحازم أثناء تورطه في قضية “ووترغيت”.في 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1973، دخل قرار وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وتولت الدبلوماسية زمام الأمور، وهو ما أفضى إلى اتفاقيات فك الاشتباك. وقد قبل العرب وساطة كيسنجر، صاحب سياسة “الخطوة بخطوة”، لعدم رغبتهم في التعامل مع إسرائيل مباشرةً، وهو ما مكن إسرائيل من استعادة قوتها وعدم تقديم سوى قليل من التنازلات.*هنري لورانس، مؤرخ فرنسي وأستاذ حائز على كرسي تاريخ العالم العربي المعاصر في الكولّاج دو فرانس، باريس. له مؤلفات عديدة، في تاريخ مصر منذ الحملات النابوليونية، وفي تاريخ فلسطين السياسي. معظم مؤلفاته مترجمة إلى اللغة العربية. ترجمت المقال من الفرنسية دينا علي.الهوامش(1) في آذار (مارس) 1957، انسحبت إسرائيل من سيناء وقطاع غزة اللتين كانت تحتلهما منذ أزمة قناة السويس (تشرين الأول/ أكتوبر – تشرين الثاني/ نوفمبر 1956).(2) في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1967، تبنى مجلس الأمن القرار رقم 242 الذي طالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في مقابل الحصول على اعتراف كل دول الشرق الأدنى.(3) نفذت تلك العمليات بشكل أساسي منظمة “أيلول الأسود” التي أسستها حركة “فتح”، وكذلك “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”.

كيف وضعت “حرب أكتوبر” 1973 العالم على شفير الهاوية النووية… – الدستور نيوز

.