دستور نيوز
عنب بلدي – غني جبر
يعتبر “الفسيفساء” الدمشقي من أبرز الفنون الحرفية التي ارتبطت باسم دمشق منذ أكثر من قرن. ورغم التحولات والتحديات الاقتصادية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية، إلا أن هذه الحرفة لا تزال تحافظ على مكانتها بفضل الحرفيين الذين توارثوا صنعتها جيلاً بعد جيل، وتمسكوا بإنتاجها وفق طابعها اليدوي.
في حديث إلى عنب بلدي، استعرض الحرفي محمد هشام الحلبي تاريخ “الفسيفساء” الدمشقي وجذور ارتباطه بهذه المهنة، تناول مراحل صنع القطع الفنية والمواد الطبيعية التي تميزها، إضافة إلى واقع الحرفة اليوم والتحديات التي تواجه استمرارها، في ظل تراجع عدد الورش وصعوبات التسويق والتصدير، مقابل إصرار الحرفيين على حماية أحد أهم رموز الفن. التراث الدمشقي .
واستذكر الحلبي بداياته مع مهنة “الصدفة” و”الفسيفساء” الدمشقية، متحدثاً عن جذور شغفه الذي ورثه عن والده، حيث نشأ في بيئة حرفية كانت ورشة العائلة تقع في منطقة تكية السليمانية.
ويرى الحرفي الحلبي الذي ترك ورشته في تكية السليمانية، وانتقل للعمل في السوق الحالي، بمنطقة مدحت باشا (مئذنة الشحم)، أن هذه الحرفة، رغم كل التحديات، تشهد تقدما ملحوظا وازدهارا مستمرا.
ووصف “الفسيفساء” بشغف بأنها فسيفساء خشبية دمشقية، فالألوان الموجودة على القطع الفنية ليست صناعية، بل ألوان طبيعية مستمدة من أشجار غوطة دمشق، مثل خشب الليمون والزيتون والأوكالبتوس والورد والجوز.
وتعكس هذه المصنوعات، بحسب الحلبي، صورة متناغمة لألوان الخشب الطبيعي، والتي تم تطعيمها فيما بعد بالأصداف البحرية الأصلية، لتضفي عليها رونقاً خاصاً.
ابتكار يعود تاريخه إلى عام 1880
“فسيفساء دمشق الخشبية” فن فريد يقتصر على مدينة دمشق ويحمل اسمها، بحسب الحلبي.
وعن تاريخ ظهور هذه الحرفة أوضح أن أول من اخترعها كان نجاراً دمشقياً مجتهداً وموهوباً اسمه جورجي البيطار عام 1880.
ونتيجة لهذا الإبداع المتميز، حصل البيطار على وسام الشرف الرفيع الذي كان يعتبر الأعلى في ذلك الوقت من الوالي العثماني تقديراً لابتكاره وتأسيسه لهذه الحرفة التي علمها للأجيال المتعاقبة حتى وصلت إلينا اليوم.
وعن المواد الأولية المستخدمة في الإنتاج، أوضح الحلبي أن الخشب هو المكون الأساسي بجميع أنواعه، مشيراً إلى أن الجسم الرئيسي للقطع يعتمد بشكل أساسي على خشب الزان أو الجوز.
أما الألوان المتنوعة (الرمادي والأصفر والأحمر)، فكشف الحلبي أنها تستمد قيمتها جميعاً من ألوان الخشب الطبيعي دون أي تدخل خارجي، قبل ترصيعها بالصدف.
مهنة تتطلب الصبر والدقة والعاطفة
وفي حديثه عن الصعوبات التي تواجه الحرفي في آلية العمل، قال الحلبي إن الحرفي الماهر أو ما يعرف بـ”المعلم” لا يرى مراحل العمل صعبة بالمعنى التقليدي للكلمة، إذ مع الخبرة الطويلة تصبح التحديات جزءا من التفاصيل اليومية للمهنة.
إلا أن هذه الحرفة تتطلب درجة عالية من التركيز والاهتمام بأدق التفاصيل، إلى جانب الصبر والدقة في التنفيذ.
وأكد الحلبي أن أهم عامل في نجاح واستمرار الحرفي هو حبه لمهنته وشغفه بها، فالشغف هو ما يدفعه إلى الإبداع والإتقان مهما عظمت متطلبات العمل وتعقيداته.
مراحل تصنيع “الفسيفساء”
واستعرض الحرفي محمد هشام الحلبي مراحل إنتاج قطع “الفسيفساء”، مشيراً إلى أنها عملية يدوية معقدة، تبدأ خطواتها الأولى بتأمين المواد الأولية من خشب الجوز أو خشب الزان، المتوفرة محلياً في غوطتي دمشق الشرقية والغربية.
تمر الصناعة بالمراحل التالية:
- تتمثل عملية التصنيع في تقطيع وتشكيل الخشب لإنشاء الهيكل الأساسي للقطعة المراد تنفيذها، سواء كان صندوقًا أو طاولة أو إطار صورة.
- مرحلة “نشر التطعيم”، حيث يتم فرد قطع صغيرة من الترصيع وحياكتها بعناية فائقة لتشكل النجوم والزخارف الهندسية المميزة التي تشتهر بها هذه الحرفة.
- بعد الانتهاء من عملية الحياكة، يتم إنتاج ما يعرف بـ”العودة”، وهو الجزء الذي يسمح باستخلاص عدد كبير من القطع تتراوح بين 100 و200 قطعة، حسب السماكة المطلوبة.
- وتنتقل هذه القطع إلى المرحلة التالية، حيث يتم سكبها فوق الهيكل الخشبي المجهز مسبقاً وتثبيتها باستخدام الغراء الأحمر، قبل إتاحة الوقت الكافي حتى تجف تماماً.
- وبعد التجفيف، تخضع القطع لعملية “الفتا” التي تهدف إلى تنعيم السطح الخشبي وإزالة أي زوائد أو شوائب.
- مرحلة “القشرة” حيث يتم إدخال قطع القشرة وتركيبها في الأماكن المخصصة حسب التصميم المطلوب. تخضع القطعة بعد ذلك لعملية تنعيم ثانية تضمن تناغم جميع عناصرها.
- المرحلة الأخيرة هي مرحلة البردخ، والتي تعطي القطعة مظهرها النهائي وبريقها الخاص، مما يجعلها جاهزة للعرض والاستخدام.
وأوضح الحرفي أن العمل على هذه القطع يحتاج إلى وقت طويل، حيث أن 100 قطعة من «العمل الرائع والمتميز» تتطلب فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة كاملة لإنجازها. في الواقع، قد يستغرق العمل على بعض القطع الفريدة عامًا كاملاً.
ورغم دخول التكنولوجيا الحديثة في صناعة «الفسيفساء»، أكد الحرفي أن هذه الحرفة لا تزال تحافظ على طابعها اليدوي الأصيل.
وأشار إلى أن التحديث اقتصر على استخدام “الشلة” أو المنشار الكهربائي الذي حل محل الطرق القديمة، ورغم هذا التطور المحدود، إلا أن بقية مراحل الإنتاج ظلت على حالها لعقود طويلة، وتم إنجازها يدويا بالكامل.
وهكذا تظل صناعة «الفسيفساء» من الحرف النادرة التي قاومت التحول الكامل إلى الآلات، وحافظت على خصوصيتها كفن يدوي يعتمد في جوهره على خبرة الحرفي وصبره وإبداعه.
تراجع الورش وصعوبات التصدير
وفي مقارنة بين واقع الحرفة قبل الحرب وبعدها، أشار الحلبي إلى تراجع حاد في عدد الورش، حيث كان لدى دمشق وريفها قبل الحرب نحو 500 ورشة، في حين أن عدد الورش العاملة اليوم لا يتجاوز 100 ورشة.
وقال الحلبي إن “فسيفساء” الدمشقية تعتمد بشكل رئيسي على السياح الأجانب والقدرة التصديرية، ومع غياب السياحة وتوجيه المواطن السوري أولوياته نحو تأمين لقمة عيشه اليومية، تراجع الطلب المحلي بشكل كبير، واصفا السوق الحالي بـ”شبه الميت”.
وأضاف أن التصدير يواجه عائقاً يتمثل في الارتفاع الكبير في أسعار الشحن، ما جعل العملاء الأجانب يترددون كثيراً قبل الشراء، مقارنة بمعدلات الطلب المرتفعة التي كانت سائدة قبل 15 عاماً، رغم أن هذه الحرفة مطلوبة في جميع دول العالم، نظراً لخصوصية “الفسيفساء” الدمشقية وتفردها عالمياً، بحسب ما قال الحرفي.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الاستمرار في هذه المهنة في ظل الظروف الحالية ينبع في المقام الأول من حب الحرفيين لحرفتهم وشغفهم بالحفاظ على هذا التراث الإنساني.
متعلق ب
#الفسيفساء. #حرفة #دمشقية #حية #في #سوق #شبه #ميت
“الفسيفساء”.. حرفة دمشقية حية في سوق “شبه ميت”.
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – “الفسيفساء”.. حرفة دمشقية حية في سوق “شبه ميت”.
المصدر : www.enabbaladi.net
