.

عالم الأسرة – الأغاني الميدانية: حصاد التراث والذاكرة المجتمعية في الجزيرة السورية

اخبار الأسرهمنذ ساعة واحدة
عالم الأسرة – الأغاني الميدانية: حصاد التراث والذاكرة المجتمعية في الجزيرة السورية


دستور نيوز

الحسكة – محمد جفال

في ساعات الصباح الأولى، وقبل أن تشتد حرارة الشمس فوق سهول الجزيرة السورية، كان عبد الرحمن يسير بين سنابل القمح الذهبية في ريف الحسكة الغربي، يراقب آلة الحصاد وهي تشق طريقها عبر الحقول الممتدة على مد البصر. ووسط هدير الآلة الحديثة، جاءت من بعيد كلمات أغنية شعبية قديمة يرددها أحد العمال بصوت منخفض، تذكرنا بزمن كانت فيه المناجل والأناشيد رفيقين لا ينفصلان عن مواسم الحصاد.

في تلك اللحظة، بدا المشهد وكأنه يجمع بين زمنين: حاضر فرضته التحولات الاقتصادية والتقنية، وماضي لا يزال حياً في ذاكرة أهل شبه الجزيرة السورية، حيث ارتبطت الزراعة بالأغنية الشعبية كجزء من الحياة اليومية للمزارعين، ووسيلة للتخفيف من مشقة العمل والتعبير عن علاقتهم بالأرض.

مع بدء موسم حصاد القمح والشعير في مناطق واسعة من شمال شرقي سوريا مع بداية الصيف، عادت إلى الواجهة قصص الأغاني الزراعية التي رافقت المزارعين لعقود طويلة، وشكلت جزءاً من التراث الشفهي الذي تناقلته الأجيال في الجزيرة السورية.

القمح والشعير.. موسم يحمل ذاكرة الريف

ويعتبر القمح والشعير من أبرز المحاصيل الزراعية في الجزيرة السورية، حيث ارتبطت حياة السكان تاريخياً بزراعتهما وحصادهما، لدرجة أن مواسم الحصاد أصبحت مناسبة اجتماعية وثقافية تتجاوز بعدها الاقتصادي.

وقال المزارع عبد الرحمن العبد، إن موسم الحصاد كان بمثابة المحطة التي انتظرها الجميع طوال العام.

وأضاف عبد الرحمن لعنب بلدي، أنه خلال فترة الحصاد، تحولت الحقول إلى مكان تجمع لأهالي القرية، حيث يتقاسم الرجال والنساء العمل منذ ساعات الصباح الأولى حتى غروب الشمس.

وكانت الأغاني الشعبية حاضرة باستمرار أثناء العمل، بحسب المزارع، سواء أثناء الحصاد أو جمع السنابل أو نقل المحصول، مشيراً إلى أن هذه الأغاني لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل شكلت جزءاً من الثقافة الزراعية التي نشأ فيها أهل المنطقة.

ويستذكر المزارع بعض الأغاني التي كان يغنيها الحصادون أثناء العمل، ومنها:

“الحاصدة وأرملتها طريقان والبرتيم الحلو يبس.” وهي كلمات تعكس، بحسب روايات سكان الريف، اختلاط التعب اليومي بمشاعر الحب والغزل، التي غالباً ما تكون حاضرة في الأغاني الشعبية المرتبطة بالمواسم الزراعية.

كما تكررت أغاني أخرى تحمل دلالات اجتماعية وعاطفية، منها:

«المدلل يمشي باللون النيلي.. ومن حبك يا حلوتي انكسرت حيلتي». تعكس هذه الكلمات صورة الحياة الريفية التي امتزجت فيها مشاعر الحب بمشاهد العمل اليومي في الحقول.

من المناجل إلى الحصادات الحديثة

شهدت أساليب الحصاد في الجزيرة السورية تغيرات كبيرة خلال العقود الماضية، حيث حلت الآلات الزراعية تدريجياً محل العمل اليدوي الذي يعتمد على المناجل وجهود العمال.

ورغم هذه التحولات، لا تزال الأغاني الزراعية حاضرة في الذاكرة الجمعية للسكان، وإن تراجع حضورها العملي في الحقول مقارنة بما كان عليه الحال سابقاً.

وقال المزارع عبد الرحمن العبد، إن الحصاد في الماضي كان يستمر أياماً طويلة ويتطلب مشاركة أعداد كبيرة من العمال، ما جعل الغناء الجماعي جزءاً أساسياً من يوم العمل.

وأضاف أن الأغنية ساعدت في تنظيم وتيرة العمل والتخلص من الشعور بالتعب الناتج عن ساعات العمل الطويلة تحت أشعة الشمس.

وبحسب روايات شيوخ المنطقة، فإن بعض الأغاني حملت أيضًا رسائل تتعلق بالشجاعة والتضامن الاجتماعي، مثل الأنشودة التي تقول:

“روبي دوم منسين من البر.. تسقي العدوان شرابا مرا” وهي كلمات تعكس قيم التضامن والإصرار التي ارتبطت بالمجتمعات الزراعية الريفية.

طقوس البذور…بداية القصة

علاقة الأغنية بالأرض لا تبدأ مع موسم الحصاد فقط، بل تسبق موسم الزرع أيضاً، الذي يشكل البداية الفعلية للدورة الزراعية.

ويشير عدد من المزارعين إلى أن المزارعين كانوا يرددون عبارات وأناشيد خاصة أثناء نثر البذور في الأرض، تعبيراً عن الأمل بموسم وافر، وإيماناً بقيم العمل والمعيشة.

وقال المزارع عبد الرحمن العبد، إن من أكثر العبارات المتداولة بين المزارعين أثناء الزراعة: “للطير وما قسم الله”، وهي عبارة تعكس فلسفة شعبية تقوم على الاعتقاد بأن الرزق بيد الله، وأن الإنسان يجب أن يقوم بواجبه في الزراعة والعمل وينتظر النتائج.

ويعتقد أهالي المنطقة أن هذه العبارات والأناشيد شكلت جزءا من التراث الزراعي الذي رافق مراحل الإنتاج المختلفة، من حراثة الأرض إلى جمع المحصول.

القطن…الحقول مساحة للغناء الجماعي

بعد انتهاء موسمي القمح والشعير، استعدت الحقول في الجزيرة السورية لاستقبال موسم آخر لا يقل حضوراً في الذاكرة الشعبية، وهو موسم حصاد القطن.

وكان القطن في العقود الماضية من أهم المحاصيل الزراعية في المنطقة، وارتبط موسمه بطقوس اجتماعية خاصة، خاصة مع مشاركة أعداد كبيرة من النساء في عمليات القطاف.

وقالت أمينة الخليف، وهي سيدة من ريف الحسكة الشرقي، إن موسم القطن كان له طابع مختلف عن بقية المواسم الزراعية.

وأضافت أن النساء كن يتجمعن منذ الساعات الأولى من الفجر ويتوجهن إلى الحقول في مجموعات كبيرة، حيث يمتزج العمل بالأحاديث والضحك والأغاني الشعبية.

وأشارت إلى أن من الأغنيات التي تم ترديدها خلال موسم الحصاد: “يا خرقة قطن.. واحد فيك نصيبي.. هقعد حارس وأكل الكود.. بس شوفني يا حبيبي”.

وتعد هذه الأغنية من أشهر الأغاني التي تناقلتها النساء في المنطقة، بحسب أمينة، ومع مرور الوقت أصبحت جزءا من الذاكرة الشعبية المرتبطة بموسم القطن.

العمل الجماعي وصنع الذكريات

وكانت مواسم الحصاد مناسبة اجتماعية بامتياز، تعرفت خلالها الفتيات على بعضهن البعض، وتبادلت النساء القصص والأخبار، فيما تحول العمل إلى نشاط جماعي بأجواء من المرح، بحسب ما قالت أمينة الخليف.

وأضافت أن المنافسة كانت حاضرة أيضاً بين العاملات لجمع أكبر كمية ممكنة من القطن، مما أضفى جواً إضافياً من الحماس على العمل اليومي.

لكن، بحسب أمينة، أثرت سنوات الحرب والنزوح والتغيرات الاقتصادية على الكثير من تفاصيل هذه المواسم، سواء على مستوى المساحات المزروعة أو أعداد المشاركين في عمليات الحصاد.

إلا أن أمينة أكدت أن العديد من الأغاني لا تزال حاضرة في ذاكرة النساء اللاتي عملن في الحقول لعقود طويلة.

“سجل شفهي” للمجتمع

ويرى الباحث في التراث الشعبي والمجتمعي، موسى الحمود، أن الأغاني الزراعية في الجزيرة السورية لا يمكن اعتبارها مجرد أغاني مرتبطة بالعمل، بل تسجيلاً شفهياً يوثق تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية للسكان.

الحمود، قال لعنب بلدي، إن هذه الأغاني تحتوي على معلومات حول طبيعة العلاقات الاجتماعية، وأشكال التعاون بين أفراد المجتمع، والعادات المرتبطة بالمواسم الزراعية المختلفة.

وأضاف أن الأغنية الشعبية تؤدي وظائف متعددة، منها تخفيف الضائقة الجسدية، وتعزيز الروح المجتمعية، ونقل التراث الثقافي من جيل إلى آخر.

وتؤدي الأغنية الشعبية وظائف متعددة، منها تخفيف الصعوبات الجسدية، وتعزيز روح المجتمع، ونقل التراث الثقافي من جيل إلى آخر.

موسى الحمود

باحث في التراث الشعبي والمجتمعي

وأشار إلى أن العديد من الأغاني المتداولة في مواسم الحصاد والقطف تتضمن إشارات إلى الحب والزواج والعمل والتضامن، ما يجعلها مصدراً مهماً لفهم الحياة الريفية في الجزيرة السورية خلال فترات تاريخية مختلفة.

والحفاظ على هذا التراث، بحسب الحمود، لا يقتصر على توثيق الكلمات فقط، بل يشمل أيضًا تسجيل الروايات المرتبطة بها والظروف التي أديت فيها، حتى لا تضيع مع رحيل الأجيال الأكبر سناً.

علاقة تتجاوز الزراعة

وعلى الرغم من التحولات التي شهدها القطاع الزراعي خلال السنوات الماضية، لا يزال العديد من سكان الجزر ينظرون إلى الأرض على أنها أكثر من مجرد مصدر للدخل.

وفي الذاكرة المحلية، ارتبطت الأرض بالهوية والانتماء والاستقرار، فيما أصبحت الأغاني الزراعية إحدى الوسائل التي يعبر من خلالها السكان عن هذه العلاقة.

وقال المزارع عبد الرحمن العبد، إن كل موسم زراعي يحمل معه حكايات وذكريات تراكمت على مر السنين، مضيفاً أن الأجيال الجديدة قد لا تعيش نفس التجربة التي عاشها آباؤهم وأجدادهم، لكنهم ما زالوا يسمعون تلك الأغاني ويتعرفون على معانيها.

ومع استمرار حصاد القمح والشعير في الجزيرة السورية، تعود هذه الأغاني إلى الذاكرة من جديد، لتذكر الناس بالعلاقة الطويلة التي جمعت الإنسان بالأرض، وبالتراث الشفهي الذي تشكل عبر عقود من العمل المشترك في الحقول.

بين سنابل القمح التي يتم حصادها اليوم، وحقول القطن التي تنتظر موسمها في الأشهر المقبلة، تبقى الأغاني الزراعية شاهدة على جانب من تاريخ الجزيرة السورية، ومرآة لعلاقة مستمرة بين الفلاح وأرضه، رغم المتغيرات والتحديات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

#الأغاني #الميدانية #حصاد #التراث #والذاكرة #المجتمعية #في #الجزيرة #السورية

الأغاني الميدانية: حصاد التراث والذاكرة المجتمعية في الجزيرة السورية

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – الأغاني الميدانية: حصاد التراث والذاكرة المجتمعية في الجزيرة السورية

المصدر : www.enabbaladi.net

.