.

«لسنا أرقاماً».. عن اسم الشهيد الذي لن يمتصه الموت أكيداً..

صوره اليوم28 أكتوبر 2023

دستور نيوز

يكتب الأطفال أسمائهم على كتبهم المدرسية وقصص ما قبل النوم، على جدران المدرسة ومكاتبهم، فوق أسرتهم وعلى مراياهم، على أصداء عقولهم وألسنتهم، وربما على جدران الشارع، كما فعلنا من قبل في ذروة بؤسنا. على الجانب الآخر من العالم، في مساحة ضيقة من البقاء يواجهون جرائم متجذرة في الثقافة الصهيونية، في مدينة غزة التي تبلغ مساحتها 365 كيلومترا مربعا، تُكتب أسماء الأطفال على أطرافهم. هذه المرة، ليس من باب الشجار الطفولي، بل ليتمكن أهاليهم ومن يسجلون شهادة الوفاة من التعرف عليهم. حين ارتقوا شهداء، وأجسادهم الطاهرة مقسمة أشلاء، كما هو الحال مع كل العصور هناك، في حرب صهيونية همجية أبت أن تنتهي أعباءها، أو أن ترتشف ولو رشفة من كأس الهدنة والسلام. “لا تنسونا، نحن لسنا أرقاما.” منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، وأهل تلك المدينة، بجذورها التي يصعب اقتلاعها، يرددون: “لا تنسونا، نحن لسنا أرقاماً”. وفي معركة سيف القدس عام 2021، كتب الشاب الغزي بلال إياد عقل: “أكثر ما يخيفني هو ذكر موتي في استهداف صهيوني كرقم من بين الأرقام التي تتزايد كل دقيقة. أنا لست شاباً عادياً ولا رقماً. لقد استغرق الأمر مني ثلاثة وعشرين عامًا لأصبح كما ترون الآن. أنا لست عاديا. لي وطن، وأصدقاء، وذكرى، وألم كبير”. هذه الكلمات كتبها بلال قبل عامين، ليعيد نشرها قبل أيام. خلال معركة طوفان الأقصى، وتحديداً في اليوم العاشر من عام واندلاعها، كتبت الشابة الغزية فاطمة قصيدة “بالخضر أكفنها” للشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، قائلة: أكتفي بأن يهتف لي بعد استشهادي: “بالخضرة، نكفيه، بالأحمر نكفيكه، بالأبيض نكفيكه، بالأسود نكفيكه.” لكن أرجو أن تتذكروا أن تلك الفتاة التي دُفنت للتو ليست رقماً، بل هي فتاة تحمل اسماً، تفتخر بغياب صداها عن العالم فداءً للوطن. ما هي قدسية الاسم في حياة الإنسان الفلسطيني منذ ولادته وحتى وفاته أو التحاقه بصفوف الشهداء البواسل؟ الاسم بأهميته المجردة “ما معنى الاسم؟” “ما نسميه وردة بأي اسم آخر ستكون رائحته طيبة.” يسأل ويليام شكسبير عبر فم شخصية جولييت، منتظرًا أن يقدم لها روميو إجابة تحسم قناعاتها. وتأتي الأنثروبولوجيا بالكلمة الحاسمة: اسمنا لا ينفصل عن أنفسنا، فهو جوهر الشخص. يكفي نطق بعض المقاطع الصوتية، لتوقظ فينا شعلة الحب أو الكراهية، بذكريات سعيدة أو بائسة، بمشاعر واضحة كالشمس في النهار المشرق، أو فوضوية ومربكة ومقطوعة الرأس، مرتبطة بالشخص. الذي يحمل الاسم. وفي علم الأنساب، فإن الأسماء المعطاة هي حاملة للتقاليد العائلية والأصول الثقافية والأحداث التاريخية والهجرات وحفلات الزفاف واتجاهات الأجيال وماضي أسلافهم، بحسب مدونة Carin.info الفرنسية. قدسية الاسم في الوجود الفلسطيني: تعتقد فيروز سلامة، طالبة الماجستير في برنامج الدراسات الإسرائيلية في جامعة بيرزيت، كغيرها من أبناء شعبها الباسل، أن الفلسطينيين ليسوا مجرد أشخاص أو أرقام نحسبها على الأرض. مقياس الإحصاءات. «شهداؤنا ليسوا أرقامًا، بل هم أرواح وصناع المجد والفخر. كما أن دور الشهيد ومقاومته جزء منا كمجتمع فلسطيني، وهو ما يعكس رغبتنا الجماعية في الاشتباك والمواجهة”. وتتابع: الشهيد لا يقاتل من أجل الموت، بل من أجل الحياة، من أجل الحياة الكريمة. بعيدا عن حياة الاستعمار وسفك الدماء. ولا تجده يستشهد من أجل نفسه، بل من أجل الفلسطينيين جمعاء. وتقول فيروز: “إن ذكر أسماء هؤلاء الشهداء هو ذكرى لنا نحن الأحياء من بعدهم، وذكرى لوجودنا ورسالة لنا ألا نعيش حالة طبيعية في ظل الاستعمار الذي يتغذى على دماءنا بحضوره، وهي معادلة تتطلب الجميع”. تحقيق ذلك.” ويشير الطالب من بيرزيت إلى أن دلالات الشهداء هي دلالاتنا نحن الأحياء: ألا ننعزل عن المقاومة والاشتباكات والصمود وكأن حياتنا وحياتهم عالمان مختلفان. بل من الضروري أن نتذكر اسم الشهيد، ومن الضروري أيضًا أن نعيش في الألم والكراهية والغضب. “لكن احذر من شلل الألم!” فيروز تحذر وتشدد، وتستمر: يجب أن نتحرك ونقاوم بفعالية حتى لا يضيع دماء الشهيد. “ذلك الدم الذي يكمل دمك ودم الأحياء الذين يسيرون على هذه الأرض”، بحسب تعبيرها. عنوان وأنسنة القصة الصحفية تعلق الأستاذة الجامعية في مجال الإعلام د. رشا سلامة، على أنسنة القصة الصحفية خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة، قائلة “تمثيل القصص الإنسانية للضحايا ، والتفاصيل المتعلقة بحياتهم، كالأسماء والألقاب والأحلام والأمومة والأبوة والإنجازات والصعوبات وغيرها، كلها ستضفي طابعاً إنسانياً على القصة لدى المتلقي كائناً من كان، وتعزز الرسالة الإعلامية لصالحه. القضية الفلسطينية.” ويستذكر سلامة حادثة إطلاق النار على المصلين في نيوزيلندا قبل سنوات، قائلا: “تعمدت رئيسة وزراء نيوزيلندا آنذاك، جاسيندا أرديرن، ووسائل الإعلام النيوزيلندية، إخفاء اسم مرتكب الجريمة، حتى يتم الكشف عنه”. لقد نسيت، وهذه الاستراتيجية نجحت بالفعل”. ويضيف سلامة: «لهذا السبب دعونا نحذف أسماء من لا نريد أن يظلوا خالدين في الذاكرة، ونفعل العكس مع من نريد أن نحتفظ بهم في ذاكرتنا وذاكرة الإعلام، أي ، وتقديم أسمائهم وتفاصيل حياتهم بقدر ما نستطيع. إضافة إعلان في هذا الصدد، يستذكر سلامة ما فعله مجموعة من الناشطين في بيروت قبل سنوات، عقب إحدى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، عندما تم تخليد أسماء الضحايا الفلسطينيين كتابيا وعرضها على طول صخرة الروشة في بيروت. لكي يغطيها الإعلام ولكي يبقى حاضرا في أذهان من يمر بالمكان”. الاسم في رواية القصة الفلسطينية. ويرى الشاعر والروائي الأردني غازي الذهيبة أن الاسم في الأدب والثقافة دلالة وعتبة للنص ومحدد ثقافي اجتماعي في حبكة الرواية والعمل البصري. “وفي الثقافة السياسية العلمية.” يقول الضهيبة: “التعامل معك كرقم يعني إنكار إنسانيتك”. وفيما يتعلق بالسرد الاجتماعي، يرى الروائي الأردني أن العدو الصهيوني يتعامل مع الفلسطينيين كأرقام، وهو ما اتفق عليه المستعمرون في فترات سابقة، حتى لا يوحي بوجود إنسان على هذه الأرض ضمن نظرية “ أرض بلا شعب”، وأن هؤلاء الكائنات فيها مجرد أرقام وليسوا بشر، وهو ما نستنتجه من خطاب وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، الذي وصف فيه الفلسطينيين والعرب بأنهم “حيوانات بشرية”. ويوضح الضهيبة أن هذا التصريح هو نفسه الذي يستخدمه الغرب الأمريكي. وعن التعامل مع الأمريكيين الأصليين كأرقام على مدار 500 عام، “حتى الآن لا نعرف اسم شخصية أو ناشط بارز في الثقافة الأمريكية الأصلية، والآن يحاولون عكس ذلك بشكل كامل على الفلسطينيين، في غزة تحديدًا”. يقول الشاعر. صورة الشهيد الفلسطيني.. “إن رحل صوته لن تفارق حناجرنا” ولأن قلوبنا المليئة بالغضب والألم، تنبض أيضاً بالانتقام، أنشأت الشابة الفلسطينية آية صوفان “مجموعة” على فيسبوك أسمتها “ليست أرقام”، ويتابعها ما يقرب من 5000 ألف شخص، معظمهم من سكان غزة. ويدونون فيها أسماء أقاربهم ومعارفهم من الشهداء، إذ لا يتوقف نبض هذه المجموعة لأكثر من ربع ساعة. وسرعان ما تجد وجهًا تراه حميميًا، كما لو كان من وجهك، مع بطاقة هوية مصغرة له عند صعوده. هذه المجموعة تخيف الجلاد بالتأكيد، فرمزيتها واضحة. ستظل وجوه الشهداء، وأغلبها من الأطفال الصغار، تطاردهم، في اليقظة والنائمة، لتقلب عالمهم رأسا على عقب، وتذكرهم، كما قال الشاعر الفلسطيني توفيق زياد بكل انتقام: “… فاقتلني أتحداك، واصلبني أتحداك، وانهب كسرة من خبزي أتحداك، وهدم بيتي واتركه خرابا، أتحداك، وأكلني واشربني، أتحداك. أنت.” وأثناء إعداد التقرير جرت محاولة الاتصال بمنشئة مجموعة “مش أرقام”، لكن العبء الذي تحملته وانشغالها بالرسائل التي تصلها، والتي كان عنوانها الأبرز “صورة شهيد” “، منعتها من الرد علينا.

«لسنا أرقاماً».. عن اسم الشهيد الذي لن يمتصه الموت أكيداً..

– الدستور نيوز

.