.

أخبار منوعة – ترجمة “عرس القطب الخيالي”.. استعادة الرواية المغربية لفؤاد العروي

الفن و الفنانينمنذ 3 ساعات
أخبار منوعة – ترجمة “عرس القطب الخيالي”.. استعادة الرواية المغربية لفؤاد العروي


دستور نيوز

وأخيرا، أصدرت دار توبقال للنشر، بدعم من مجلس الجالية المغربية بالخارج، الترجمة العربية للمجموعة القصصية “عرس القطب الخيالي” للكاتب المغربي فؤاد العروي باللغة الفرنسية. أنجز هذه الترجمة محمد جاتيم، فيما تولى الكاتب ياسين عدنان مسؤولية مراجعة الترجمة وتقديم هذه المجموعة القصصية. وفيما يلي نص مقدمة هذه الترجمة الجديدة لمجموعة القصص القصيرة لفؤاد العروي:

كمقدمة

عندما تبدأ بقراءة قصة قصيرة أو رواية لفؤاد العروي، ستخمن بسرعة جنسية الرجل: فهو كاتب مغربي. مغربية جدا . في بعض الأحيان يتم كتابته باللهجة. الرجل يعرف كيف يفسح المجال لكنته المغربية تتسرب إلى مسام لغته الفرنسية الأنيقة دون أن تنتهك حرمة الفرنسية أو تجرح كبريائها.

ولهذا السبب كنت أفكر دائمًا في الحاجة الملحة لترجمة أعمال فؤاد العروي إلى اللغة العربية. في الواقع، إنه ضروري للغاية. فهو ليس مجرد تفاعل ثقافي وأدبي محمود بين الآداب واللغات، بل هو أقرب ما يكون إلى عملية «التعافي». وتعتبر ترجمة فؤاد العروي إلى العربية بمثابة عودة لهذه النصوص إلى فضاءها السردي الطبيعي. وحتى الشخصيات ستستعيد عفويتها وانسجامها ضمن الحوارات التي أبدعها العروي في «الهجرة» إلى الفرنسية، لكن أصلها هنا: في لغات المغاربة، وأمزجتهم، وطرق تفكيرهم، ومنطقهم، وخيالهم، وعلاقاتهم الملتبسة مع العالم والناس.

إن فعل “الترجمة” إذن هو ما أنجزه فؤاد العروي في أعماله المكتوبة بالفرنسية. أما نقل هذه “الترجمات” إلى العربية، فهو في الواقع وليس مجازياً، جهد مشروع وشاق ومثير للاهتمام لإعادة مياه فؤاد العروي السردية إلى مسارها الأصلي.

عندما تُرجم كتاب «الإسلام والتحليل النفسي» للتونسي فتحي بن سلامة من الفرنسية وكتب فيه إلى العربية، لم يتردد الأخير في الاعتراف بأن الترجمة العربية هي الأصل. كما أن قصص وروايات العروي ذات أصل عربي مغربي ثابت، تنتظر عملية «استعادة» هذه النصوص لإنصافها.

لكن التعامل مع روايات فؤاد العروي وقصصه القصيرة من أجل ترجمتها يتطلب من المترجم إتقانا كاملا للغة الفرنسية أولا، ثم العربية، بشقيها الفصحى والعامية، فضلا عن وعي ثقافي بالعمق المغربي لمشروع هذا الكاتب المنخرط في تغريب الكتابة الأدبية وتطويعها في التربة الاجتماعية الثقافية الأصلية. وهو ما يجعله، كقاص، أقرب إلى إدريس الخوري ومحمد الزفزاف منه إلى نظرائه الفرنسيين أحفاد موباسان. وإذا نجح الزفزاف والخوري في تخليص القصة المغربية من استشراقها من أجل صبغها بروح مغربية خالصة، فقد نجح العروي أيضا، من داخل اللغة والثقافة الفرنسية، في التقاط الروح المغربية والكتابة بها. ولذلك أجده أقرب كاتب القصة الفرنسي إلى نظرائه المستعربين. الطريف أن جذور أعمال العروي الروائية والروائية في التراب المحلي، واشتباكها مع مفارقات الحياة اليومية في مدن الهامش وأطراف المدن، وانتصارها للضمير المغربي، كل هذا لم يقلل من إشعاعه؛ بل على العكس، أعطتها قيمة مضافة أهلت فؤاد العروي للفوز بأعلى الجوائز الأدبية. ومن هذه الجوائز نذكر جائزة غونكور التي حصل عليها عام 2013 عن مجموعته القصصية الشيقة “الحالة الغريبة لبنطلون الداسوكين”، وجائزة جان جيونو التي حصل عليها عام 2014 عن روايته الشهيرة “محن السجل الأخير”، بالإضافة إلى وسام الفرانكفونية الكبير الذي منحته له الأكاديمية الفرنسية.

يبدو فؤاد العروي في كتاباته وكأنه لاعب حديث يلعب كرة قدم بسيطة وفعالة. ولكن بمجرد أن تعتاد على أسلوبه في اللعب، فإنه يفاجئك بمهارات رائعة ومراوغات مذهلة. اللغة سلسة ودقيقة في نفس الوقت، والسرد مثير للاهتمام. ولكن على القارئ أن يكون حذرا. قد يفاجئه الكاتب، في أي لحظة، بتلاعبه الذكي واللذيذ بالكلمات والحوارات، باستطراداته الذكية والمحنكة، وكذلك بحسه الفكاهي الكبير، وبروحه المرحة التي بدت في البداية بريئة وبيضاء، قبل أن تتحول تدريجيا إلى استهزاء لاذع بالبيروقراطية والاستبداد، فضلا عن هجاء لاذع للتفاهة والغباء المتفشي بين الناس. ومن ثم على القارئ أن يتوخى الحذر، فقد يبدأ الكاتب روايته من أحداث حقيقية، ثم يتجه فجأة نحو مسارات خيالية، بعد أن طمس الحدود التي تفصل بينهما عن غير قصد. يعرف الرجل كيف يمزج في حكاياته السردية معطيات الواقع والتاريخ مع الأثنولوجيا والأنثروبولوجيا بعد أن يضيف إليها بهاراته المميزة.

هذا الخليط الغريب الذي يجيده فؤاد العروي هو سر جاذبيته. ولذلك عندما طلب مني صديقي محمد جاتيم مراجعة ترجمته لهذه المجموعة، لم أقاوم هذه الدعوة المغرية للدخول إلى ورشة المترجم، خاصة أنها أعطتني فرصة نادرة للتسلل إلى مطبخ أحد أهم كتاب القصة المعاصرين. ولذلك رحبت بالفكرة دون تردد. وسرعان ما وجدت نفسي منخرطًا في تفاعل حيوي ومثير مع المترجم. وهو معجب بالمجموعة القصصية لفؤاد العروي. وكلما بدت هذه الجملة طويلة ومعقدة ومثقلة بالاستطرادات والإضافات وجمل المداخلة، كلما زاد حماسه لها وتفرغ لها، مقتفياً أثر الأصل في الترجمة، حريصاً على نقل حيويتها المعقدة بدقة وأمانة. بينما كنت أحاصره بتمسكي “الأرثوذكسي” ببنية الجملة العربية، واعتمادها مرجعا في بناء الجملة المترجمة. عندما نقوم بنقل نص من لغة أخرى إلى اللغة العربية، تصبح اللغة الهدف هي الهدف. أو على الأقل: بناء الجملة العربية هو الأصل. وهنا احتدم النقاش بيني وبين المترجم في أكثر من مكان. ومن الواضح أن فؤاد العروي يعتمد في كتاباته على الجمل اللفظية (تحقيق، توجيه، تصحيح، معلومة…). بل لا يتردد في مفاجأة قارئه بجملة مرفوضة داخل جملة مرفوضة أخرى.

وهذا ما يجعلنا نرى الشرطة والقوسين والفاصلة وعلامة الاستفهام أو التعجب مترادفة في جملة واحدة. وهذه سمة نادرة في الكتابات باللغة الفرنسية، وهذه إحدى الصعوبات في التعامل مع ترجمة أعمال فؤاد العروي. ولعل هذا هو أحد أسباب خوف المترجمين من الانخراط في إنجازه السردي، إذ لا بد من الاختيار بين نقل هذه الخاصية الفريدة إلى اللغة العربية، مع غرابة البنية التي قد تنتج عن ذلك، وبين إعادة صياغة الفقرات والجمل بما يتوافق مع بنية الجملة العربية في سلستها المعتادة، مع احتمال أن يفتح لنا هذا الاختيار إمكانية تبديد تلك النكهة التي ينفرد بها العروي. هل ننحاز إلى الترجمة الحرفية التي قد تفقد الجملة الأصلية وضوحها، وأحياناً معناها الساخر، أم نترجم روح الفكرة ومعناها العميق، مع طمس بعض جماليات كتابة فؤاد العروي؟

وجدت النقاش يحتدم أكثر من مرة بيني وبين صديقي محمد جاتيم خلال الفترة التي كنت أستمتع فيها بمراجعة ترجمته القوية. هل اتفقنا في النهاية؟ ليس تماما؛ لكننا قربنا وجهتي النظر وتفاوضنا بمرونة لا تخلو من التوتر. نتيجة هذه المفاوضات هي المجموعة التي بين يديك.

وبعد ذلك، يسعدني بشكل خاص أن أقدم ترجمة هذه المجموعة بالذات. لأن لي قصة مع إحدى قصصها تستحق أن تروى.

عندما طلبت مني دار النشر الأمريكية “أكاشيك” إعداد وتحرير مختارات “مراكش نوير”، لم أكن راضيا عن المردود السردي الذي حصلت عليه، خاصة وأن كتابنا المغاربة ليس لديهم خبرة في أدب الجريمة والقصص البوليسية. لذلك لجأت إلى فؤاد العروي، مثلما يلجأ فريق محلي ينوي المشاركة في بطولة دولية إلى خدمات لاعب محترف. فؤاد كان في الموعد. ساعدته ببعض المعلومات الصغيرة عن مراكش وأحياء باب دكالة والرميلة ورياض العروس، وكانت النتيجة قصته الرائعة «اللوحة الغامضة» التي جاءت بحبكة بوليسية مثيرة. عرف العروي كيف يثريه بعناصر الفن التشكيلي والأسطورة، وبإشارات ذكية إلى «ألف ليلة وليلة». وما جعل القصة تنجح في تجسيد روح مراكش هو بقدر ما نجحت في سرد ​​جزء من تاريخ المدينة المظلم أيام سلطة الباشوات ورجال السلطة خلال سنوات الرصاص.

في نص قديم للمفكر المغربي عبد الله العروي عن فن «الحكايات»، انتقد الأخير «الحكايات العربية» وخلص إلى أنها «متشابهة»، إذ «من قصة إلى أخرى تجد نفس النساء يتشاجرن باليد واللسان، نفس الحراس والبوابين الذين يعجبون بعبثية القدر ويتساءلون عن سر الحياة وسر الموت، نفس الأطفال الذين ينضجون مبكرًا ويسارعون إلى الضرر والخسارة، نفس السائقين». ويخطط المعلمون لمجتمع مثالي. نفس الحزن، نفس الاكتئاب، نفس الرثاء على الوقت الضائع والانقسام الظالم.

لست متأكدا من أن فؤاد سبق أن قرأ مقال عمه؛ لكني أدعو مفكرنا العظيم لقراءة قصص ابن أخيه. سيجد فيه عالماً مختلفاً عن عوالم القصة التي استفزته. وخاصة الاكتئاب. مع فؤاد العروي لا كآبة ولا حزن. بل هو نقد لعوب ذكي، والتقاط ذكي للمفارقات الفكاهية، ومتعة الخيال المجنح.

يمكنك التحقق بنفسك.

#ترجمة #عرس #القطب #الخيالي. #استعادة #الرواية #المغربية #لفؤاد #العروي

ترجمة “عرس القطب الخيالي”.. استعادة الرواية المغربية لفؤاد العروي

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – ترجمة “عرس القطب الخيالي”.. استعادة الرواية المغربية لفؤاد العروي

المصدر : www.hespress.com

.