دستور نيوز
بدلة خطيب
في البلدان المحاصرة المنبسطة، المنقسمة أفقياً وعمودياً، الناس الجالسين في أماكن متباعدة يتحدثون عن الحرب وكأنها لعبة ورق، يربح فيها اللاعب أو يخسر.. أما الذين تتساقط على رؤوسهم الحمم البركانية، فإن البعيدين، المرتاحين والناعمين بالدفء، لا يتخيلون حجم الأهوال والآلام والمصائب التي تحل بهم.
عشت أجواء حرب 1967 من بعيد. كنا نستعد للامتحان التحضيري. سمعنا في الإذاعة مسيرات وخطابات رنانة وصياحاً وصياحاً ومذيعين بأصوات عالية، يشيدون بانتصاراتنا ويحدثوننا عن خيبات العدو. وما كان يهمنا نحن الطلاب المشاركين في الدراسة هو أن وزارة التربية والتعليم أصدرت قراراً بتأجيل الامتحانات إلى إشعار آخر. لماذا التأجيل؟ قالوا: خوفاً من أن يقصف العدو الصهيوني الغاشم المدارس. وبدأ عناصر الحرس الوطني، الممول من القيادة الإقليمية لحزب البعث، يطالبون الأهالي بطلاء نوافذ منازلهم باللون الأزرق، ومراقبة عمليات إطفاء الأنوار، خشية أن يراها العدو الغاشم فيقصفها ويقتل سكانها. هذه التصرفات لم تضحكنا يومها، لكنها أضحكتنا فيما بعد، عندما استقرت الأمور، وعلمنا أنه لا حرب بين طرفين. بل كان جانب العدو الغاشم يهاجم، وكان جانبنا يهرب. ونحن الطلاب بدورنا رفعنا الكتب والدفاتر والأقلام على السقيفة، وقضينا أيام الصيف الجميلة بين أشجار الزيتون، نلعب الطرنيب، ونشرب الشاي المغلي على الحطب، ونتحدث عن الحرب قليلاً، ثم ننتقل إلى المزاح والمزاح.
ولم نعرف عن حرب السادس من أكتوبر 1973 سوى الانتصارات. كنا نسمع يومياً البيان العسكري الذي تحدث عن إسقاط طائرات العدو وتدمير آلياتها وانسحاباتها المهينة، حتى جاء يوم تأخر فيه البيان، وبدأنا نسمع عن اختراق الجيش الإسرائيلي القطاع الشمالي من جبهتنا. ثم بدأت مشاعرنا القومية تشتعل عندما علمنا أن قوة مدرعة عراقية شقيقة قادمة لدعمنا. وبعد ذلك، أخبرنا أن هذه القوة قد مرت على مدينة سراقب، وأن المسلمين قد قصروا، وذبحوا مئات الأغنام للجنود العراقيين البواسل، وبعد مرور وقت طويل، صدر البيان العسكري الذي كنا ننتظره، واطمأننا إلى أن القوة العراقية تصدت لمحاولة الاختراق بالتعاون مع قواتنا الباسلة، وأن الأمور سارت على ما يرام.
لقد فات الأوان حتى علمنا أن تسمية «التحرير» التي ألصقت بحرب أكتوبر لا تعني أننا حررنا الأراضي التي فقدناها في حرب يونيو 1967، بل أننا حررنا «إرادة» القتال.. ولم نسأل، يومها، ولم نتساءل كيف سيتم احتلال الإرادة، التي تحتاج إلى حرب طويلة وواسعة لتحريرها! ماذا سنفعل بعد أن تتحرر إرادتنا؟ فهل سنعود للحرب ونحرر الأراضي أم سنكتفي باتفاقية فصل القوات التي وقعت عام 1974؟
نحن أهل شمال سوريا عرفنا الحروب عن بعد، لكن بعد آذار 2011 ذقناها وغطيتنا نيرانها. ولم يبق نوع واحد من القذائف أو الصواريخ أو 500 رصاصة دون أن يسقط على رؤوسنا. كانت حرباً فظيعة، ليس بين الجيوش، بل بين المنازل، في المدارس، وفي المخيمات.. حرب أهلية، داخلية، مدمرة، خلقت موجات من النازحين، يفرون، يركضون إلى الخلف، يتدافعون عند معبر باب الهوى، ليدخلوا إلى تركيا، يلتقطوا أنفاسهم، ويواصلوا طريقهم إلى أرض الهدوء والحقوق والاحترام.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#إنها #الحرب #يا #أبو #الشباب
إنها الحرب يا أبو الشباب
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – إنها الحرب يا أبو الشباب
المصدر : www.enabbaladi.net
