.

اراء و اقلام الدستور – نعيم قاسم: تفاوض معنا!

سامر الشخشير30 أبريل 2026
اراء و اقلام الدستور – نعيم قاسم: تفاوض معنا!


دستور نيوز

بقلم أيمن الجزيني

“أساس ميديا”

وعلى غير العادة، أصدر الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم بياناً مطبوعاً بعد أن كانت تصريحاته السابقة مكتوبة بخط اليد. فهل هذه الحاجة للأمن أم ضرورات التواصل هي التي اضطرته إلى مخاطبة «بيئته» والآخرين بهذه الطريقة؟

كلامه جاء ليضع لبنان بين خطاب «المقاومة» والأزمة السيادية التي تواجه البلاد، إذ ركز في جزء منه على من يملك قرار الحرب والتفاوض، فيما ذكر في أجزاء أخرى أن «الحزب» هو من يملك حق التفاوض وليس الدولة، لأنه لا يملك قرار الحرب والسلام.

ويأتي التصريح في لحظة لبنانية بالغة التعقيد إلى حد غير مسبوق: تصعيد عسكري مفتوح بين حزب الله وإسرائيل، واندفاع أميركي نحو فرض مسار تفاوضي، ودولة تحاول بصعوبة استعادة موقع المرجع الوحيد للقرار.

وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع البيان باعتباره خطاباً حشدياً عابراً، بل كوثيقة تسعى إلى رسم حدود السلطة داخل لبنان. وسعى البيان إلى تعطيل عملية التفاوض في الدولة لإبقاء ملف لبنان في يد إيران، الأمر الذي من شأنه إضعاف دور الدولة اللبنانية واستبعادها من قرارها السيادي.

يؤسس البيان، منذ بدايته، رواية كاملة، وإن كانت مفبركة أيضاً: العدو فشل، و”المقاومة” باقية. ولذلك فإن استمراره ليس خيارا، بل نتيجة حتمية. وهذه الحتمية تنقل النقاش من حقل السياسة إلى حقل اليقين، حيث تنحصر الخيارات الممكنة في مسار واحد. لكن هذه الصيغة تتجاهل حقيقة مركزية: لبنان ليس بلداً موحداً، بل مجتمع منقسم، ودولة منهكة تحاول احتواء الانقسامات.

من حق “المقاومة” إلى احتكار القرار

ويتجاوز البيان الدفاع عن سلاح المقاومة ليثير ضمناً مسألة أخطر: من يملك حق تقرير المسار السياسي؟

وفي تصريح قاسم أن «دعاة الاستسلام يدفعون من رصيد الآخرين»، يفهم من هذه الجملة، ولو بشكل غير مباشر، أن الطرف الذي يتحمل التكلفة العسكرية، وهو «الحزب»، يرى نفسه الأحق في تحديد اتجاهات القرار، بما في ذلك مسار التفاوض، علماً أن الشيخ قاسم أعلن بوضوح في خطاب سابق أن «الحزب» عندما تنسحب إسرائيل إلى الخط الأزرق لن يستهدف شمال فلسطين المحتلة.

وهذا المنطق يقوض فكرة الدولة في أساسها. إن الدولة الحديثة لا تقوم على من يدفع أكثر، بل على من يملك التفويض العام والقدرة على تمثيل كافة المواطنين. وحتى في حالات ضعفها، تظل الدولة الإطار الوحيد القادر على المساءلة وإعادة الإعمار، على عكس أي قوة موازية لا تخضع لنفس منطق المساءلة.

ويتوج الخطاب بالتأكيد على استعادة «كل شبر من الأرض»، وعودة الأهالي إلى قراهم حتى الحدود النهائية. هذه اللغة تعيد إنتاج رواية التحرر الكامل، لكنها تثير سؤالا حادا: إلى أي مدى يتطابق هذا الوعد مع الواقع على الأرض؟

وبينما يصر البيان على صورة الصمود، تشير المعطيات العامة إلى ديناميكية ميدانية أكثر تعقيدا، حيث تستمر المواجهة دون حسم واضح، مع تسجيل القوات الإسرائيلية تقدما داخل أراضي الجنوب اللبناني.

الدولة بين العجز الهيكلي والاستهداف السياسي

ولا يقتصر البيان على تعزيز موقف «المقاومة»، بل ينزع الشرعية عن السلطة اللبنانية، ويتهمها بـ«التعالي والرضوخ»، ويقول إنها «لا يمكن أن تستمر». وهذا التصعيد يضع الدولة في موقف الخصم وليس الشريك، ويجردها من قدرتها على إدارة المفاوضات.

لكن انتقاد الدولة، رغم صحة بعض عناصرها، ومن بينها تفرد «الحزب» في اتخاذ قرارات الحرب والسلم، يظل ناقصاً إذا لم يكمله تفكيك أعمق لعجزه البنيوي. فشلت الدولة اللبنانية ليس فقط بسبب الضغوط الخارجية، بل أيضاً نتيجة لبنيتها السياسية الهشة، وانقسام نخبها، واعتمادها المزمن على التوازنات الإقليمية. وهذا الضعف الحقيقي هو ما يجعله عرضة للضغوط، لكنه لا ينفي ضرورته.

وهنا تكمن المفارقة: الخطاب ينتقد الدولة لأنها ضعيفة، لكنه في الوقت نفسه يكرّس هذا الضعف من خلال سحب القرار منها. والنتيجة حلقة مفرغة: الدولة عاجزة لأن القرار خارجها، والقرار خارجها لأن الدولة عاجزة.

وتظهر تجربة اتفاق 17 أيار/مايو 1983 أن المسار التفاوضي دون غطاء داخلي متين قد يتحول إلى مصدر انقسام، لكنها تظهر أيضاً أن غياب القرار الوطني الموحد لا يحمي البلد، بل يتركه عرضة لفرض شروط من الخارج أو لتفجيره من الداخل.

فالتفاوض معضلة سيادية، وليس خيارا فنيا

وعلى خلفية كلام قاسم الأخير، يتصاعد الحديث حول إمكانية الذهاب إلى المفاوضات مع إسرائيل. لكن المشكلة، كما يكشف الخطاب، ليست في مبدأ التفاوض نفسه، بل في الطرف الذي يملكه ويديره.

يميل جزء من الشعب اللبناني إلى إنهاء الصراع، لكن هذا التوجه يصطدم ببنية سياسية غير قادرة على ترجمته. في المقابل، يرفض «الحزب» أي مسار لا يمر به أو لا يتوافق مع حساباته الإقليمية، كما قال قاسم في البيان «لن نتخلى عن السلاح والدفاع.. وليعلم من هم في السلطة أن أداءهم لن يفيد لبنان ولن يفيدهم، فما يريده العدو الإسرائيلي الأميركي منهم ليس تحت سيطرتهم، وما تريده منه لن يعطيه لك».

وهنا يتحول التفاوض من أداة الحل إلى ساحة للصراع على القرار.

كما أن ارتباط الملف اللبناني بتوازنات أوسع وبدور إيران الإقليمي الفاعل يجعل أي مسار تفاوضي عرضة لإدارته ضمن شبكة المصالح الإقليمية، وليس وفق المنطق اللبناني البحت. وجاء في البيان أن “وقف إطلاق النار لم يكن ليحدث لولا مشاركة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المحادثات الباكستانية”. وفي هذا السياق، يمكن فهم موقف قاسم على أنه جزء من محاولة إبقاء هذا الملف ضمن هذه الشبكة، وعدم تسليمه بالكامل إلى مؤسسات الدولة.

سيادة بلا ازدواجية أو لا سيادة

وفي الختام، فإن تصريح الشيخ نعيم قاسم لا يقدم فقط دفاعاً عن «خيار المقاومة»، بل يقترح ضمناً نموذجاً بديلاً للسيادة يقوم على تغليب السلطة على حساب المؤسسات الدستورية. في المقابل، تبقى الدولة اللبنانية، رغم ضعفها، الإطار الوحيد القادر على إنتاج قرار عام مستدام، لأنها وحدها تمتلك شرعية التمثيل وإمكانية المساءلة.

اليوم، لا يقف لبنان بين خيارين بسيطين، بل يواجه مأزقاً بنيوياً: إما استعادة مكانة الدولة كمرجعية وحيدة للقرارات، مع ما يتطلبه ذلك من تسويات داخلية صعبة، أو استمرار تعدد مراكز القرار، مع ما ينطوي عليه من إرهاق مكشوف، فتكون النتيجة: الحرب لم تحل، ولم يبنى السلام.

التجربة اللبنانية تظهر بوضوح أن تكلفة التردد لا تقل عن تكلفة القرار، لكنها تظهر أيضا أن أخطر ما يمكن أن يواجهه أي بلد هو فقدان حقه في اتخاذ القرار أصلا. وفي هذه اللحظة السياسية بالذات، لا يبدو أن الخطر يكمن في التفاوض أو رفضه، بل في استمرار غياب سلطة سيادية واحدة قادرة على القرار وإلزام الجميع، باسم لبنان الدولة، وليس الساحة المرتبطة بالتوازنات الإقليمية التي تسمى الآن إيران، بعد أن ارتبطت في مراحل سابقة بنفوذ منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ثم بالوصاية السورية.

أيمن الجزيني

#نعيم #قاسم #تفاوض #معنا

نعيم قاسم: تفاوض معنا!

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – نعيم قاسم: تفاوض معنا!

المصدر : www.elsharkonline.com

.