.

بين “الريلز” و”البودكاست”.. هل انقرضت القراءة؟

صدى الملاعب9 أغسطس 2024
بين “الريلز” و”البودكاست”.. هل انقرضت القراءة؟

دستور نيوز

في أوائل عام 2022، صدمت الشخصيتان الإعلاميتان البريطانيتان البارزتان إيميلي مايتليس وجون سوبل جمهور هيئة الإذاعة البريطانية BBC بعد إعلانهما استقالتهما من أكبر هيئة بث بريطانية صنعت لهما شعبية وبنت لهما قاعدة جماهيرية عريضة. لكن الصدمة لم تكن بسبب خبر استقالتهما فقط، بل أيضًا لسببها الغريب، وهو رغبة الشخصيتين الإعلاميتين في تقديم “بودكاست” مشترك -بدلًا من برنامجهما- على شبكة “إل بي سي”. وأثارت هذه الخطوة تساؤلات حول الثقب الأسود “للبودكاست” الذي يبتلع بسرعة الشخصيات الإعلامية والجماهير بجاذبية غير مسبوقة. هذا النمط الإعلامي، الذي بدأ في عام 2004، أخذ ينمو بسرعة، لدرجة أن 61% من الذين أجروا استطلاع “اتجاهات البودكاست” لعام 2019، التابع لمنصة “ديسكفر بودز”، يقضون الآن وقتًا أطول على البودكاست من التلفزيون، وتتجاوز هذه الساعات لدى 82.4% منهم 7 ساعات أسبوعيًا، بحسب ما نُشر على موقع “الجزيرة نت”. خلال 5 سنوات فقط، من 2018 إلى 2023، وبحسب موقع «بودكاست إندكس»، تضاعف عدد البودكاست في العالم من 197 ألفًا إلى نحو 4 ملايين، مع شريحة جمهور تتجاوز 80 مليون مستمع أسبوعيًا، ليس في العالم أجمع فحسب، بل في الولايات المتحدة وحدها. وإذا انتقلنا إلى وطننا العربي، سنجد أن موقع «عرب بودكاست» يخبرنا بأن لدينا نحو 1400 برنامج بودكاست، وهي إحصائية قابلة للزيادة بشكل كبير. ولكن مع هذه الإحصائيات وغيرها، ومع اتساع جاذبية البودكاست لدى المنتجين والمتلقين على حد سواء، هل يمكننا أن نتساءل عن الناتج المعرفي الذي يتركه هذا الإنتاج؟ أو بالأحرى: هل يمكننا أن نرى مفارقة واضحة بين عدد المستمعين للبودكاست، التي تصدر عادة على هيئة محتوى معرفي هادف، وعدد القراء الجادين؟ وبحسب اليونسكو فإن الطفل العربي يقرأ 7 دقائق كل عام، بينما المواطن العربي بشكل عام يقرأ حوالي ربع صفحة سنويا، وهي نسبة تتوافق إلى حد ما مع تراجع الإنتاج العلمي في العالم العربي إلى حوالي 1650 كتابا سنويا. بينما إذا عدنا إلى البودكاستات فسنجد أن نسبة مستمعي البودكاست من منصة سبوتيفاي تتراوح بين 26% و39% من إجمالي مستخدمي سبوتيفاي العرب، لكن الإحصائية الأكثر لفتا للانتباه أن ما يقرب من 40% من هؤلاء المستمعين ينتمون إلى الجيل زد، المولود بعد عام 1996، ما يعني أننا أمام جيل أصبح يستمع أكثر مما يقرأ؛ فنجد أنفسنا أمام مفارقة مذهلة بين إحصائيات القراءة وإحصائيات الاستماع تجعلنا نتساءل: هل ستقتصر القراءة وتنقرض الكتب أمام سماعات الأذن وشاشات الهواتف؟ من هنا، يمكننا أن نفهم شيئاً عن سبب تشتت انتباهنا عند الدراسة أو القراءة رقمياً، وفقاً للعبارة الساخرة الشائعة -بطرق مختلفة- على منصات التواصل الاجتماعي: “أمسكت بهاتفي للاستماع إلى تسجيلات المحاضرات، فوجدت ساعات من مقاطع Reels”. ولكن لأن الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي أغرقتنا في سيل هائل من المصادر والمراجع، والروابط المترابطة، ومقاطع الفيديو المقترحة، والمنشورات المشابهة، فقد أغرقنا هذا في بحر آخر من المحتوى الهش السريع الذي لا يحتاج إلا إلى انتباه الإنترنت المشتت العابر. ومع ثقافة البودكاست، لا تحتاج إلى الكثير من الجهد للحصول على معرفة “مرضية” عن شيء ما، وهذا لا يعني أن “البودكاست” أسلوب إعلامي سيئ أو شيء مذموم، لكن مشكلته الحقيقية تكمن في أمرين: الأول يتعلق بالبودكاست نفسه، وهو سيولة حدوده وعدم وضوحها؛ إن كل شخص أصبح قادراً على إنشاء بودكاست يستضيف فيه ضيوفاً مؤهلين أو غير مؤهلين يتحدثون لساعات أمام مستمعين لا يملكون عادة قاعدة معرفية حول موضوع المناقشة. أما الثاني فهو يتعلق بالمتلقي الذي يحصر ثقافته ومعرفته في هذا النمط الإعلامي أو ذاك، متصوراً أنه قد يكفيه بدلاً من المعرفة الجادة التي تتطلب القراءة والتعلم، إلا أن الصورة المبهرة والميكروفونات الأنيقة عالية الجودة، إلى جانب طول مدة الحلقات نسبياً، كل هذا قد يخلق هالة مؤثرة للمحتوى، وقد تكون هذه الهالة خادعة ولا تتناسب مع الحقيقة المعرفية التي يتم الحصول عليها من وراء البودكاست، أو المحتوى الرقمي عموماً. كما أن الفارق الجوهري بين ثقافة القراءة وثقافة الصورة/الاستماع يظهر في التفاعل الذاتي الذي يحدث في ذهن المتلقي مع المعلومة، فالقراءات المتعددة “تساهم في بلورة الفكر الإنساني من خلال قراءته لأفكار مختلفة، وتجارب متعددة، وتصورات ومقترحات عديدة، ورؤى متنوعة، قد تكون متناقضة أو متشابهة أو مختلفة قليلاً أو كثيراً عما يراه مناسباً”. كل هذا يساعد القارئ على «الوصول إلى أفكار ناضجة في النتيجة النهائية»، في حين أن المعلومات المرئية والمسموعة «قد تكون من وجهة نظر واحدة ومجزأة»، من دون «الكثير من الخلفيات أو التفاصيل»، فضلاً عن تقديمها «بسرعة، ومن زاوية واحدة بحسب ما يريده مصدر المعلومات»، وهو ما لا يساعد على «تكوين خلفية متينة أو إصدار حكم ناضج حول هذه المواضيع». وبالعودة إلى الخطب التي تحذر من مخاطر الحياة الرقمية، هل نستطيع أن نجد انتباهاً موازياً يعيد النشاط المفقود إلى عقولنا الراكدة؟ أم أننا سنستسلم للواقع ونقبل بتغيرات الزمن؟ وإذا أدركنا هذا، فهل سنشهد وعياً آخر بالخط الرفيع الذي يفصل بين الاستفادة والصورة الثقافية مثل المدونات الصوتية والوقوع في فخ السطحية والسطحية؟ أم أن هذا الفخ سيتوسع ويجعل القراءة الجادة جزءاً من التاريخ؟

بين “الريلز” و”البودكاست”.. هل انقرضت القراءة؟

– الدستور نيوز

.