.

محكمة العدل الدولية: حدودها ومدى نفوذها؟

صدى الملاعب4 أغسطس 2024
محكمة العدل الدولية: حدودها ومدى نفوذها؟

دستور نيوز

في يونيو 1945، قرر مؤتمر سان فرانسيسكو الذي حضره 50 دولة إنشاء محكمة دولية تكون جزءاً من الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة. واستند النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية إلى النظام الأساسي لسابقتها، محكمة العدل الدولية الدائمة. وتتمتع القرارات غير الملزمة التي تصدرها المحكمة الجديدة بقوة رمزية كبيرة لأنها صادرة عن أعلى هيئة قضائية دولية ترتبط مباشرة بالجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن. وفي 19 يوليو/تموز، أعلنت محكمة العدل الدولية أن استمرار وجود دولة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني. وتلا رئيس محكمة العدل الدولية القاضي نواف سلام نتائج تصويت قضاة المحكمة بأغلبية 11 صوتاً مقابل 4 أصوات. وبنفس الأغلبية، وجدت المحكمة أن دولة إسرائيل ملزمة بإنهاء وجودها غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة في أقرب وقت ممكن. وبأغلبية 14 صوتا مقابل صوت واحد، وجدت المحكمة أن دولة إسرائيل ملزمة بالوقف الفوري لجميع أنشطة الاستيطان الجديدة وإجلاء جميع المستوطنين، وأنه لا ينبغي للمنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، أن تعترف بشرعية هذا الوضع الناشئ. وعلق المتحدث باسم الأمم المتحدة بأن الأمين العام سيحيل بشكل عاجل الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي طلبت رأي المحكمة، مضيفا أن الأمر متروك الآن للجمعية العامة لتقرر كيف ستتصرف في هذا الصدد. قرارات غير ملزمة إلا في حالة واحدة لا تملك محكمة العدل الدولية صلاحيات تنفيذية ولا يمكنها فرض عقوبات أو تنفيذ أحكامها، وتفتقر إلى الوسائل لتنفيذ قراراتها، ويقتصر دورها على إصدار الأحكام القضائية والآراء الاستشارية. لذلك، من الضروري تسليط الضوء على دور محكمة العدل الدولية، خاصة بعد اعتقاد عدد كبير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أن إسرائيل ستنفذ قرارات المحكمة التاريخية التي أيدت حقوق الشعب الفلسطيني. ولكن تطلعات أنصار حقوق الشعب الفلسطيني حول العالم لتنفيذ قرارات محكمة العدل الدولية تتساوى مع تطلعات قضاة المحكمة الذين أصدروا القرارات القانونية، وتتقاطع مع الرغبات المعلنة للأمين العام للأمم المتحدة وكبار المسؤولين في منظماتها الإنسانية، وكذلك مع تفضيلات قطاعات واسعة من الشعوب العربية وشعوب العالم الأخرى المتعاطفة مع حقوق الفلسطينيين وسعيهم لإقامة دولة مستقلة. ويريد المسؤولون الحكوميون في عدة دول، وخاصة في الاتحاد الأوروبي والمسؤولون في الولايات المتحدة، وقف الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية لأنه يخالف القرارات الدولية المتعلقة بحل الدولتين. ولكن القرارات الصادرة عن المحكمة لا تلزم الحكومة الإسرائيلية ولا تحقق رغبات أصحاب الحقوق وأنصارهم، ومع ذلك فإن هذه القرارات لها تأثير مباشر على الرأي العام العالمي، وكذلك على المواقف القانونية والقضائية داخل الدول. إن القرارات غير الملزمة التي تصدر عن محكمة العدل الدولية لها قوة رمزية كبيرة، حيث أنها تصدر عن أعلى هيئة قضائية دولية ترتبط مباشرة بالجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن. ومن أمثلة قرارات المحكمة وآرائها الاستشارية أصدرت محكمة العدل الدولية قرارات وأحكاماً وقدمت أحكاماً استشارية في العديد من القضايا التي عرضت عليها، ومنها على سبيل المثال إصدارها في 9 يوليو/تموز 2004 رأياً استشارياً غير ملزم بشأن الجدار العازل الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية، حيث وجدت المحكمة أن بناء الجدار يخالف القانون الدولي وطلبت من إسرائيل وقف البناء وتعويض الأضرار. وعلى الرغم من التأثير الكبير لهذا القرار على اتجاهات النقاش الدولي حول الموضوع، إلا أنه لم يكن ملزماً. ومن أولى القضايا التي نظرتها المحكمة قضية قناة كورفو التي رفعتها المملكة المتحدة ضد ألبانيا في عام 1949 بشأن حقوق الملاحة والمسؤولية عن حادث بحري في قناة كورفو، حيث حكمت المحكمة لصالح المملكة المتحدة، محملة ألبانيا مسؤولية الحادث وأمرت بالتعويض. ولم تمتثل ألبانيا لقرار المحكمة ورفضت دفع التعويض الذي فرضته، واستمرت القضايا القانونية بين المملكة المتحدة وألبانيا بشأن تنفيذ الحكم لفترة طويلة. وفي عام 1969، نظرت محكمة العدل الدولية في النزاع حول الجرف القاري في بحر الشمال بين ألمانيا والدنمرك وهولندا بشأن ترسيم حدود الجرف، وقررت المحكمة تحديد الحدود البحرية على أساس مبادئ الإنصاف وليس المساواة في المسافات. وأصدرت المحكمة رأيها الاستشاري في عام 1996 بشأن شرعية التهديد باستخدام الأسلحة النووية أو استخدامها، وخلصت إلى أن التهديد باستخدام الأسلحة النووية أو استخدامها مخالف للقانون الدولي. وفي عام 1992، نظرت المحكمة في قضية بان أم بشأن طلب ليبيا اتخاذ تدابير مؤقتة للحماية لحماية حقوقها التي تنتهكها العقوبات الاقتصادية التي فرضتها المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وكانت المشكلة أن هذه العقوبات أقرها مجلس الأمن، مما خلق تضارباً محتملاً بين أحكام الفصل السابع من ميثاق مجلس الأمن والوظيفة القضائية للمحكمة. وقد قررت المحكمة بأغلبية 11 صوتا مقابل 5 أصوات أنها لا تستطيع أن تأمر بالتدابير المؤقتة المطلوبة، لأن الحقوق التي تطالب بها ليبيا ــ حتى وإن كانت مشروعة بموجب اتفاق مونتريال ــ أصدرها مجلس الأمن. وفي القرن الحادي والعشرين، نظرت المحكمة في قضايا بارزة، بما في ذلك على سبيل المثال رأي استشاري بشأن شرعية إعلان كوسوفو للاستقلال، حيث قضت في عام 2010 بأن إعلان كوسوفو للاستقلال لم يكن مخالفا للقانون الدولي، رغم أنه لم يضمن الاعتراف من جانب جميع الدول. وفي عام 2012، رفضت محكمة العدل الدولية طلب اليابان بإنشاء محكمة مستقلة لمراجعة انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها كوريا الشمالية خلال الحرب العالمية الثانية. وفي عام 2016، أصدرت المحكمة رأيا استشاريا بشأن الوضع القانوني للبحرية الصينية في بحر الصين الجنوبي في قضية رفعتها الفلبين، وقضت بأن الصين ليس لديها حقوق تاريخية تتجاوز تلك التي تضمنها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وفي قضية قطر ضد الإمارات العربية المتحدة في عام 2018، قضت المحكمة بأن الإمارات لم تنتهك اتفاقية مناهضة التمييز العنصري بفرض قيود على سفر المواطنين القطريين إلى الإمارات العربية المتحدة. وأصدرت المحكمة رأيًا استشاريًا بشأن الحدود بين السودان وجنوب السودان بناءً على معاهدة السلام، وساعدت في التوسط وتسوية بعض النزاعات الحدودية بين البلدين. وفي قضية مقدونيا ضد اليونان في عام 2018، قضت المحكمة بأن اليونان يجب أن تقبل استخدام اسم “جمهورية مقدونيا الشمالية” وفقًا للاتفاق الذي تم التوصل إليه في عام 2018. وتم تنفيذ الاتفاق، وأصبح “جمهورية مقدونيا الشمالية” الاسم الرسمي للبلاد. الهيكل الإداري للمحكمة الأمين العام هو المسؤول الإداري الرئيسي للمحكمة، وهو مسؤول عن إدارة سجلات المحكمة والإشراف على الجوانب الإدارية لعملها، بما في ذلك التواصل مع الأطراف. ويساعد الأمين العام نوابه الذين تعينهم المحكمة ولديهم نفس صلاحيات الرئيس. ويتم تعيين الموظفين الآخرين وفقاً لإجراءات التوظيف التي تتبناها الأمم المتحدة. ويتم انتخاب قضاة محكمة العدل الدولية الخمسة عشر من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن لمدة تسع سنوات ويجوز إعادة انتخابهم. وقد انتُخب القاضي نواف سلام من لبنان رئيساً لمحكمة العدل الدولية السادس والعشرين من بين قضاة المحكمة لمدة ثلاث سنوات، خلفاً للقاضية جوان دونوهيو من الولايات المتحدة. وفي حالة وفاة أحد القضاة، يعاد انتخاب قاض بديل من نفس جنسية المتوفى؛ ولا يجوز انتخاب قاضيين من نفس الجنسية. ويحق لقضاة محكمة العدل الدولية الحصول على لقب “صاحب السعادة”، ويمثل قضاة المحكمة “الأشكال المختلفة للحضارات الإنسانية والأنظمة القانونية الرئيسية في العالم”. وتتخذ قرارات المحكمة وتصدر الآراء الاستشارية بأغلبية الأصوات، ويكون للرئيس صوت مرجح في حالة تساوي الأصوات. ومحكمة العدل الدولية هي أعلى هيئة قضائية في الأمم المتحدة. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انعقد اجتماع في واشنطن في إبريل/نيسان 1945 حضره 44 من رجال القانون من مختلف أنحاء العالم لوضع مشروع قانون لإنشاء محكمة دولية. وفي مؤتمر سان فرانسيسكو الذي عقد في يونيو/حزيران 1945 وحضره 50 دولة تقرر إنشاء محكمة دولية تكون جزءاً من الهيئة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة الجديدة. واستند النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية إلى النظام الأساسي لسابقتها، محكمة العدل الدولية الدائمة. وفي أول اجتماع لها انتخب القضاة رئيساً لهم القاضي السلفادوري خوسيه جوستافو جيريرو، الذي كان آخر رئيس لمحكمة العدل الدولية الدائمة. وحكم محكمة العدل الدولية ملزم في حالة واحدة، وهي عندما تعترف الدول المتقدمة بنزاعها أمام المحكمة، فتخضع لحكمها النهائي في القضية قيد النظر. إلا أن الرأي القانوني الذي تصدره المحكمة يستمد قوته من كونه صادراً عن الهيئة القضائية الرئيسية والأعلى للأمم المتحدة. ولذلك فإن الرأي القانوني الذي تصدره المحكمة في كل الأحوال يترك أثراً قضائياً وقانونياً دولياً حتى ولو لم يكن تنفيذه ملزماً. وقد أدى تزايد الحاجة إلى التحكيم الدولي في مختلف أنواع النزاعات الناشئة بين الدول والمنظمات الدولية إلى تضخيم دور المحكمة ورأيها واستشاراتها. كما أن أغلب المعاهدات الحديثة تتضمن الآن بنداً ينص على تسوية النزاعات بواسطة محكمة العدل الدولية. *فيدل سبيتي: كاتب وصحفي لبناني.

محكمة العدل الدولية: حدودها ومدى نفوذها؟

– الدستور نيوز

.