دستور نيوز

عمان – فرحة المناسبات الاجتماعية بكل أشكالها لا مثيل لها، الفرح فيها يترك ذكريات لا تنسى على مر السنين، لكن هذا الفرح لا يرتبط بالتكاليف والأعباء المادية التي تثقل كاهل الإنسان بالتكلف والمقارنات والتفاخر، فالبساطة رغم جمالها تطغى عليها، أضف إعلاناً، بعض هذه المناسبات تفقد سحرها بالمبالغات، غالية الثمن ومبهرجة بشكل مبالغ فيه، أصبحت تشكل عبئاً اقتصادياً واجتماعياً ثقيلاً على أصحابها، المبالغة في المناسبات الاجتماعية فرضت نفسها على الناس، فلم يعد صاحب المناسبة يختار البساطة في الاحتفال، بل المبالغة للوصول إلى فنون وإبداعات جديدة لمواكبة الآخرين، وهو ما يشكل عبئاً نفسياً ومادياً، الإسراف والتبذير في المناسبات الاجتماعية يتحول إلى عبء على أصحابها، الذين يضطرون أحياناً إلى الاستدانة والاستدانة لإقامة مناسبات تفوق قدراتهم المالية، والاستدانة من الأقارب لإقامة حفل تخرج أو نجاح أو حتى استقبال مولود جديد، ناهيك عن حفلات الزفاف والحناء. مع بدء موسم التخرج الجامعي، تأسف ابتسام محمد على المصاريف الإضافية الكبيرة التي تصاحب رسوم التخرج، على حد تعبيرها، والتي لم تكن موجودة من قبل، الأمر الذي يضطر العديد من عائلات الخريجين إلى التفكير كثيرًا قبل اتخاذ قرار إقامة حفل التخرج أو حتى مشاركة أبنائهم في حفلات أصدقائهم. تستذكر ابتسام حفلات التخرج في الماضي، حيث كان الطالب وعائلته يحضرونها، ثم يعود ليشارك أقاربه وجيرانه فرحته في نفس اليوم، مما يعطي المناسبة شعورًا بالفرح الجماعي. حفل التخرج يشكل عبئًا ماليًا على العائلات، بدءًا من رسوم التخرج الباهظة، مرورًا بجلسات التصوير الباهظة الثمن وحفلات المزارع والبوفيهات المفتوحة التي لا يقبل فيها الخريج أو الخريجة أن يكون أقل من زملائه ومعارفه وأقاربه، بحسب ابتسام. اليوم أصبحت حفلات الحناء عبئًا جديدًا يضاف إلى الأعباء التي يتحملها المقبلون على الزواج، فكانت أمسية لبنات العائلة والجيران والصديقات اللواتي يأتون إلى منزل العروس لتوديعها. ترافق ذلك مع الرقص والهتافات والأغاني التراثية المرتبطة بتوديع العروس، بحسب أم فهد. لكن الوضع تغير كثيراً اليوم، خاصة في السنوات الخمس الأخيرة، فحفل الحناء أصبح له شركات منظمة، و«ثيم» محدد، وملابس موحدة، وضيافة خاصة، واهتمام بالحضور. كل هذا يفرض أعباء مالية جديدة ومبالغ فيها على صاحبة الحفل. وهذا ينطبق أيضاً على الحاضرات، اللواتي غالباً ما يجبرن من قبل أصحاب الحفل على ارتداء فستان محدد يتناسب مع تصاميم الحفل، بغرض التباهي. وينطبق الأمر نفسه على حفلات الزفاف الكبيرة، التي تحمل مبالغ طائلة لتتمكن من إقامة حفل زفاف «سيتحدث عنه الجميع». ويحذر عالم الاجتماع الاقتصادي حسام عايش من الإفراط في الإنفاق على المناسبات الاجتماعية، مشيراً إلى أن ذلك يساهم في توسيع الفجوة الاجتماعية بين الناس. والمبالغة في المناسبات تعبر عن محاولة الانتماء إلى شريحة مختلفة ومحاولة إظهار التمايز. وهو إنفاق لا طائل منه بمعنى أنه ينتهي بمجرد انتهاء الحفل. وتلجأ الأسر في كثير من الأحيان إلى هذه المبالغات والإنفاق الباذخ لأنها لا تريد لأبنائها أن يكونوا أقل شأناً، وهذا يثقل كاهل هذه الأسر، خاصة وأن تكاليف الاحتفالات تتجاوز أحياناً الدخل السنوي للأسرة بأكملها. وهذه المظاهر بشكل أو بآخر، وفقاً لعايش، هي مظاهر إسراف، حتى وإن جلبت الفرح والسرور والاحتفال، إلا أن التكاليف المترتبة عليها تخرج عن سياق الاحتفال وتشكل محاولة لإظهار القدرات المالية للمحتفلين، فهي تفرض على من لا يملك هذه القدرات تكاليف لا يستطيعون تحملها، وبالتالي تصبح التكلفة ديناً إضافياً. ومن ناحية أخرى، يشير عايش إلى أن معايير العلاقات الاجتماعية تغيرت وأصبح العامل الاقتصادي هو الجزء الرئيسي منها، وبالتالي يتجلى هذا الجانب في المناسبات الاجتماعية والتعبير عن المكانة والقدرة والإمكانية، وهذا يتعارض مع مبدأ التعايش وتقاسم المشاعر وإدراك أن هناك من لا يملك القدرة على الإنفاق في هذه المناسبات. وبحسب عايش، فإن المبالغة في المناسبات الاجتماعية تشير إما إلى نقص يتم تعويضه من خلال هذه المبالغة أو محاولة إرسال رسائل إلى أشخاص آخرين في المجتمع أو إظهار الرفاهية التي تتمتع بها هذه الأسرة في المجتمع. ويشير مستشار العلاقات الأسرية مفيد سرحان بدوره إلى أن المبالغة في نفقات المناسبات الاجتماعية بأشكالها المختلفة تدفع صاحب المناسبة إلى إنفاق مبالغ كبيرة لإقامة المناسبة، حيث تقام العديد من المناسبات في قاعات الفنادق أو قاعات المناسبات، ضمن برنامج يحتوي على الكثير من المبالغات التي تفوق قدرة الشخص وحاجته الحقيقية. ولعل التقليد الأعمى للآخرين والتفاخر هو أحد أهم أسباب هذه السلوكيات الخاطئة التي تستنزف الموارد، مشيراً إلى أن التعبير عن الفرح لا يعني الإنفاق أكثر أو الاقتراض أو تحميل نفسك أكثر مما تستطيع تحمله. فهذا النوع من الفرح هو فرح مؤقت مصطنع، لأن الصعوبات التي تتبعه صعبة من الناحية المادية. والفرح الحقيقي حسب سرحان هو الفرح الذي ينبع من القلب، دون تصنّع أو تكلف، وبعيداً عن المبالغة. المبالغة في المناسبات الاجتماعية لا تتوقف على تكاليف الحفلات أو ما يقدمه المدعوون، بل إن المشاركة في الحفل لها متطلبات لدى الكثيرين، فهي تتطلب لباساً جديداً وموضة معينة، وقد لا يليق بالبعض أن يشاركوا باللباس نفسه في أكثر من مناسبة، حتى وإن تشابهت المناسبات، فيكون هذا بالنسبة لهم غير لائق ولا يتناسب مع المستوى الاجتماعي الذي يصنعونه لأنفسهم، وهذا ينطبق على النساء والرجال. ويشير سرحان إلى حفلات تخرج طلاب الجامعات، حيث كان الخريج يحتفظ بصورته وثوب التخرج والشهادة، أما هذه المناسبة فتتطلب الآن أن يشارك معه جميع أفراد الأسرة في التقاط الصور وحجز الاستوديو، وهذه من الأساسيات التي تزيد من التكاليف. واليوم، بحسب سرحان، فإن تكاليف الزواج الباهظة تبدأ قبل عقد القران، حيث يجب أن يحضر الحفل عدد كبير من الأشخاص ويقام في قاعات، وله متطلباته وتكاليفه، ويتبعه حفل الخطوبة، ثم حفل الزواج ومتطلباته. يقول: «الفرح مطلوب، ومن الجميل أن يحرص الإنسان على إدخال الفرح إلى نفسه وقلوب الآخرين»، لكن الفرح الحقيقي لا يرتبط بالتكاليف المادية التي تستنزف صاحب المناسبة وترهق المشاركين فيها، بل بالعيش ببساطة ودون تكلف أو اصطناع، وهناك أمثلة كثيرة على من يصطنع الفرح الذي يتناقله الناس، لكنه في الحقيقة يترك أثراً سلبياً لسنوات على المحتفل والمحتفل به.
هل يكشف ثقافة المقارنات والتقليد..
– الدستور نيوز