.

اراء و اقلام الدستور – بعد ست سنوات من انفجار مرفأ بيروت: هل العدالة قريبة؟

سامر الشخشيرمنذ ساعة واحدة
اراء و اقلام الدستور – بعد ست سنوات من انفجار مرفأ بيروت: هل العدالة قريبة؟


دستور نيوز

المحامي أسامة العرب

في الرابع من آب/أغسطس من كل عام، لا يكتفي اللبنانيون باستذكار تاريخ محفور في ذاكرتهم الوطنية، بل يعودون إلى إحدى اللحظات الأكثر مأساوية في تاريخ لبنان الحديث. في 4 أغسطس 2020، دوي انفجار مرفأ بيروت هز العاصمة وامتد أثره إلى مختلف أنحاء البلاد، مخلفا أكثر من مائتي شهيد وآلاف الجرحى، إضافة إلى دمار هائل طال أحياء بأكملها، تاركا ندوبا عميقة في الضمير الوطني لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

وبعد ست سنوات من تلك الكارثة، لا تزال الأسئلة الجوهرية التي طرحت منذ اللحظات الأولى قائمة: كيف وصلت كميات هائلة من المواد شديدة الخطورة إلى قلب العاصمة؟ ومن سمح لها بالبقاء لسنوات رغم التحذيرات المتكررة؟ من يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية والقانونية عن واحدة من أكبر الكوارث غير النووية التي شهدها العالم على الإطلاق؟ وهي أسئلة لم تجد حتى الآن أجوبة قضائية حاسمة تنهي معاناة أهالي الضحايا وتعيد جزءاً من الثقة المفقودة بمؤسسات الدولة.

مع اقتراب الذكرى السادسة، تتحول الأنظار، كما اعتاد اللبنانيون كل عام، إلى قصر العدل في بيروت، حيث يواصل المحقق العدلي القاضي طارق البيطار تحقيقاته في الملف الأكثر تعقيدا وإثارة للجدل في تاريخ القضاء اللبناني المعاصر. وينتظر الرأي العام أي تطور قد يشكل خطوة فعلية على طريق العدالة، لكن المعطيات القضائية تشير إلى أن قرار الاتهام المتوقع لن يصدر بالتزامن مع هذه الذكرى، لتستمر بذلك حالة الانتظار التي أصبحت السمة الأبرز لهذا الملف.

ويعود سبب التأخير بحسب البيانات القضائية إلى الطبيعة الاستثنائية للتحقيقات وحجمها غير المسبوق. التقرير الذي يعده المحقق الجنائي يتجاوز ألف ومائتي صفحة، ويتضمن أقوال وشهادات وتقارير فنية وخبرات فنية معقدة، فيما يمتد التحقيق برمته إلى آلاف الصفحات التي تتطلب مراجعة متأنية ومتأنية. ويقوم المدعي العام التمييزي القاضي محمد صعب بإعداد المراجعة القانونية لهذا التقرير قبل إعادته إلى المحقق العدلي الذي سيحتاج بدوره إلى فترة إضافية لصياغة القرار الاتهامي بصيغته النهائية.

ومن الناحية القانونية، يبدو هذا المسار منسجما مع متطلبات الإجراءات القضائية التي تتطلب التحقق والتدقيق في ملف بهذا الحجم والحساسية، حيث أن أي قرار يصدر في قضية بهذا المستوى يجب أن يستند إلى أدلة متماسكة وإجراءات سليمة تمنع الطعن فيه أو إبطاله لاحقا. لكن الجانب الإجرائي لا يلغي القلق المشروع لدى اللبنانيين، ولا سيما أهالي الضحايا، الذين يشعرون أنه كلما اقتربت العدالة منهم، كلما ابتعدت من جديد تحت وطأة التعقيدات القانونية أو التوترات السياسية.

ولا يخفى على أحد أن هذا الملف لم يكن، منذ بدء التحقيقات، مسألة قضائية بحتة، بل تحول إلى مجال تتقاطع فيه الاعتبارات القانونية مع الحسابات السياسية. وشهد الملف، على مدى السنوات الماضية، أزمات دستورية وقضائية متتالية، أبرزها الخلاف الذي نشب بين المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، والمدعي العام التمييزي السابق القاضي غسان عويدات. وأدى هذا الخلاف إلى شل التحقيقات لفترة طويلة وأثار جدلا واسعا حول حدود الصلاحيات واستقلال السلطة القضائية في لبنان.

ومن هنا، تبقى المدة الزمنية المتوقعة لإصدار القرار الاتهامي مرهونة بغياب خلافات أو تدخلات قانونية جديدة قد تعيد الملف إلى المربع الأول. والسوابق التي يعرفها التحقيق تجعل من الصعب الجزم بأن الطريق أصبح واضحا تماما، خاصة في ظل الطبيعة السياسية الحساسة للقضية وتعقد المسؤوليات المحتملة.

كشفت كارثة المرفأ، بما لا يدع مجالاً للشك، عن حجم الخلل الذي أصاب بنية الدولة اللبنانية، ليس فقط على مستوى الإدارة والرقابة، بل أيضاً على مستوى نظام المساءلة والمحاسبة. تقاس الدول، في النهاية، بقدرتها على حماية مواطنيها، وعندما تقع الكوارث، بقدرتها على كشف الحقيقة ومحاسبة الأطراف المهملة، بغض النظر عن الاعتبارات الشخصية أو السياسية. ومن هذا المنطلق، فإن العدالة في قضية المرفأ ليست مطلباً عائلياً لأسر الضحايا وحدها، بل هي استحقاق وطني يتعلق بمستقبل الدولة وسيادة القانون وثقة المواطنين بمؤسساتهم.

إن محاسبة كل من ثبتت مسؤوليته، سواء كان ذلك نتيجة الإهمال أو الإهمال أو الفساد أو إساءة استخدام السلطة، تمثل شرطا أساسيا لاستعادة احترام مفهوم الدولة ومنع تكرار مثل هذه الكوارث. فمن غير الممكن بناء دولة حديثة في ظل ثقافة الإفلات من العقاب، كما لا يمكن استعادة الثقة في السلطة القضائية إذا ظلت القضايا الوطنية الكبرى رهينة للتوترات السياسية والتفسيرات المتناقضة للنصوص القانونية.

وفي هذا السياق فإن الحاجة ملحة إلى تعزيز استقلال القضاء باعتباره الضمانة الأساسية لتحقيق العدالة. إن استقلال القضاء ليس امتيازاً للقضاة، بل هو حق للمجتمع كله، وهو الأساس الذي تقوم عليه دولة القانون. ومن هنا تقع على عاتق رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ومختلف السلطات الدستورية، توفير المناخ الذي يحمي القضاء من أي تدخل أو ضغوط، ويتيح له ممارسة دوره بحرية واستقلالية، بعيداً عن موازين القوى السياسية أو الاعتبارات الفئوية.

في الختام، في الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، لا يبدو أن الزمن قد نجح في تبديد الألم، ولم ينجح في تقصير المسافة بين الحقيقة والعدالة. وكل تأخير إضافي في حل هذه القضية يزيد من شعور اللبنانيين بأن العدالة المتأخرة قد تتحول إلى عدالة ناقصة، ويديم صورة الدولة غير القادرة على محاسبة المسؤولين في القضايا الوطنية الكبرى. لكن احترام المبادئ القانونية والدستورية يظل شرطا لا غنى عنه لضمان عدالة راسخة لا تشوبها ثغرات أو شبهات.

وستبقى قضية انفجار المرفأ معياراً حقيقياً لمدى قدرة الدولة اللبنانية على الانتقال من منطق الإفلات من العقاب إلى منطق دولة المؤسسات والقانون. العدالة ليست عملاً انتقامياً، بل هي الأساس الذي تبنى عليه المصالحة الوطنية، وتحفظ حقوق الضحايا، ومن خلالها تعاد ثقة المواطنين في وطن يستحق أن يكون الحقيقة أقوى من النفوذ، والقانون أعلى من الجميع.

المحامي أسامة العرب

#بعد #ست #سنوات #من #انفجار #مرفأ #بيروت #هل #العدالة #قريبة

بعد ست سنوات من انفجار مرفأ بيروت: هل العدالة قريبة؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – بعد ست سنوات من انفجار مرفأ بيروت: هل العدالة قريبة؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.