.

اراء و اقلام الدستور – الشهيدة رانيا العباسي… قراءة نفسية لحالات الحزن والغضب

سامر الشخشيرمنذ 12 دقيقة
اراء و اقلام الدستور – الشهيدة رانيا العباسي… قراءة نفسية لحالات الحزن والغضب


دستور نيوز

أحمد عسيلي

وأخيراً وبعد 13 عاماً من الانتظار والغموض، عرفنا مصير الدكتورة رانيا العباسي وزوجها وأولادها الستة. وأكدت الهيئة القومية للمفقودين، أن هذه الأسرة المنكوبة كانت من ضحايا مجازر التضامن، وشوهدت وهي تقتل في مقطع فيديو لم يتم نشره، حفاظا على أرواح الضحايا وبناء على رغبة ذويهم.

وبهذا الإعلان اندلعت موجة واسعة من الحزن والغضب بين السوريين. القضية التي تحولت على مر السنين إلى واحدة من أكثر حالات الاختفاء القسري رمزية في سوريا، أعادت فتح جراح لم تلتئم من الأساس، وتعيد إلى الواجهة حجم العنف الذي مارسه النظام السابق ضد السوريين.

ولم تتوقف ردود الفعل عند حدود الحزن أو المطالبة بالعدالة، إذ شهدت وسائل التواصل الاجتماعي حالة من الغليان، مما دفع إلى ظهور حملات وشعارات تطالب بمقاطعة طائفة بأكملها، وتحميلها المسؤولية الجماعية عن جرائم النظام، تحت عناوين مثل “أنت لست شجرة”، في إشارة إلى ضرورة الوقوف وعدم الحياد.

أولا، يجب أن نعترف أنه من الصعب أن نطلب من الناس التزام الهدوء في مواجهة جريمة بهذا الحجم. الغضب هنا مفهوم ومشروع. بل وربما يكون من المؤشرات الصحية أن المجتمع لم يعد يقبل العنف والإفلات من العقاب الذي كان يقبله في السابق. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول البحث عن المسؤولية إلى التعميم، وعندما ينتقل الاتهام من أفراد ومؤسسات ارتكبت الجريمة إلى مجموعة كاملة مثقلة بتاريخ كامل من الانتهاكات.

ومن وجهة نظر التحليل النفسي يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال آليات الانفصال والتحول. في لحظات الصدمة العميقة والحزن، تتشكل طاقة سلبية شديدة لدى الإنسان. يجب إطلاق هذه الطاقة حتمًا. ومن هنا جاء شعار “أنت لست شجرة”. إنها دعوة للقيام ببعض الإجراءات من أجل إطلاق هذه الطاقة القوية من الحزن والغضب (آلية تحويلية). وكان هذا الحراك سلمياً على الأقل، إذ لم يدعو إلى مجازر أو تحويل مناطق بأكملها إلى مزارع. كما اقتصرت على وسائل التواصل الاجتماعي فقط، لذلك لم يكن لها أي تطبيقات عملية. على الأرض، هي نقطة إيجابية بسيطة، لكن يجب رصدها وتسجيلها في هذا النفق السوري.

والنقطة الإيجابية الأخرى هي أن هذا الاضطراب اقتصر على بعض أفراد المجتمع فقط، ولم يمتد إلى أجهزة الدولة. وتعمدت إحدى أجهزتها الأمنية نشر مقطع فيديو لأفراد تابعين للسلطة السورية وهم يحيون أهالي جبلة وريفها على أنغام الموسيقى الساحلية، في إشارة واضحة إلى أن الدولة لا تتبنى أبداً مطالب بعض السوريين، وهي كسلطة تقف على الحياد، ما لم يكن لهذه المطالبات تأثير واقعي على الأمن العام. وفي النهاية يجب أن نعتاد على وجود صراعات مجتمعية، وعلى الدولة أن تكون على الحياد تجاه هذه الصراعات طالما ظلت سلمية، هذا هو دورها ووظيفتها. كما أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية أنهم ألقوا القبض على بعض أفراد عائلة أمجد يوسف بتهمة التستر على أحد المجرمين. وهي اتهامات حقيقية وتؤثر بشكل مباشر على المتورطين فيها فقط، ولا تخص أبناء قريته من قريب أو بعيد. وهذا هو الجانب الإيجابي للقضية. أما جانبه السلبي، فهو أن مسار هذا التصريف سلك الطريق الخاطئ، لأن النفس تميل في لحظات الضيق إلى تبسيط الواقع وتقسيمه إلى معسكرين واضحين (آلية الانفصال)، الخير المطلق والشر المطلق. مطلق، ويصبح من الأسهل تفسير العالم من خلال مجموعات متعارضة وليس من خلال شبكات معقدة من المسؤوليات والخيارات والمصالح، وهي آلية تفكير عامة موجودة في كثير من الحالات المرضية، لكنها سيطرت على العقلية السورية لفترات طويلة خلال فترة حكم الأسد.

ولعل أخطر ما ورثناه من النظام السابق ليس السجون أو الخراب الاقتصادي وحده، بل طريقة التفكير التي علمنا إياها. لقد أمضى السوريون عقوداً من الزمن في ظل خطاب يرى الناس جماعات قبل أن يراهم أفراداً، وطوائف قبل أن يراهم مواطنين. ولذلك فإن السقوط السياسي للنظام لا يعني بالضرورة سقوط منطقه من داخل العقول.

ولهذا فإن العدالة المطلوبة في قضية رانيا العباسي لا تتحقق بتوسيع دائرة الاتهام، بل بتحديدها بدقة. العدالة تعني معرفة من خطط ومن نفذ ومن تستر ومن استفاد، وليس البحث عن مجموعة كاملة تتحمل وزر الجريمة. والأهم من ذلك كله أن يعي السوريون صراعاتهم النفسية، ويتفهموا درجة غضبهم، والأهم توجيهه في مساره الصحيح.

قد تكشف قضية رانيا العباسي اليوم عن جريمة مروعة ارتكبها النظام السابق، لكنها تكشف أيضًا شيئًا آخر لا يقل أهمية، وهو أن السوريين ما زالوا يخوضون معركة ثانية مع الإرث النفسي والفكري الذي تركه هذا النظام، وهي معركة قد تكون أطول وأصعب من إسقاطه نفسه.

#الشهيدة #رانيا #العباسي.. #قراءة #نفسية #لحالات #الحزن #والغضب

الشهيدة رانيا العباسي… قراءة نفسية لحالات الحزن والغضب

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الشهيدة رانيا العباسي… قراءة نفسية لحالات الحزن والغضب

المصدر : www.enabbaladi.net

.