دستور نيوز
بقلم د. سمير صالحة
“أساس ميديا”
وما بدا في البداية تعديلاً إدارياً لمهمة توم باراك الدبلوماسية، سرعان ما تحول إلى إشارة إلى إعادة ترتيب أوسع في طريقة تعامل واشنطن مع ملفات سوريا والعراق وتركيا، ضمن مقاربة جديدة لا تزال ملامحها في طور التشكل.
أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو انتهاء الولاية الرسمية للمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك، لكنه حرص في الوقت نفسه على التأكيد على أن انتهاء هذه الصفة لا يعني خروجه من دائرة النفوذ أو اتخاذ القرار. جاء ذلك بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب توسيع نطاق مهمة باراك لتشمل سوريا والعراق، بالتوازي مع استمراره سفيرا للولايات المتحدة لدى تركيا، في إطار ما وصفه بتعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومتي البلدين.
ومن يعتقد أن توم باراك البالغ من العمر سبعين عاماً، والذي أنهى جزءاً من مهامه الإقليمية في واشنطن، سيكتفي بالجلوس على كرسي تقاعده الهزاز في شرفة السفارة الأميركية في أنقرة، يراقب المارة وحركة المرور في حي جانكايا القديم، فهو مخطئ.
ربط سوريا بالمنطقة؟
الرجل الذي اختاره صديقه ترامب ليحمل لقب سفير الولايات المتحدة لدى تركيا في نيسان/أبريل 2025، ثم مبعوثاً خاصاً إلى سوريا في أيار/مايو 2025، تنقل بين أكثر من مهمة ومنصب. وهو محام ومستثمر ورجل أعمال ومستشار مقرب للرئيس الأمريكي. لذلك قد يتغير التوصيف الرسمي، لكن المهمة السياسية الموكلة إليه هذه المرة تبدو أكبر بكثير من حدود التمثيل الدبلوماسي المعتاد، وتمتد إلى ملفات إقليمية في قلب الحسابات الأميركية الجديدة.
ولا يبدو أن إنهاء صفة المبعوث الخاص إلى سوريا هو قرار إداري بحت، بل يعكس تحولاً أعمق في مقاربة واشنطن للملف السوري. وتلجأ الإدارات الأميركية عادة إلى تعيين مبعوثين خاصين عندما ترى أن الملف يتطلب إدارة سياسية استثنائية تتجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية، وهو خيار لا يرتبط بالضرورة بوجود سفير دائم أو غيابه.
ولن يتراجع دور باراك في سوريا، خاصة أنه كان من أبرز الأشخاص الذين ربطوا فكرة سوريا الجديدة بمسار الانفتاح الإقليمي، وطرحوا إمكانية فتح قنوات غير مباشرة مع إسرائيل، ضمن رؤية تقوم على خفض مستوى الصراع وتوسيع مجالات التفاهم.
ومن هنا تبدو واشنطن اليوم أقرب إلى إعادة إدراج الملف السوري ضمن المسار الدبلوماسي الكلاسيكي، بما يعنيه ذلك من تقليص الدور الشخصي لصالح البنية المؤسسية لوزارة الخارجية.
لكن هذا التحول لا يعني التعامل مع ملف منفصل لسورية. بل على العكس، فهي تأتي في إطار رؤية أوسع تربط الساحة السورية بمحيطها الإقليمي، وفي مقدمته العراق وتركيا.
ويبدو التوجه الأميركي في هذا السياق أقرب إلى إدارة ملفات المنطقة ضمن رؤية أكثر تماسكاً. فبدلاً من التعامل مع ملف منفصل لسوريا وساحة مستقلة للعراق، واعتبار تركيا فاعلاً إقليمياً قائماً بذاته، يميل النهج الجديد إلى دمج هذه الساحتين في إطار واحد تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
وفي هذه المعادلة الجديدة، تكتسب أنقرة أهمية إضافية كنقطة تقاطع لهذه السياسات، حيث تتلاقى قضايا أمن الحدود والتوازنات الإقليمية والوجود الأمريكي في العراق وسوريا ضمن شبكة نفوذ واحدة.
ولا يتوقف هذا التحول عند حدود الفرد، بل يشير إلى إعادة تنظيم أوسع لملفات المشرق ضمن مقاربة أميركية مختلفة عن الصيغة التقليدية التي تتجاوز فكرة إدارة الملفات بشكل منفصل.
وفي هذا السياق، تبدو واشنطن أقرب إلى إعادة تعريف أسلوب إدارة المنطقة، بدلاً من إعادة توزيع الملفات داخلها، إذ تتحول مهمة باراك إلى اختبار عملي لفكرة إدارة المنطقة كنظام واحد، يتم التحكم فيه من نقاط محورية محددة، في إطار محاولة إعادة هندسة جغرافية نفوذ سياسية أوسع.
لكن هذا التصور لا يمكن فصله عن أحد العناصر الأكثر تأثيراً وتعقيداً في البيئة الإقليمية، ألا وهو الوجود الإيراني داخل هذه الساحات، مع تشابك نفوذه السياسي، وشبكات الفاعلين المحليين، والتوازنات الداخلية.
ما هي المهمة الجديدة؟
في موازاة ذلك، ورغم أن التصريحات الأميركية الأخيرة لا تربط بشكل مباشر بين إعادة تعريف مهمة توم باراك وبين الدور الإيراني في سوريا والعراق أو موقع إسرائيل في معادلات الأمن الإقليمي، فإن هذين العاملين يظلان جزءاً ثابتاً من خلفية أي مقاربة تشمل هذا المثلث الإقليمي.
وفي حين يشكل الوجود الإيراني أحد أبرز عناصر التعقيد في العراق وسوريا، فإن إسرائيل تبقى حاضرة بشكل غير مباشر في المعادلات الأمنية المرتبطة بالساحة السورية واللبنانية، خاصة فيما يتعلق بحدود الردع وتوازن النفوذ مع إيران، وهو ما يجعل أي توجه أميركي مفتوحا عمليا على هذه التفاعلات حتى لو لم تعلن ذلك صراحة.
ويكتسب ما يقترحه باراك نفسه أهمية إضافية، فهو ينظر إلى سوريا والعراق وتركيا باعتبارها نقطة ارتكاز واحدة لأي استقرار في الشرق الأوسط، وهو ما يعكس تحولاً في التفكير الأميركي من إدارة ساحات منفصلة إلى التعامل مع مساحة مترابطة.
ولا يقتصر هذا التحول على مستوى العلاقات بين الدول الثلاث، بل يمتد إلى إعادة ضبط تموضع القوى المحلية داخل كل ساحة، بما في ذلك القوات الكردية في سوريا، التي لعبت دوراً مهماً في الحرب ضد داعش، قبل أن تجد نفسها اليوم أمام نهج أكثر ميلاً إلى إعادة التوازن بين الشركاء الإقليميين.
هذا التقارب بين الخطاب الأميركي الرسمي وخطاب باراك لا يشير فقط إلى وحدة في الوصف، بل إلى تحول أعمق في أسلوب الإدارة نفسها، إذ أصبحت الساحات مترابطة ضمن شبكة نفوذ واحدة بدلا من التعامل معها كملفات مستقلة، وهو ما يعيد طرح سؤال أوسع حول طبيعة المرحلة المقبلة.
وفي قلب هذا التحول، تبدو واشنطن أقرب إلى إعادة تعريف أسلوب إدارة المنطقة من إعادة توزيع الملفات داخلها، فيما تتحول مهمة باراك إلى اختبار عملي لفكرة إدارة المنطقة كنظام واحد، يتم التحكم فيه من بؤر محددة، في اتجاه التكامل وإعادة تنظيم طريقة التعامل مع المنطقة نفسها من منطلق جغرافية سياسية مختلفة ضمن بنية نفوذ جديدة.
وبالتالي فإن السؤال الذي يستحق المتابعة ليس: لماذا ترك باراك منصب المبعوث الخاص إلى سوريا؟ بل ما هي المهمة الإقليمية الجديدة التي تستعد واشنطن لتكليفها بها بعد إنجاز الجزء الأول من مشروعها في بلاد الشام؟
د. سمير صالحة
#من #دمشق #إلى #بغداد #ما #هي #مهمة #توم #باراك #الإقليمية #الجديدة
من دمشق إلى بغداد: ما هي مهمة توم باراك الإقليمية الجديدة؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – من دمشق إلى بغداد: ما هي مهمة توم باراك الإقليمية الجديدة؟
المصدر : www.elsharkonline.com
