.

اراء و اقلام الدستور – الحشرات الالكترونية

سامر الشخشيرمنذ 50 دقيقة
اراء و اقلام الدستور – الحشرات الالكترونية


دستور نيوز

غزو ​​القرنفل

وفي الوقت الذي كانت فيه السلطات تخشى حرية التعبير، كان من المتوقع أن يواجه صاحب الرأي المخالف رقابة مباشرة، أو منع للنشر، أو استدعاء أمني، أو حملة تشهير تقودها جهات رسمية بأسماء معروفة. لكن اليوم تطورت الأدوات، وتغيرت الأساليب، وبدأت بعض السلطات أو من في فلكها تستعين بجيوش غير مرئية من الحسابات الوهمية، والمعلقين المأجورين، والمتطوعين المتحمسين الذين يجوبون الفضاء الرقمي مثل أسراب الحشرات الإلكترونية، تطن في كل مكان، وتلتصق بالجميع. رأي لا يعجبهم ويعملون بلا كلل لتلويث النقاش العام.

هذه الظاهرة التي أصبحت تعرف شعبيا باسم “الذباب الإلكتروني” ليست مجرد سلوك مزعج على وسائل التواصل الاجتماعي. بل هي مشكلة سياسية وأخلاقية وثقافية لأنها تقوم على تحويل الاختلاف في الرأي إلى اتهام، والنقد إلى خيانة، والمعارضة إلى سبب كاف للمساس بالسمعة والكرامة الشخصية.

هؤلاء الأشخاص لا يناقشون فكرة، ولا يدحضون رأيًا، ولا يقدمون حجة. بل يهاجمون الشخص نفسه، ويشككون في دوافعه، وينسبون إليه أسوأ النوايا المفترضة، وكأن الولاء للسلطة يسمح بانتهاك أبسط قواعد الاحترام. ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة هو أنها لا تقتصر على محاولة إسكات الأصوات الناقدة، بل تساهم في تسميم المجال العام برمته. عندما يرى الكاتب أو الصحفي أو المواطن العادي أن أي رأي مخالف سيجذب إليه وابل من الشتائم والاتهامات والتخوين، فقد يفضل الصمت بدلا من الخوض في معركة عقيمة مع روايات مجهولة الهوية وغير مسؤولة، وبالتالي لا ينتصر الرأي الأقوى، بل الصوت الأعلى والأكثر وقاحة وابتذالاً.

لا شك أن سوريا، بعد سنوات طويلة من القمع والاستبداد، شهدت تحسناً نسبياً في هامش الحريات العامة وحرية التعبير، حيث أصبح من الممكن إلى حد ما قول ما كان يعتبر سابقاً من المحرمات، وأصبح النقاش العام أكثر تنوعاً وجرأة، وإن كان ضمن حدود لا تزال متواضعة مقارنة بما يطمح إليه الناس. وهو تطور ينبغي الاعتراف به والبناء عليه، لكن هذا التقدم يظل ناقصا ومهددا ما دامت الحشرات الإلكترونية تنشط بحرية في الفضاء العام، وتلاحق كل صوت مستقل، وتتعامل مع النقد كجريمة، والسلطة التي تسمح بوجود هذا المناخ أو تتجاهله أو تستفيد منه، تضر بنفسها قبل أن تضر منتقديها، إذ لا يمكن الادعاء باحترام حرية التعبير في وقت يترك المخالفون فريسة لحملات التشهير والتحريض والاغتيال الأخلاقي المنظمة.

اللافت أن أغلب المتحمسين للدفاع عن السلطة لا يدركون أنهم يلحقون ضرراً جسيماً بها وبسمعتها. فالسلطة الواثقة في أدائها والمتأكدة من شرعيتها لا تحتاج إلى جوقة من التصفيق، ولا إلى كتيبة من الشتائم أو الطبالين. بل هي تحتاج إلى النقد الصادق أكثر من حاجتها إلى الثناء المجاني، وتحتاج إلى من يشير إلى أخطائها حتى يصححها، لا إلى من يقنعها بأنها معصومة. يعلمنا التاريخ أن الأنظمة لا تسقط بسبب كثرة منتقديها، بل بسبب كثرة المنافقين الذين يحيطون بها ويتخذون لها كل قرار مهما كان خاطئا يجملها.

النقد ليس عملاً عدائيًا. بل هو تعبير عن القلق أو الاعتراض أو التحذير من قرار أو نهج يعتقد أو يرى فيه الناقد خطراً أو ضرراً وشيكاً يصعب علاج آثاره. ولذلك فهو شكل من أشكال الاهتمام بالمصلحة العامة. ومن المؤسف أن يتحول هذا الاهتمام إلى سبب للتشهير والخيانة. فالدول التي تحترم نفسها تعتبر النقد جزءاً من عملية التصحيح والتطوير، وليس تهديداً ينبغي القضاء عليه.

إن بناء الدولة الحديثة لا يقتصر على إصدار القوانين، أو تنظيم الانتخابات، أو إطلاق الشعارات الرنانة. بل هو في أحد جوانبه عمل يتطلب ترسيخ ثقافة سياسية تقبل التنوع والاختلاف، وتحترم حق الناس في التعبير عن آرائهم دون خوف من التنمر أو الإساءة أو التشهير. وإذا كانت السلطة الجديدة جادة في تقديم نفسها كسلطة انتقالية مختلفة عن سابقتها، فعليها أن تتنصل بوضوح من هذه الممارسات، وأن تشجع أنصارها على احترام الرأي الآخر، والكف عن التبجح لأن الحق لا يحتاج إلى تحريف. التطبيل للتأكد من صحته.

إن مكافحة الحشرات الإلكترونية التي أصبحت ظاهرة تشوه الفضاء العام وتفسد الهواء الذي يمكن أن يتنفس النقاش الوطني الذي تحتاجه سوريا، ليست بالمهمة المستحيلة. بل هو قرار السلطة، إذا أرادت ذلك، دفاعاً عن حق المجتمع كله في الحوار بعقلانية ومسؤولية واحترام. الحرية التي تحاصرها الشتائم والخيانة ليست حرية، والتقدم الذي يصاحبه طنين وتطبيل الذباب الإلكتروني يظل تقدماً مشوهاً لا يساهم في بناء الأمم. هل سمعت أو رأيت من قبل “حشرات” تبني منزلاً للإنسان؟!

#الحشرات #الالكترونية

الحشرات الالكترونية

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الحشرات الالكترونية

المصدر : www.enabbaladi.net

.