دستور نيوز
أحمد عسيلي
انشغل السوريون، الأسبوع الماضي، بقضية الآنسة بتول علوش، بعد ظهور عائلتها على مواقع التواصل الاجتماعي تتهم السلطة السورية باختطاف ابنتهم، لتعود إلى الواجهة مفردات ثقيلة من الذاكرة السورية التي تشكلت بعد سقوط الأسد، مثل “السبي” و”الاختطاف الطائفي”. ولاحقا، ظهرت بتول في تسجيل فيديو أمام عدد من الأشخاص، مؤكدة أنها خرجت من منزل عائلتها بمحض إرادتها ولأسبابها الخاصة، ثم ظهرت من جديد في تسجيل منفصل نفت فيه بشكل واضح تعرضها للاختطاف، كما حدث. وكما هو متوقع في سوريا اليوم، فإن ذلك لم يهدئ الجدل. بل إن أهلها استمروا في إنكار الرواية الرسمية، وذهبت والدتها إلى حد المطالبة بالتدخل الدولي، بمطالب وشعارات تجاوزت قضية الاختفاء نفسها، ودخلت مباشرة إلى قلب الاستقطاب السياسي والطائفي الذي تعيشه البلاد.
ما يلفت الانتباه في هذه الحالة ليس الحادثة نفسها فحسب، بل غياب أي جهة مستقلة قادرة على لعب دور الوسيط المحايد بين السلطة والعائلة والرأي العام، وهذا ربما يكشف عن إحدى أخطر الأزمات في سوريا الحديثة، وهي غياب “الطرف الثالث”.
عندما تحدث مسألة حساسة تمس حرية المرأة أو إمكانية تعرضها للإكراه، فمن المفترض أن تتحرك المنظمات النسوية وهيئات حقوق الإنسان والهيئات القانونية المستقلة بشكل تلقائي، ليس بهدف إصدار الأحكام، بل بهدف التحقق والاستماع وتأمين الحد الأدنى من ثقة الجمهور. كان من الممكن، على سبيل المثال، أن تطلب منظمة نسوية إجراء مقابلة مستقلة مع بتول بعيدا عن السلطة والعائلة، أو أن تصدر هيئة حقوقية تقريرا أوليا يقلل من حجم الشائعات والذعر والاستثمار السياسي، لكن شيئا من ذلك لم يحدث تقريبا.
المفارقة هي أنه بعد عام 2011، أتيحت للسوريين فرصة تاريخية لبناء مجتمع مدني حقيقي. وتدفقت الأموال، وظهرت مئات المنظمات، وعقدت دورات تدريبية ومؤتمرات حول العدالة الانتقالية، وحقوق الإنسان، وتمكين المرأة. لكن بعد أكثر من عقد من الزمن، تبدو معظم هذه الكيانات غير قادرة على لعب دور الوسيط المستقل، وتحول قسم كبير منها إلى جزء من الاصطفاف السياسي نفسه، أو إلى مؤسسات تعيش داخل عالم التمويل والخطابات النظرية أكثر مما تعيش داخل المجتمع الحقيقي.
إن غياب الطرف الثالث ليس بالأمر الهين في الديمقراطيات الحديثة. بل هو أحد ركائزهم الأساسية. هنا في فرنسا، على سبيل المثال، أثناء عملي في الرعاية النفسية، قد أضطر أحيانا إلى إبقاء المريض في المستشفى رغما عنه، وأحيانا أجبره على تناول الدواء، إذا كان يشكل خطرا على نفسه أو على الآخرين نتيجة اضطراب نفسي شديد، كما في بعض حالات الأوهام أو نوبات العنف الشديدة. ولكن حتى في هذه الحالة، حيث يكون هدف المستشفى هو الحماية والعلاج، فإن القانون لا يسمح للمؤسسة بأن تكون صاحبة القرار الوحيد.
وفي حالة ما يسمى بالوقاية من خطر وشيك، يجب كتابة شهادة طبية من طبيب لا يعمل في نفس المستشفى التي قررت إبقاء المريض. أي أن القانون يشترط منذ البداية وجود عين خارجية مستقلة عن المؤسسة التي اتخذت القرار. كما يتطلب الأمر في بعض الأحيان توقيع طلب رسمي من شخص ثالث، غالبًا من عائلة المريض، أو أحد الأطراف التي تتصل به، كممثل عن هيئة اجتماعية تتقاسم المسؤولية مع المستشفى في احتجاز المريض ومنع حريته. ولا يتوقف الأمر هنا، إذ تعرض الإجراءات لاحقاً على قاضٍ مختص يعرف بـ”قاضي الحريات والاحتجاز”، أي “قاضي الحريات”، الذي يتولى مراجعة مشروعية القرار واستمراره.
ويبدو أن جهاز الدولة في قضية بتول قام بواجبه من خلال حضور النائب العام وقاضية تمثل القضاء أثناء استجواب بتول، لكن حزب حقوق الإنسان والمنظمات المستقلة كان أبرز الغائبين، وهذه مشكلتنا كمجتمع غير قادر على القيام بهذه المهام، أو أن من يفترض بهم القيام بهذه المهام يغيبون عن المشهد ويتحولون إلى طرف في الدعاية السياسية، دون أي تحرك حقيقي على الأرض.
إذن فإن الديمقراطية الحديثة لا تقوم على النوايا الحسنة فحسب، بل على فكرة أعمق: لا يجوز لأي حزب أن يكون خصما أو حكما أو شاهدا في نفس الوقت. ولذلك تحتاج المجتمعات إلى أطراف وساطة مستقلة تراقب وتتحقق وتخفف من التعدي على السلطة وتفجر المخاوف الجماعية في الوقت نفسه.
في سوريا تبدو المشكلة أكبر من مجرد أزمة سلطة أو أزمة معارضة. نحن أمام فشل طويل الأمد في بناء تلك المساحة الوسيطة بين الفرد والطائفة والدولة. ولهذا السبب فإن أي حادث، مهما كان فرديا، يتحول بسرعة كبيرة إلى معركة هويات، وخوف جماعي، وتعبئة سياسية. وعندما يغيب الطرف الثالث، لا يبقى للناس إلا العائلة والطائفة والسلطة والإشاعة.
ولعل مهمة السوريين اليوم، بعد كل هذا الدمار، أعظم من مجرد تغيير النظام السياسي. ولعل المهمة الأصعب تكمن في إنشاء ذلك «الطرف الثالث» القادر على حماية الحقيقة من الاستقطاب، وحماية الأفراد من السلطة، وحماية المجتمع من نفسه أيضاً.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#البتول #بين #العائلة #والسلطة…أزمة #الطرف #الثالث
البتول بين العائلة والسلطة…أزمة الطرف الثالث
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – البتول بين العائلة والسلطة…أزمة الطرف الثالث
المصدر : www.enabbaladi.net
