.

اراء و اقلام الدستور – التغيير المطلوب في إيران

سامر الشخشيرمنذ 60 دقيقة
اراء و اقلام الدستور – التغيير المطلوب في إيران


دستور نيوز

بقلم نديم قطيش

“أساس ميديا”

ويمتد سجل المفاوضات بين الغرب والجمهورية الإسلامية الإيرانية لأكثر من أربعة عقود، مروراً بثلاث عشرة إدارة أميركية وستة أطر تفاوضية أوروبية. وطوال هذه الحقبة، ظل النمط ثابتاً: فالمفاوضات الناجحة تنتج اتفاقاً، وتوفر هدوءاً سطحياً، وتمنح إيران الطريق إلى التوسع الثوري التالي.

وهذا النمط هو نتيجة موضوعية للانفصال البنيوي بين اعتقاد الدبلوماسية الغربية بأنها تتفاوض مع دولة طبيعية ذات مصالح محددة، وحقيقة مفادها أن النظام الإيراني عبارة عن مشروع إلهي غير مرئي عابر للحدود.

ولا يجوز القفز إلى ما هو أبعد مما يقوله النظام الإيراني عن نفسه، من حيث كونه ادعاء ميتافيزيقيا ودستوريا، في ظل نظرية ولاية الفقيه، التي تجعل المرشد نائبا للإمام الغائب، يحكم وفق عقيدة “الولاية الإلهية المقدسة”.

وليست السياسة الخارجية الإيرانية إلا صدى للعقيدة، حيث تتحول المفاهيم العقلانية للسياسة والحكم، أي حسابات الربح والخسارة، إلى مفاهيم ميتافيزيقية، يصبح بموجبها «الاستشهاد» والدمار والتهجير و«البلاء» استثماراً وليس تكلفة بشرية. وتتحول “التقية” من السلوك الديني الإلزامي إلى سياسة إدارة الدولة والعلاقات الخارجية من خلال الخداع الممنهج الذي يفقد الدبلوماسية معناها الحقيقي. وتتحول نظرية تصدير الثورة من التزام فقهي إلى إطار عملي ينظم علاقات إيران الدولية، بما يجعل رعاية الميليشيات التزاماً إلهياً ملزماً دستورياً.

هذه الهوية غير المرئية للنظام تضع حداً لأفق أي تسوية، لأن التنازل مثلاً عن رسالة «تصدير الثورة»، وبالتالي إسقاط رعاية الميليشيات والتمادي في خفض مستوى التسلح إلى حد التخلي عن الردع النووي، ليست مجرد قرارات سياسية، بل تشكل إهمالاً لرسالة النظام الإلهية، واعترافاً بتحوله إلى سلطة إنسانية قادرة على التوصل إلى اتفاق على الحلول الإنسانية الدنيوية.

كسر النمط التوسعي

وعليه، حوّل النظام كل اتفاق أو تسوية (من اتفاق الجزائر عام 1981 إلى الاتفاق النووي عام 2015) إلى خطوة تمهيدية تسمح له بتوسيع المشروع الثوري. وهذا النمط هو بالضبط ما تسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى كسره.

لم تكن الأيام الستون الماضية مجرد جولة عسكرية، بل كانت بمثابة زلزال ضرب الركائز الثلاث التي بني عليها المشروع الإيراني:

1- لقد انهار الوكلاء الذين أتاح «الاتفاق النووي 2015» لإيران فرصة حشدهم ودعمهم لتشكيل حلقة من النار، إذ تفككوا أمام ضربات محددة.

2- انكشف الغموض النووي الذي ظل وثيقة تأمين نهائية، ليتبين أن القدرة على حمايته أو تفعيله أصبحت تحت رحمة الاختراق الميداني الأميركي والإسرائيلي.

3- اختفاء الشرعية الإقليمية مع انهيار الخطاب العسكري الراديكالي أمام حقائق الهزيمة التي شهدها الميدان الإيراني نفسه.

وفي هذا السياق، يؤكد التصريح المنسوب للمرشد الجديد مجتبى خامنئي في 30 نيسان/أبريل عمق المأزق. ويصف البيان الواقع بأنه “هزيمة أمريكا المخزية” في الوقت الذي غرق فيه الأسطول الإيراني، وانهارت قيادة الحرس الثوري، وقُتل المرشد، وما حل بإيران. يكشف هذا التناقض الصارخ عن عجز بنيوي في التمييز بين الوهم والحقيقة، أكثر من كونه دعاية سياسية يعرف أصحابها أنهم يكذبون.

وعليه، فإن النظام الذي فقد القدرة على التقييم الموضوعي لميزان القوى محكوم عليه بالدخول في مرحلة «العشوائية الاستراتيجية»، كما ظهر من الهجمات الإيرانية على دول الخليج، والتي طالت حتى عمان وقطر.

تفتقر إيران ما بعد الحرب إلى مشروع إقليمي بديل، وغياب المشروع في ذهن ثوري مهزوم لا يؤدي إلى الانسحاب، بل إلى «التصعيد الغريزي» لاستعادة التماسك الداخلي المنهار والهيبة الخارجية المهدرة.

وبينما يحاول البيان المنسوب للمرشد الإيراني التلويح بـ«قواعد جديدة» في مضيق هرمز تحت غطاء المصير المشترك، تبدو العواصم الخليجية على جانب مختلف تماما. لقد تجاوزت العلاقة الخليجية الأميركية المفهوم التقليدي للأمن لتصبح «عقداً حضارياً» مرتبطاً بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والأسواق العالمية.

تغيير الموقع والدور

وعليه، فإن الخليج اليوم لا يبحث عن تسويات «سلوكية» مع نظام يعيش أزمة، بل يتطلع إلى إحداث تغيير جذري في مكانة إيران ودورها وقدراتها، نتيجة هذه الحرب، بالتوازي مع استمرار دولها في بناء واقع اقتصادي يتجاوز عصر الابتزاز الجيوسياسي الذي تمارسه إيران.

ومن هنا، هناك خوف حقيقي من ألا تؤدي «إيران الضعيفة» إلى منطقة مستقرة، بل إلى دولة مهزومة تسكنها أوهام العظمة، وتدفعها نرجسية جريحة ستكون أكثر خطورة على أمن المنطقة واستقرارها. ولا يتساوى أي من ضعفي إيران مع الآخر في تأثيره الاستراتيجي على المدى الطويل.

إن الضعف الحقيقي والمفيد الوحيد هو إغلاق سجل “التغيير السلوكي” باعتباره نهجا في التعامل مع إيران منحها أربعين عاما من الفرص للتوسع الثوري. والبديل المستقر هو التسوية البنيوية، التي تعيد تشكيل إيران على نحو يفصل أوهام التفويض الإلهي عن أدوات الدولة، ويحل الحرس الثوري باعتباره النواة الصلبة للمشروع العابر للحدود الوطنية.

وأي اتفاق لا يمس هذه البنية ما هو إلا تأجيل لانفجار أوسع.

نديم قطيش

#التغيير #المطلوب #في #إيران

التغيير المطلوب في إيران

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – التغيير المطلوب في إيران

المصدر : www.elsharkonline.com

.