.

اراء و اقلام الدستور – الضاحية والجنوب والبقاع.. غزة ثانية

اراء و اقلام الدستور – الضاحية والجنوب والبقاع.. غزة ثانية


دستور نيوز

بقلم جوزفين ديب
“أساس ميديا”
لم تكن التهديدات الإسرائيلية الأخيرة بإخلاء الضاحية الجنوبية وجنوب الليطاني مفاجئة تماماً. في الكواليس الدبلوماسية، يدور الحديث منذ أسابيع عن سيناريو مختلف عما شهده لبنان في جولات المواجهة السابقة. هذه المرة، لا يبدو أن قواعد الاشتباك التقليدية موجودة، ولا الخطوط الحمراء التي تحكم الجبهة منذ سنوات. الرسالة التي وصلت إلى بيروت كانت أوضح وأقسى: أي صاروخ يطلق من لبنان، مهما كان حجمه أو الجهة التي تقف وراءه، سيقابل بحرب مدمرة. وأي تقاعس من جانب السلطة السياسية المنتخبة الجديدة سيؤدي إلى دفع لبنان الرسمي ثمناً باهظاً.
وتؤكد مصادر دبلوماسية أن هذه الرسالة وصلت إلى معظم المعنيين في لبنان من مسؤولين ودبلوماسيين. وكان مضمونها مباشراً: إسرائيل لن تتعامل مع أي حادث أمني باعتباره محدوداً أو قابلاً للاحتواء، بل باعتباره سبباً كافياً لشن حرب واسعة النطاق. والنتيجة المتوقعة، بحسب هذه الرسائل، هي تحويل مناطق نفوذ «الحزب» – الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع – إلى غزة ثانية.
وفي هذا السياق، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في بيان، “قريبا ستشهدون الضاحية الجنوبية لبيروت كما رأت خان يونس في غزة”.
لكن التحذير لم يقتصر على حجم الرد، بل على طبيعته أيضا. وبحسب هذه المصادر، فإن التصور الإسرائيلي للحرب لا يقتصر على استهداف البنية العسكرية للحزب أو مخازنه ومنصاته، بل يتجاوز ذلك إلى مهاجمة ما تعتبره إسرائيل نظام “دولة حزب الله”: مؤسسات ومراكز وهياكل مالية واقتصادية، وأحياء بأكملها ترى أنها تشكل بيئة عمل للحزب.
وفي مقابل «فشل السلطة السياسية في التعامل مع القضايا الملحة والمطلوبة دولياً التي حكمت الانتخابات الرئاسية اللبنانية»، فإن التقديرات نفسها لا تستبعد أن تمتد الضربات إلى البنية التحتية اللبنانية الأوسع إذا اتسعت المواجهة: الطرق الرئيسية والجسور والمرافق الحيوية، وربما مرافق الدولة الأساسية. ولا يقتصر الهدف في التفسير الإسرائيلي على تحييد قدرات الحزب العسكرية، بل خلق ضغط تدميري واسع النطاق يجعل تكلفة الحرب على كل لبنان مرتفعة إلى حد لا يمكن تحمله. هذه الكلمات هي رسالة تهدف إلى إظهار مدى خطورة تدهور الوضع في لبنان إذا استمر «الحزب» في هذه الحرب وارتباطه بإيران، وإذا استمرت السلطة السياسية في فشلها في معالجة ملف السلاح ودور «الحزب» في لبنان.
وكشفت مصادر دبلوماسية لأساس أن إسرائيل لم تنفذ كل ما هددته ظهر الخميس بهدم كافة المباني في المناطق التي هددت بها. لكن هذه التهديدات حملت رسائل واضحة إلى رئيس الجمهورية وإلى الحكومة وإلى «الحزب» كما إلى اللبنانيين، بهدف دفع البلاد إلى حالة استنفار عام تؤدي في نهاية المطاف إلى التحرك نحو اتفاق نهائي مع إسرائيل.
وفي خلفية هذا النهج هناك أيضًا تصور إسرائيلي أوسع للحرب. ولا ترى إسرائيل أن المواجهة مع «الحزب» فقط، بل مع ما تسميه النظام الإيراني في لبنان: شبكة عسكرية ومالية وسياسية تعتبرها جزءاً من استراتيجية إقليمية تقودها طهران. ولذلك، وبحسب هذه القراءة، فإن ضرب هذا النظام لا يقتصر على المواقع العسكرية، بل يشمل البنية التحتية التي تسمح له بالعمل والاستمرار.
تحرك القنوات الدبلوماسية
وتحركت خلال الأسابيع الماضية عدة قنوات دبلوماسية في محاولة لمنع الانزلاق إلى هذا السيناريو. وتشير مصادر مطلعة لموقع أساس إلى أن مبادرات دولية طرحت عبر القنوات الرسمية على خط قصر بعبدا مع رئيس الجمهورية، في مسعى لاحتواء التصعيد وإبعاد لبنان عن الحرب الدائرة في المنطقة. لكن هذه الجهود لم تسفر عن نتيجة حاسمة، فيما كانت المؤشرات الميدانية والسياسية تتحرك تدريجيا في الاتجاه المعاكس.
وفي قراءة هذه المصادر فإن ما يحدث اليوم ليس مفاجأة بقدر ما هو ترجمة حرفية لما قيل سابقاً في الغرف المغلقة: إذا فُتحت الجبهة اللبنانية فلن يشهد لبنان حرباً عادية، بل حرباً كارثية ستطيح بكل ما حكم المشهد اللبناني قبله.
المفارقة أن كثيرين في الداخل، وتحديداً المسؤولين في مناصب رفيعة جداً، كانوا على علم بهذه المعادلة. ومنهم من يراهن على أن التهديدات ستبقى في إطار الضغط السياسي وأن الحرب لن تقع. وآخرون يراهنون على أن الحرب قائمة لكي تقوم بالعمل الذي كان من المفترض أن تقوم به الدولة اللبنانية، فيما اختار البعض تجاهل الإشارات المتراكمة، أو التقليل من خطورتها. واليوم، مع تصاعد التهديدات وبدء الحديث الإسرائيلي العلني عن إخلاء مناطق واسعة، يبدو أن السيناريو الذي تم تحذيره منذ فترة طويلة أصبح قريباً من التحقق.
في الختام، تتحدث المصادر الدبلوماسية عن مسؤولية مشتركة، لأن المسؤولية السياسية لا يمكن اختزالها في طرف واحد، حتى لو كان «الحزب» في قلب المعادلة العسكرية. «الحزب» يتحمل مسؤولية واضحة بحكم سلاحه ودوره وقراره فتح الجبهة. لكن المسؤولية لا تتوقف عند هذا الحد. وهناك أيضاً دولة ومؤسسات وزعماء سياسيون كانوا على علم بما يمكن أن يحدث، ولم ينجحوا -أو لم يحاولوا بما فيه الكفاية- في منع هذه اللحظة من الوصول إلى هذه اللحظة.
يقف لبنان اليوم أمام مشهد خطير جداً. الوقت وحده سيكشف من عرف، ومن حذر، ومن راهن على العكس، ومن فشل في القيام بما كان ينبغي القيام به. لكن المؤكد أن الثمن، إذا اندلعت الحرب بهذا الشكل، لن يقتصر على طرف واحد، بل سيدفعه بلد بأكمله قد يجد نفسه أمام كارثة تجعل من الضاحية والجنوب والبقاع نسخة أخرى من غزة.
جوزفين ديب

#الضاحية #والجنوب #والبقاع. #غزة #ثانية

الضاحية والجنوب والبقاع.. غزة ثانية

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الضاحية والجنوب والبقاع.. غزة ثانية

المصدر : www.elsharkonline.com

.