.

استدامة الدين في الأردن.. النتائج والاستنتاجات…

صدى الملاعب28 أغسطس 2024
استدامة الدين في الأردن.. النتائج والاستنتاجات…

دستور نيوز

عمان – بعد سلسلة من المقالات المتخصصة حول استدامة دين المملكة والتي نشرت خلال الاسبوعين الماضيين لا بد لنا من الخروج ببعض النتائج والاستنتاجات التي هي نتاج هذا البحث المبني على معطيات رقمية حقيقية وسيناريوهات سياسية واقتصادية متعددة، ولا بد لنا من الأخذ بعين الاعتبار في تحليلنا هيكل الدين العام في حالته النهائية بنظرة شمولية بعيدا عن المؤشرات الظاهرية فقط، فالأسباب لها ارتباطات مهمة بحجم الدين وتطوره، كما أنها تعكس استمرارية عمليات الإصلاح المالي ومدى التفاوت في الأداء من فترة لأخرى، فالدين العام الذي وصل الآن إلى ما يقارب 115% من الناتج المحلي الإجمالي يشكل مصدر قلق ولا أحد ينكر هذا القلق المشروع، لأنه سيستنزف موارد الدولة التي يجب أن توجه نحو مشاريع رأسمالية إنتاجية عاملة تدعم النمو الاقتصادي، فهناك ما يقارب 2 مليار دينار كخدمة دين يتم تسديدها سنويا، وهو رقم كبير يشكل ما يقارب 18% من إنفاق الموازنة. ولو تراجع هذا الرقم لكانت المخصصات للاستثمار والتشغيل ومكافحة الفقر والبطالة أكبر، وتضاعفت الجهود والنتائج الإيجابية، إلا أن أسباب النمو الاستثنائي للديون استنزفت الكثير من موارد الدولة المتاحة والمحدودة أصلاً. كما أن رقم الدين العام، بالإضافة إلى ديون صندوق الضمان الاجتماعي (42 مليار دينار)، بالأرقام المطلقة، مقلق أيضاً ويضغط على موارد الدولة، وهي أرقام يناقشها الرأي العام بين الحين والآخر، وفي كثير من الأحيان تتجاوز هذه التحليلات محددات المنطق الاقتصادي السليم، ولعل الوصول إلى مرحلة الحوار العشوائي حول الديون يبرره أحياناً، ويستند إلى شرعية عالية، أبرزها غياب الحوار العقلاني والمنطقي من قبل الحكومة، وتحديداً من قبل وزارة المالية، التي لها الاختصاص في هذا الأمر. هناك غياب تام لخطاب إعلامي اقتصادي مفتوح مع الرأي العام حول موضوع الديون، وهو ما يتوجب على الوزارة اتباع آلية عقلانية ومنفتحة في التواصل العلمي والعملي لشرح بنية الديون ومبرراتها بشكل عام، وأن الأمر تحت السيطرة وبمعرفة كاملة بالاتجاهات، وليس متروكاً للقدر والمصير كما يتصور البعض. ولابد أن نعترف بأن الفشل في إدارة الحوار حول الديون ليس مسؤولية الشارع بقدر ما هو مسؤولية أساسية لوزارة المالية. ولو تم الحوار بطريقة مؤسسية ومنفتحة ومنهجية، لكان الكثير من الشائعات والأحاديث غير المتوازنة أو غير المنطقية حول الديون قد ذهبت أدراج الرياح. والحوار العلمي والعملي الجريء قادر على إزالة الشوائب من أي موضوع مثير للجدل من قبل الرأي العام، فكيف بموضوع مثل الديون الذي يهم الجميع، صغاراً وكباراً، ويهم الأجيال الحالية والمستقبلية؟ إن المعلومات الصحيحة والسليمة والصادقة التي تخرج في الوقت المناسب قادرة على تعزيز الثقة بالسياسة الرسمية في أي موضوع. وهنا وبعد هذه المقدمة لا بد أن نخرج بمجموعة من النتائج والاستنتاجات التي قد تجيب على بعض تساؤلات المحللين والرأي العام المهتمين بالدين وتطوراته: – إن ارتفاع مستوى الدين العام ليس هو المعيار الوحيد للحكم النهائي على وضع الدين والمخاطر الناجمة عنه. – إن الدين العام الأردني مستدام في السنوات القادمة وهذا ما أكدته الدراسات المتخصصة الصادرة عن أهم شركات الاستشارات في العالم والتي تخرج جميعها بنتيجة واحدة وهي استدامة الدين العام في الأردن في ظل سيناريوهات متعددة. – يهدف برنامج الإصلاح المالي والهيكلي الذي تبنته الحكومة بدعم من صندوق النقد الدولي إلى وضع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار تنازلي، ليصل إلى أقل من 80% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية عام 2028. ويتضح جلياً من المعطيات الرقمية والواقع الفعلي لهيكل الدين والآليات الرسمية للتعامل معه أن الحكومة لديها رؤية واضحة للتكاليف المالية المرتبطة بالدين في السنوات القادمة، كما لديها استراتيجية دين عام ذات بعد تنظيمي تعكس شفافية إدارة ملف الدين العام في المملكة وتلتزم بتنفيذها. ولا بد من الإشارة بوضوح إلى مدى انعكاس تداعيات جائحة كورونا والانكماش الاقتصادي الناتج عنها على الموازنة العامة خلال عام 2020، ما أثر سلباً على حصيلة الإيرادات المحلية، وأدى إلى ارتفاع عجز الموازنة العامة بعد المنح الخارجية بنحو 3.7 نقطة مئوية، ليصل إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي (2,182.4 مليون دينار). كما أدت الجائحة إلى قفزة غير عادية في رصيد الدين الحكومي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بنحو 9.6 نقطة مئوية (حوالي 2540.6 مليار دينار)، متجاوزة بذلك حاجز الـ 100% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2020. ورغم كل ذلك، لم تلجأ الحكومة إلى خيارات سهلة للتعامل مع التحديات التي برزت أمام السياسة المالية، بل اختارت طريق مواجهة التحديات بالاعتماد على رفع الكفاءة في إدارة المالية العامة، وهو ما يتجلى من خلال ارتفاع معدلات تحصيل الإيرادات المحلية بعد الجائحة، بحيث تجاوزت التحصيلات الفعلية المحققة حاجز الـ 100% من التقديرات المستهدفة في قوانين الموازنة العامة، حيث بلغت نسبة التحصيل الفعلية 104% و107% لعامي 2021 و2022 على التوالي، ووصلت إلى 96.2% لعام 2023، مقارنة بمتوسط ​​89.2% خلال الفترة (2017 – 2019) قبل الجائحة. ولم تلجأ الحكومة أيضًا إلى خفض نفقاتها الرأسمالية كوسيلة لمعالجة الحيز المالي الضيق الذي تعاني منه، حيث شهدت النفقات الرأسمالية زيادة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات التي أعقبت الجائحة، مسجلة في المتوسط ​​3.9% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط ​​خلال الفترة (2017-2019)، وحققت أعلى نسبة لها خلال عام 2022 (4% من الناتج المحلي الإجمالي). كما ارتفعت حصة النفقات الرأسمالية من إجمالي الإنفاق العام بنحو 1.3 نقطة مئوية بعد الفترة التي أعقبت الجائحة، لتشكل 12.8% في المتوسط، مقارنة بـ 11.5% في المتوسط ​​خلال الفترة (2017-2019). وعلى الرغم من كل التحديات، لم يتأخر الأردن قط عن الوفاء بالتزاماته المالية، وفي ذروة الجائحة، صمدت الحكومة وسددت 1.25 مليار دولار من سندات اليورو المستحقة في أكتوبر 2020. من ناحية أخرى، ووفقًا لقاعدة بيانات البنك الدولي، تضاعف الدين العام في الأردن بأقل من ثلاثة أضعاف منذ عام 2010 مقارنة بـ 2.5 مرة في قطر، وأكثر من 16 مرة في تركيا مقارنة بمستواه في بداية الفترة، ولدى الحكومة خيارات تمويل محلية متنوعة (مصادر مصرفية وغير مصرفية) توفر المرونة لتأمين احتياجات التمويل اللازمة. ويتسم سلوك الاقتراض الحكومي بمرونة عالية في اتخاذ القرار، حيث تختار الحكومة الوقت المناسب للوصول إلى الأسواق العالمية من خلال التخطيط المستمر ومراقبة الأسواق وتحليلها وتقييم الوضع الاقتصادي العام بعناية. وقد أدت سياسات إدارة الدين الرسمي بالفعل إلى تقليص حجم المخاطر التي قد تنجم عن عملية إعادة التمويل، في ظل توفر السيولة الكافية للإقراض لدى البنوك، والادخار الكافي لدى صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي. وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من نصف مصادر الدين الخارجي (55.1%) هي قروض ميسرة وبفوائد تفضيلية وآجال استحقاق طويلة، ومن الواضح أن الاقتصاد الوطني قادر على توفير موارد ذاتية من العملات الصعبة (صادرات السلع والخدمات، تحويلات العاملين في الخارج، الاستثمار الأجنبي المباشر، وغيرها) تستخدم لتغطية الالتزامات المالية لخدمة الدين الخارجي. كما أن حصة المواطن الأردني من الدين العام (4.1 ألف دولار) أقل من العديد من الدول الأخرى حسب قاعدة بيانات البنك الدولي. وبالتالي فإن سلامة النهج الاقتصادي والمالي في المملكة تؤكدها شهادات مؤسسات التصنيف الائتماني، وهي رسالة ثقة قوية بالسياسات والإصلاحات الاقتصادية التي يتبناها الأردن، مثل رؤية التحديث الاقتصادي. ورفع وكالة موديز للتصنيف الائتماني للأردن من B1 إلى Ba3؛ يمثل تغيير النظرة المستقبلية من إيجابية إلى مستقرة أول رفع للتصنيف الائتماني للأردن منذ 21 عاماً. كما رفعت وكالة كابيتال انتليجنس التصنيف الائتماني السيادي طويل الأجل للأردن بالعملة المحلية والأجنبية من BB- إلى BB مع تعديل النظرة المستقبلية من إيجابية إلى مستقرة، في حين أكدت وكالة فيتش التصنيف الائتماني السيادي طويل الأجل للمملكة عند BB مع نظرة مستقبلية مستقرة. ومن شأن رفع التصنيف الائتماني للمملكة أن يساعد في خفض تكاليف الاقتراض في المستقبل، وتحسين ثقة المستثمرين، وزيادة القدرة على الوصول إلى الأسواق المالية العالمية، الأمر الذي من شأنه جذب الاستثمار وتعزيز التنمية الاقتصادية.

استدامة الدين في الأردن.. النتائج والاستنتاجات…

– الدستور نيوز

.