.

فقر الماء أم الفقر العقلي؟

صدى الملاعب24 أغسطس 2024
فقر الماء أم الفقر العقلي؟

دستور نيوز

تقول لنا الحكومة إننا فزنا بالبطولة، لأننا أصبحنا بجدارة أفقر دولة في العالم مائياً، بعد أن تفوقنا على كل “منافسينا” وباتنا الآن وحدنا على قمة العطش! وأقول بجدارة، وأعني ما أقول، لأننا رهننا مستقبلنا ومستقبل الوطن وشعبه بحكومات لم تتمكن من تحديد الأولويات العاجلة التي ينبغي إيلاؤها الأولوية في التخطيط والتنفيذ، وخاصة عندما تندرج هذه الأولويات ضمن تصنيفات الأمن الوطني، التي يهدد غيابها الاستقرار ككل! فمنذ أربعة عقود نعيش على قصة “قائمة أفقر الدول مائياً”، وراقبنا عن كثب صعودنا هرم القائمة حتى وصلنا إلى قمتها، ومع ذلك لم نرَ أي إنجاز حقيقي، باستثناء “الضجيج” الإعلامي حول الخطط والاستراتيجيات التي تنفذها الحكومات، والتي من شأنها أن تفجر الواقع المتدهور وتحول الأردن إلى جنات خضراء وأنهار جارية. المأساة أننا صدقنا هذه “الخرافات” لأننا أردنا أن نصدقها. لا نريد أن نعترف بأن القائمين على ملف المياه عاجزون تماماً عن اقتراح أي مخرج من المأزق الخطير الذي تنحدر إليه البلاد، ولا نريد أن نصدق أننا نسير إلى نهاية نفق مظلم يقود إلى نفق أشد ظلاماً وخطورة! أربعة عقود من الخطط والاستراتيجيات الاستعراضية التي لم تفعل شيئاً على أرض الواقع، سوى أنها ساهمت في تخدير آلامنا، وإحالتنا إلى مستقبل قد يكشف عن معجزة. أما الواقع الخطير الذي تعيشه دولة تعاني من مشاكل معقدة في شح المياه، تتمثل في تغير المناخ، وقلة الأمطار، وزيادة السكان بسبب موجات اللاجئين، ونضوب الآبار الجوفية، فلم يدرك المسؤولون خطورته قط، وبقوا على حالهم؛ يخرجون إلينا بكل أناقة عبر المؤتمرات الصحفية المزخرفة، ليؤكدوا لنا أن كل شيء تحت السيطرة، وأن مخاوفنا مبالغ فيها، ولا مكان لها في قاموس خبرتهم الأسطورية! في الأردن يشكل الفاقد المائي نحو 27% من إجمالي المياه المخصصة للري، ورغم ذلك لم تفعل الحكومات المتعاقبة إلا ما تجيده، وهو وضع الخطط والاستراتيجيات للحد من هذا الفاقد، وهو ما سئمنا منه، وكفرنا بخططها واستراتيجياتها الزائفة التي لا تتم إلا على الورق والشاشات عندما تقدم بأناقة في “عروض” إبداعية. وفي الأردن، منذ سنوات، نتحدث عن الناقل الوطني باعتباره الحل الوحيد لمشكلة الفقر المائي، لكن مسؤولينا الكرام يرون فيه مشروعاً باهظ التكلفة للغاية عندما نتحدث عن ثلاثة مليارات دولار، لكنهم لا يشرحون لنا كيف استطاعت الحكومات “الاستيلاء” على أصول صندوق استثمار الضمان الاجتماعي لصالح “خططها”، ولم يخبرونا أين ذهبت 9.2 مليار دينار أردني، إجمالي الديون المستحقة على الصندوق للحكومة! فأي مشاريع أنجزتها الحكومات بهذا المبلغ الضخم، وأي فرق أحدثته في حياة الأردنيين؟! هذه المليارات كبيرة جداً، وهي رقم فلكي لاقتصاد محدود وصغير كالاقتصاد الأردني، ولو كانت لدى حكومة واحدة رؤية واضحة لكانت حققت بهذا الرقم الكثير، ولكن للأسف هذه المبالغ التي لا نعلم مصيرها ربما ذهبت للنفقات الجارية ليتمكن المسؤولون من قيادة السيارات الفخمة والعمل في مكاتب فخمة، أو ربما ذهبت لإطفاء الديون أو خدمة الديون، نتيجة التخبطات الكثيرة في اتخاذ القرار، وهو المرض المزمن الذي نعاني منه، مع أنه كان من الممكن الاستفادة منها في الإنفاق الرأسمالي، القادر على رفع أرقام النمو، وخلق المزيد من فرص العمل التي تساهم في خفض معدلات البطالة التي يعيشها الشباب الأردني اليوم، والتي يموت الأمل فيها تدريجياً، وقبل ذلك كان من الممكن استثمار جزء بسيط منها لتنفيذ الناقل الوطني الذي سيخلصنا من العطش! إن مأساة الأردن ليست في فقر الموارد، بل في قضيتين: فقر العقول، والانتماء الحقيقي!

فقر الماء أم الفقر العقلي؟

– الدستور نيوز

.