دستور نيوز

عمان – من المعلوم أن العديد من المناطق والمدن الأردنية لا تشهد حضوراً كبيراً للحدائق والمتنزهات البيئية، التي كان من المفترض أن تكون نهجاً لوزارة البيئة كان يجب أن يطبق منذ أكثر من ثماني سنوات. وبما أن الوزارة خططت في استراتيجيتها، وحتى موازنتها السنوية، لإنشاء الحدائق والمتنزهات البيئية بتكاليف مالية عالية، فإن هذه المشاريع بقيت “حبراً على ورق” ولم تتوج بإنجازات كبيرة، بحسب خبراء. وعند مراجعة الموازنة السنوية لوزارة البيئة بين عامي 2020 و2024، نجد أن عدداً من المشاريع ذاتها لإنشاء الحدائق والمتنزهات البيئية أدرجت أكثر من مرة ضمن بنودها، لكن مصيرها غير معروف حتى اللحظة. ومن هذه المشاريع إنشاء عدد من الحدائق البيئية في العاصمة عمان بميزانية تأشيرية مدرجة ضمن موازنة الوزارة لعام 2024 بنحو 450 ألف دينار، حيث كان من المفترض أن تبدأ هذه الخطوة في عام 2021، وهذا ينطبق على محافظة الكرك حيث كان من المفترض أن يتم إنشاء عدد من الحدائق في عام 2021، بميزانية تأشيرية لعام 2025 تصل إلى 50 ألف دينار، إلا أن وزارة البيئة لم تعلن في أي من بياناتها عن مدى وصول العمل على هذه الخطوة حتى الآن، كما أعلنت وزارة البيئة في عام 2018 عن البدء بإنشاء حدائق بيئية نموذجية في غابات ومناطق المملكة، حيث استهدفت المرحلة الأولى إنشاء ثلاث منها، على أن تتبعها مراحل أخرى، إلا أنها بقيت في إطار هذه المرحلة التي انتهت هذا العام بإنشاء حديقة غابات وصفي التل فقط. ويرى المتخصص في السياسات البيئية عمر الشوشان أن “إدراج الحدائق البيئية في التخطيط الحضري عنصر أساسي لتحقيق استدامة المدن، إلا أن هناك تحديات واضحة تواجه هذا التوجه، وأبرزها ضعف دور وزارة البيئة في قيادة الجهود الوطنية لتنفيذ السياسات البيئية”. وقال الشوشان إنه “على الرغم من التزام الأردن بالعديد من الاتفاقيات البيئية الدولية، مثل اتفاقية مكافحة التصحر، إلا أن هناك ضعفاً في تنفيذ وإنشاء الحدائق البيئية على أرض الواقع”، وهذا “يدل بوضوح على غياب دور وزارة البيئة في قيادة التنسيق الفعال بين الأطراف ذات الصلة، ونقص التمويل والدعم اللازم للمشاريع البيئية”. وأكد أن “الحدائق البيئية وزيادة المساحات الخضراء في المدن أصبحت ضرورة ملحة، خاصة في ظل التوسع الحضري السريع وتزايد آثار التغير المناخي”. وأوضح أن “هذه المساحات تلعب دوراً كبيراً في تحسين نوعية الحياة لسكان المدن من خلال توفير أماكن للاسترخاء والترفيه، والمساهمة في الحد من التلوث، وتنظيم درجات الحرارة”. وأضاف شوشان أن “المساحات الخضراء تعزز التنوع البيولوجي، بل وتساعد في مكافحة التصحر، وبناء أجيال مرتبطة بالبيئة المحلية، وهي قضية بيئية مهمة تواجه الأردن على وجه الخصوص”. ولمعالجة هذه التحديات، أكد شوشان على “ضرورة أن تلعب وزارة البيئة دوراً أكثر فعالية في تطوير وتنفيذ السياسات البيئية التي تركز على تعزيز المساحات الخضراء ومكافحة التصحر”. لكنه قال إن “هذا يتطلب تعاوناً وثيقاً مع البلديات والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني لضمان تحقيق أهداف التنمية المستدامة”. وقال أيضاً إنه “يجب رفع الوعي البيئي لدى المواطنين، وتشجيعهم على المشاركة في الجهود الوطنية لحماية البيئة والحفاظ على التنوع البيولوجي”، بحسب تأكيداته. وأشار تقرير حالة البلاد 2020 إلى “وجود مشاريع غير منفذة لإنشاء حدائق ومتنزهات بيئية في عدد من المحافظات، بميزانية إجمالية تقدر بنحو 860 ألف دينار، بحسب موازنة وزارة البيئة لعام 2018”. وطرح التقرير تساؤلات حول وجود خمسة مشاريع لإنشاء حدائق ومتنزهات بيئية في عدد من المحافظات بهدف جذب السياح، بميزانية تقديرية تبلغ نحو 175 ألف دينار لعام 2019، ومدى جدوى إقامتها، علماً أنها صدرت أوامر بإنشائها من المجالس التنفيذية والمحافظات دون الرجوع إلى وزارة البيئة. وقالت رئيسة قسم الهندسة المعمارية في الجامعة الأردنية الدكتورة ديالا الطراونة: “إن نسبة المساحات الخضراء في العاصمة عمان لا تتجاوز 3.95%، في حين تصل نسبة الحدائق والمتنزهات إلى 27%، وهذا يقاس في جميع محافظات المملكة”. وأشارت الطراونة إلى أن “الأردن لم يصل بعد إلى النسب الدنيا من توفر الحدائق والمتنزهات البيئية، وهو وضع مقلق”. وعزت أسباب ذلك إلى “الوضع الاقتصادي والسياسي، إضافة إلى تداعيات التغير المناخي وندرة الموارد المائية، لكن كل هذا لا يعني أن إنشاء المتنزهات والحدائق غير ممكن من خلال استغلال الموارد المحدودة المتاحة لنا”. ومن وجهة نظرها، “يجب على الحكومات أن تدرج هذه القضية ضمن أولويات عملها، ولا يجب أن يبقى الحديث عن القضايا البيئية وكأنها نوع من الترفيه، وليست مهمة، بحيث تبقى حبراً على ورق”. وحذرت من أن “الوضع البيئي في المملكة أصبح حرجاً، ويتطلب تدخلات سريعة وعاجلة من الحكومة لوضع حلول قادرة على تحسينه”. وأشارت إلى أن “عدد الوفيات بسبب التلوث مرتفع في الأردن، الأمر الذي يتطلب إنشاء مثل هذه المتنزهات والحدائق، التي تلعب دوراً كبيراً في الحد من تلوث الهواء والبصمة الكربونية”. ويفتقر الأردن إلى المساحات الخضراء والحدائق البيئية، مقارنة بالدول العربية المحيطة، وحتى عالمياً، إذا ما أخذنا في الاعتبار عدد سكان المملكة ومساحتها الإجمالية، بحسب الدكتور سامر أبو غزالة، أستاذ في قسم الهندسة المعمارية في الجامعة الأردنية. وأكد أبو غزالة أن “الحدائق الواسعة في المدينة والأحياء السكنية والمناطق غير كافية، ما يدفع العديد من الأفراد إلى البحث عن حدائق خارج محافظاتهم لأغراض المتعة والترفيه”، مشدداً على “ضرورة تخصيص المزيد من الأراضي من قبل الجهات ذات العلاقة، بهدف إنشاء حدائق ومتنزهات”. ومن الآثار الإيجابية لوجود مثل هذه الحدائق والمتنزهات توفير مناطق مظللة تخفض درجات الحرارة في المناطق الحضرية، وتقلل من تلوث المياه، وتحسن نوعية الهواء، وتزيد من مستويات الأوكسجين اللازمة لتنفس الكائنات الحية، مقابل خفض مستوى ثاني أكسيد الكربون. من جهتها، حاولت “الدستور نيوز” مراراً وتكراراً الاتصال بوزير البيئة معاوية الردايدة للاستفسار عن مصير الحدائق والمتنزهات البيئية التي أدرجت ضمن خطط الوزارة منذ سنوات ولم تر النور حتى الآن، لكن دون جدوى.
بعد انتظار 8 سنوات.. ما مصير المنتزهات والحدائق البيئية؟
– الدستور نيوز