دستور نيوز

عمان – حجزت “الحواجة” الأردنية والسماق والزعتر البلدي والمنتجات التراثية مكانة أساسية في مطابخ العشرات من المغتربين الأردنيين حول العالم، وساهم الحرص على شراء هذه المنتجات كل صيف في زيادة شهرتها بين أصدقائهم وجيرانهم، لتصبح رمزاً للمطبخ الأردني بأصالته وقديمه. ببساطة وعفوية، تمكن المغتربون من فتح آفاق جديدة لتسويق المنتجات المنزلية الأردنية، فما بدأ كاستخدام شخصي لهذه المنتجات تحول تدريجياً إلى تلبية لطلبات الأصدقاء والمعارف، الذين أعجبوا بجودتها ونكهتها العالية، لتصبح بديلاً للمنتجات العالمية. ويحرص ماهر إبراهيم وعائلته، المقيمين في ولاية أوهايو الأميركية، على شراء المنتجات المحلية الأردنية خلال إجازاتهم الصيفية، لقيمتها الغذائية وطعمها المميز، فهذه المنتجات جزء من التراث. لذلك يصر على زيارة البازارات والمشاريع النسائية في المحافظات لشراء المنتجات المحلية، وكذلك التسوق في الأسواق القديمة لشراء السماق والزعتر والسمن البلدي والجميد وغيرها من المنتجات التي تتقنها المرأة الأردنية. ويعتبر ماهر دعم هؤلاء النساء واجباً عليه، مشيراً إلى أنهن “بركة البلد”، وما ينتجنه له طعم لا مثيل له. واللافت للنظر، بحسب ماهر، انتشار هذه البازارات في جميع محافظات المملكة، ما يعني أن المغتربين في أي مكان يستطيعون شراء هذه المنتجات ودعم المرأة، مشيراً إلى أن بعض المنتجات التي كان يشتريها من وادي السلط وجرش اشتهرت في ولاية أوهايو لأن معارفه أعجبوا بطعمها المميز والمحلي. ولا تعد شوارع عمان وحدها التي تفرح بعودة المغتربين في إجازة الصيف، إذ تشهد معظم محافظات المملكة، وخاصة في المناطق الشمالية والوسطى، إقبالاً كبيراً من المغتربين الذين يحرصون على قضاء عطلة نهاية الأسبوع في مختلف محافظات المملكة كل عام. مدينة السلط من المدن التي يحرص آل معاذ الخليلي على زيارتها، فهي تتمتع بمناخ معتدل وإطلالات مميزة وشوارع عريقة تحكي تاريخ وحضارة، ناهيك عن المنتجات المحلية التي تشتهر بها المدينة وتتميز بطعمها عن غيرها من المدن، ويبحث الخليلي وعائلته عن الملبن “الخبيصي” والزبيب البلدي والسمن البلدي “البلقاوي”، بالإضافة إلى جميد الكرك الذي يحرص على اصطحابه معه كل صيف عند عودته إلى المملكة العربية السعودية، ويقول الخليلي “أشتاق لطعام أمي وبيت جدي، وعندما أزور مدينة السلط تعود بي الذاكرة إلى تلك الأيام الجميلة”، مضيفاً أن المغترب عندما يعود لا يبحث عن الضجيج، بل يحاول البحث في أزقة المدينة عن ذكرياته وطفولته. ولا يقتصر شراء الخليلي لهذه المنتجات على احتياجات منزله، بل يتخذها هدايا للأصدقاء والمعارف، لدرجة أنه يسوق هذه المنتجات في مناطق مختلفة من سكنه، ويطلبها وينصح بها الكثيرون. أم أحمد الزعبي إحدى السيدات الأردنيات التي تمتلك بيتاً قديماً في منطقة الجلعاد، وإلى جانب تقديم الوجبات الشعبية، تبيع المنتجات المحلية. وتشير أم أحمد إلى أن المبيعات تزداد خلال فصل الصيف مع قدوم المغتربين، حيث تبيع كميات كبيرة من المنتجات المحلية، مثل زيت الزيتون والسماق والزعتر البلدي والمنسف، بالإضافة إلى الزبيب والتين المجفف وغيرها. وتقول: “عودة المغتربين فتحت لي سوقاً خارج البلاد، وبدأت بالبيع في الإمارات والسعودية وحتى في أميركا”. وتشير أم أحمد إلى أن هذه الفرصة ساهمت في زيادة تسويق منتجاتها وتحقيق نقلة نوعية في مستواها الاقتصادي. تمكنت من بيع منتجات بقيمة 2000 دينار أردني مرة واحدة، أرسلتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت المرة الأولى في حياتها. وفي عروس الشمال إربد، اعتاد مهند الرشيدي قضاء أوقات ممتعة ومميزة في الشمال ومناطقه التراثية وغاباته المميزة، حيث يقضي كل عام عدة أيام في مخيمات عجلون التي وصفها بأنها “تسعد القلب وتسعد العقل”. ولعبت بيوت الخير الأردنية التي انتشرت في الشمال، مثل عجلون وجرش، وإدراج هذه البازارات ضمن المسارات السياحية، دوراً كبيراً في الترويج للمنتجات المحلية، بل ووصلت إلى العديد من الدول التي يعيش فيها المغتربون الأردنيون، وهو ما أكدته نوال الغاوي التي تحرص على شحن هذه المنتجات بكميات كبيرة إلى كندا كلما زارت الأردن. لا تقل مادبا عن باقي المحافظات، فهي من المدن القريبة إلى قلوب المغتربين، لقربها من العاصمة عمّان، ما يجعلها وجهة سهلة للكثيرين. وفي كل عام، ترتبط إجازة محمد التميمي في عمّان بزيارة مدينة مادبا، حيث يقوم بجولة في جبل نيبو مع عائلته، ويتناول الطعام في المطاعم القديمة التي تحاكي أزقة المدينة القديمة. ويقول: “أصبحت فسيفساء مادبا وسهولها جزءاً من إجازتنا الصيفية”، مشيراً إلى أنه يزور أسواقها وأحيائها ومطاعمها كل صيف، وهي من المحافظات التي يقضي فيها وقتاً ممتعاً خلال إجازته. يذكر أن مساهمة المغتربين الأردنيين في الدخل السياحي المتحقق في عام 2023 هي الأعلى بين الجنسيات التي زارت الأردن، حيث شكلت ما نسبته 30% من الدخل السياحي المتحقق في عام 2023، بقيمة 1.597 مليار دينار، بزيادة قدرها 18.2% مقارنة بما أنفقه المغتربون الأردنيون في عام 2022، والذي بلغ 1.35 مليار دينار آنذاك. وبحسب عالم الاجتماع الاقتصادي حسام عايش، فإن موسم الصيف هو موسم ترفيهي ثقافي ورياضي، حيث تختلف طقوس الحياة اليومية عن المواسم والأشهر السابقة، خاصة مع العدد الكبير من السياح الوافدين وعودة العديد من المغتربين. وبحسب عايش، بلغ عدد السياح العرب في النصف الأول من العام مليون ونصف المليون، منهم 791 ألفاً من المغتربين الزائرين للأردن. وهذا العدد الكبير يثري الحياة الاقتصادية والاجتماعية ويؤثر على الإنفاق الذي يصاحب وجود هذه الأعداد من السياح والمغتربين على العديد من الأنشطة خاصة فيما يتعلق بالأنشطة الترفيهية والطعام والشراب في المحافظات، ويشير عايش إلى التفاوت الكبير في إقبال السياح على المحافظات والمطاعم والبيوت القديمة والبازارات، لكن هناك مدن ومحافظات تجذب أعداداً إضافية، وبالتالي ينشط ذلك السياحة من خلال زيارة الأماكن التاريخية والبيوت القديمة ومراكز التسوق كتعبير عن العودة للجذور أو كنوع من الدعم لأصحاب هذه الأنشطة التي تقدم نفسها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي يأتي المغتربون ومعهم معرفة بهذه الأماكن والبيوت التي يحولها البعض إلى أماكن للسياحة والترفيه، وبحسب عايش فإن الأنشطة الفندقية التي تقوم بها البيوت القديمة والعديد من البازارات التي تشارك فيها النساء والفتيات والشباب في عرض منتجات مختلفة يتم تصنيعها في المنزل وتقديمها للسياح للشراء، تعتبر نشاطاً موازياً للأنشطة التي يقوم بها سكان المنطقة مما يؤدي إلى زيادة الدخل أو تحسينه. ورغم ذلك يؤكد عايش أن الأمور هذا العام ليست على نفس المستوى الذي كانت عليه من قبل، فالعدوان الغاشم على قطاع غزة والجرائم الصهيونية المتكررة جعلت البعض يفقد شغفه ورغبته في قضاء أوقات ترفيهية، وبحسب عايش فإن عودة عشرات الآلاف من المغتربين إلى الأردن ما زالت تترك أثراً إيجابياً على الفعاليات والمحافظات والأنشطة المرافقة لها، وبحسب عايش فإن هذا يتطلب مأسسة الفعاليات والأنشطة في المحافظات وقيام الجهات المسؤولة من خلال مؤسسات الترويج السياحي بالإعلان عن هذه الأماكن كجزء من الترويج السياحي، فضلاً عن تطوير المناطق الشعبية لتكون أحد مصادر الدخل الدائمة لأصحابها.
تثير نكهة المنتجات النسائية التقليدية والمحلية مشاعر الحنين بين المغتربين…
– الدستور نيوز