.

رؤية التحديث الاقتصادي ومعدلات النمو…

صدى الملاعب13 يوليو 2024
رؤية التحديث الاقتصادي ومعدلات النمو…

دستور نيوز

عند مراجعة معدلات النمو الاقتصادي خلال السنوات السبع الماضية نجد أنها تراوحت بين 1.9% في عام 2018 وانخفضت في عام 2020 مع كورونا إلى -1.6%، ثم ارتفعت قليلا في عامي 2021 و2022. وفي عام 2023 وصل معدل النمو الاقتصادي إلى 2.6%، وفي الربع الأول من عام 2024 انخفض معدل النمو إلى 2%. علما أن النمو المستهدف وفق رؤية التحديث الاقتصادي هو 5.6%. أي أن معدلات النمو تراوحت حول نصف معدل النمو المستهدف. وهذا خطير جدا. أولا لأنه يعني انخفاض متوسط ​​دخل الفرد، حيث يتجاوز معدل نمو السكان لدينا 2.8. ثانيا لأنه يعني زيادة عدد العاطلين عن العمل، حتى لو بقي معدل البطالة كما هو كنسبة مئوية. وكما أشار الباحثون والخبراء في العديد من الدراسات فإن معدل النمو المنخفض لدينا لا يمكن أن يولد 50% من فرص العمل الجديدة المطلوبة سنويا. ثالثا: لأن الحكومة من أجل تعويض عجز الدخل توسع اقتراضها سنة بعد سنة حتى تجاوز الدين 114% من الناتج المحلي الإجمالي. السؤال الكبير لماذا؟ وإلى متى؟ مع العلم أن الأردن يتمتع بثروة بشرية متميزة سواء في جانبها العلمي والمعرفي أو جانب المهارات أو الادخار الفردي والمؤسسي. قد تكون هناك أسباب خارجية تؤثر على معدلات النمو، وتتجدد مثل هذه التأثيرات سنة بعد سنة، لكن التراجع أو الركود حول نفس الرقم لعدة سنوات يعني أن هناك خلل أو مجموعة من المشاكل لم يتم التعامل معها، ولم يتم وضع الحلول اللازمة لمواجهتها. وهنا يمكننا الإشارة إلى ما يلي: أولا: غياب برنامج اقتصادي حقيقي يرتكز على الركيزة الأولى للاقتصاد وهي الإنتاج. نعم الإنتاج، ثم إنتاج السلع والخدمات ذات القيمة المضافة العالية. إن تفكير وجهود إدارتنا لا تزال منصبة على الجانب المالي، مزينة بألوان الاقتصاد الباهتة، فيحدث الفشل في المال بسبب الفشل في الاقتصاد، فتلجأ الدولة إلى الاقتراض والمساعدات لتدور في حلقة مفرغة وزنزانة لا نهاية لها. ثانياً: إن العالم المعتاد الذي ساد في القرن الماضي من المساعدات الساحقة من هنا وهناك قد تغير تماماً، وظهرت متطلبات وظروف دولية جديدة تجعل انتظار المساعدات وتلقي الحلول الجاهزة لحل المشاكل الاقتصادية تخبطاً في الوهم والفراغ وإهداراً للوقت. ثالثاً: عدم اعتماد الدولة لمنهج الاقتصاد الاجتماعي الحر كما فعلت دول كثيرة كألمانيا والسويد وماليزيا وغيرها وكما فعلت الأردن في القرن الماضي حيث يساهم المواطنون في تمويل المشاريع من خلال شركات مساهمة عامة، أوصل الاقتصاد إلى طريق مسدود، فمنذ عام 2005 وحتى اليوم لم تنشأ في بلادنا شركة مساهمة عامة واحدة، بينما هناك مئات المشاريع الإنتاجية المتوقفة بانتظار الاستثمار الأجنبي أو الاستثمار الذي يغطي كامل رأس المال المطلوب، وهو مفهوم لا يؤدي إلى أية نتائج، بسبب عدم سلامته ووجود دول كثيرة تنافسنا على الاستثمار، فلماذا لا تنشئ الدولة ومؤسساتها الاستثمارية شركات مساهمة ليستثمر المواطنون في مشاريع مجدية يعتمد تنفيذها حالياً على التمويل الأجنبي؟ ولعل مشروع الناقل الوطني خير مثال على ذلك. خامساً: علينا أن نعترف بارتفاع تكاليف الإنتاج والاستثمار في بلدنا مقارنة بالدول المجاورة كالسعودية ومصر وتركيا والإمارات وغيرها، وهذا أحد أسباب بطء النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى صعوبة البدء بالمشاريع بسبب البيروقراطية وعدم تأهيل الموظفين، حيث يحتل الأردن موقعاً متخلفاً في هذا المجال. والسؤال هو: إلى جانب الأسباب العامة مثل تكلفة الطاقة وتكلفة الاقتراض وتكلفة النقل الباهظة، لماذا لا تدرس كل وزارة الأسباب التفصيلية والدقيقة وراء هذه المعوقات في القطاع المتعلق بها تحديداً؟ ومن ثم البحث عن الحلول والبدائل والاستفادة من تجارب الدول الأخرى؟ سادسا: بعد مرور ما يقرب من 14 عاماً على موجة اللجوء السوري (مع كل الاحترام)، تشير الأرقام الدولية إلى أن غالبية هؤلاء اللاجئين لن يعودوا إلى بلادهم، مع كل ما يترتب على ذلك من أعباء اقتصادية وبيئية ومائية، وهذا يتطلب دراسة الموضوع والتفكير في كيفية التخفيف من الأضرار وتعظيم الفوائد، خاصة وأن المجتمع الدولي سيقلص دعمه للاجئين السوريين عاماً بعد عام. سابعاً: الأردن اليوم لديه عدد جيد من الصناعات الناجحة، مثل الأسمدة والأدوية والكيماويات والأغذية والتبريد وغيرها، والتي يمكن أن تكون قاطرة لصناعات أخرى ذات صلة. وهذا يتطلب برنامجاً عملياً ومتساوياً بين المؤسسات الحكومية والصناعات ذات الصلة. ويجب أن يكون القطاع العام والبنوك جزءاً من منظومة الاستثمار، وليس متفرجاً. ثامنا: قطاع النقل هو ركيزة أساسية في تكلفة الإنتاج ومرونة الحركة الصناعية والخدمية. وبصرف النظر عن انتظار الخطط الإقليمية المشبوهة التي تعمل عليها إسرائيل والولايات المتحدة، ما لم تنظم الحكومة قطاع النقل بحيث يعتمد على سكة حديد وطنية تربط العقبة بشمال الأردن، وعلى نظام أنابيب نفط وطني، بدلاً من النقل الفردي بالسيارات، فلن يتم تنظيم أمر الاستثمار، ولن تنخفض تكلفته بشكل كافٍ. وأخيرا، في ظل التغيرات المناخية من حرارة وجفاف تؤثر سلبا على الاقتصاد والمجتمع والأمن المائي والغذائي، فإن معدل النمو الاقتصادي، حتى الوصول إلى الهدف المحدد بـ 5.6%، يتطلب برنامجا وطنيا حقيقيا للإنتاج والنقل والطاقة والمياه، وهو شراكة في الاستثمار بين المواطنين والمستثمرين والحكومة والشركات الكبرى. ولا طريق للمستقبل غير هذا.

رؤية التحديث الاقتصادي ومعدلات النمو…

– الدستور نيوز

.