دستور نيوز

أمي ـ رحمها الله ـ لم تكن تجيد القراءة ولا الكتابة، ولكنها كانت شديدة الذكاء وشديدة الملاحظة. “تلتقطها وهي تطير” ـ كما نقول في العامية! رحم الله أمي، كيف أرهقتها وأنا شاب في العشرينيات من عمري. كانت تقول لي حين كبرت وحين كنا نجتمع مع الإخوة والأخوات: “لا أحد في العائلة أرهقني مثلك”. أعترف أنها كانت صادقة. ولكن ما سر هذا التعب والخوف الذي سببته لوالدتي؟ دعوني أذكر بعضاً من الماضي. في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، بدأت الكتابة في صحيفة “الجهاد” المقدسية تحت عنوان “انتقادات”، وكتبت عشرات المقالات الأسبوعية، وكانت مقالاتي تشير إلى أنني ـ رغم صغر سني آنذاك ـ “يساري” في ميولي! كانت والدتي قلقة عليّ كثيراً، فقد كنت أعمل مدرساً في إحدى قرى مدينة بيت لحم، وكانت فترة الخمسينيات مليئة بالعداء لكل ما هو «يساري»! وأعترف الآن وقد بلغت السبعين من عمري أن «الأنصار» في ذلك الوقت «أعطوها حبتين» ـ كما يقولون! كانوا متمسكين بـ «العاطفة» أكثر من «العقل»! فهذا الحزب أو ذاك هو الحزب الوحيد الذي يملك الحقيقة دون غيره من الأحزاب! «الأنا» هي الروح السائدة بين الأنصار. وأعود إلى «والدتي»، فقد كانت رغم أميتها تسمع من بعض أقاربها أن ابنها يتدخل في «السياسة»، وأن كتاباته ستجلب له عواقب وخيمة، فكانت ـ رحمها الله ـ تنصحني دائماً! كانت تقول: ابتعد عن «السياسة» غداً ستُوضع في «بيت عمتك»، أي في «السجن»! طبعاً كنت أضحك عندما أسمعها تقول هذا! بل إنها كانت تحذرني من مخالطة من تسمع أنهم “حزبيون”، وحين تغضب مني لهذا السبب أو ذاك، ترفع صوتها وتصرخ في وجهي: أنت شيوعي!! والحقيقة أنني في مرحلة ما من الزمن انحرفت نحو “الشيوعية”، حيث كنت أقرأ أدبياتها ومنشوراتها المحلية، فأجد فيها أحاديث ومفردات تجذبني إليها. ولكنني فيما بعد تركت هذا “الجذب” رغم اعتقادي بأن “السلام العالمي” و”العدالة الاجتماعية” طموحات إنسانية يتمنى تحقيقها كل محبي “الحرية”! وفي الستينيات، وقبل حرب 1967 والاحتلال الإسرائيلي المشؤوم للضفة الغربية وغزة، سافرت إلى دولة عربية شقيقة للدراسة في إحدى جامعاتها. وعندما عدت في إجازة، فوجئت بأن مكتبتي خاوية من معظم الكتب، وأن أعداد جريدة “الجهاد” التي نشرت فيها مقالاتي قد اختفت! في البداية ظننت أن والدتي، خوفاً عليّ، أخفت هذه الكتب والصحف خوفاً من أن يراها أحد، فيحدث لي مكروه بحسب قولها! ولكن حين سألتها أين الكتب والصحف، أجابت بحزم: دفنتها هناك! ألا تخافين على نفسك؟ وأضافت قائلة: هل نسيت أنك «مشتبه به» لدى المباحث! طبعاً حزنت كثيراً، فقد اشتريت الكتب من المكتبات، بما فيها القصص والكتب السياسية والاجتماعية، فلماذا دفنتها؟ وحين ذهبت للبحث عنها وجدت أن أمطار الشتاء قد أخفت ملامحها! لقد عاشت والدتي في تلك الحقبة ــ كما ذكرت ــ مرعوبة، كانت تخشى أن «يُعتقلني»! وكانت حريصة على سلامة ابنها. فدفن الكتب ــ كما اعتقدت ــ يضمن براءة ابنها من أي تهمة محتملة! وفي رأيي أن الخمسينيات والستينيات، على سلبياتها، كانتا غنيتين بالشباب. فهم حقاً يقرأون أكثر من شباب اليوم. بالنسبة للكثيرين منهم كانت الكتب هي المتعة العقلية التي كانوا يبحثون عنها. اليوم تغير الوضع للأسف الشديد. لقد أدار شبابنا ظهورهم لهذه المتعة العقلية. إنهم الآن يبحثون عن متع رخيصة أخرى. بالطبع أنا لا أعمم هنا، فأغلبية شبابنا لا يقرأون، لقد أصبحت القراءة في نظرهم “رفاهية” غير ضرورية! لقد أصبحوا يحبون الملذات الدنيئة، ولم تعد أحاديثهم تدور حول الأمور الفكرية. إنهم يهتمون بأمور مبتذلة أخرى مثل الحديث عن مغامراتهم مع الجنس الآخر! حتى اختلافاتهم لم تعد تنبع من أعماق الفكر، بل أصبحت اختلافات تفوح منها رائحة “التعصب” للقبيلة أو العشيرة. كم أشفق على حال شبابنا هذه الأيام، حتى طلاب المدارس والجامعات لم يعد لهم قيمة في نظرهم “للكتب”! همهم النجاح والتخرج. إنهم لا يقرؤون بشكل نقدي وواع، بل يحفظون للحصول على درجة النجاح! كان شباب الخمسينيات والستينيات أكثر تعلقاً بالكتب من شباب اليوم. حتى المكتبات اليوم بشكل عام لم تعد تحتفي بالكتب التي تشحذ الفكر، بل أصبحت تعرض المزيد من الكتب الرخيصة للتسلية وترويض الغرائز! كم نحن بحاجة إلى نهج مختلف في التربية والتربية، بدءاً من الأسرة، التي هي بحق المربي والمعلم الأول للأطفال. ولا ننسى أن أول سورة قرآنية نزلت على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي سورة “اقرأ”.
لماذا دفنت أمي كتبي؟
– الدستور نيوز