.

اراء و اقلام الدستور – الخصخصة في لبنان: من ينقذ الدولة.. ومن يحمي أصولها؟

سامر الشخشيرمنذ دقيقتان
اراء و اقلام الدستور – الخصخصة في لبنان: من ينقذ الدولة.. ومن يحمي أصولها؟


دستور نيوز

بقلم ديفيد عيسى
لم تعد الخصخصة في لبنان مجرد خيار اقتصادي مطروح في سياق الإصلاح. بل أصبح موضوعاً رئيسياً في النقاش حول مستقبل الدولة ودورها في إدارة المرافق العامة.
ومن بين من يرون فيها فرصة لإنقاذ المؤسسات العامة وتحسين كفاءتها، ومن يخشون أن تتحول إلى بيع للأصول الوطنية تحت وطأة الأزمة المالية، يطرح السؤال الأكثر إلحاحا: هل تشكل الخصخصة مدخلا لإصلاح الدولة، أم أنها قد تصبح غطاء للتخلي عن مسؤولياتها؟
وفي ظل الانهيار الاقتصادي والمالي غير المسبوق، وتراجع قدرة الدولة على إدارة مرافقها العامة، تبدو الحاجة ملحة لمقاربة هذه القضية بعيداً عن الشعارات والمواقف المسبقة، والنظر إليها كأحد الخيارات الإصلاحية التي تتطلب دراسة متأنية تحدد شروط نجاحها والضمانات اللازمة لحماية المصلحة العامة وصون حقوق المواطنين.
وتتباين الآراء حول هذا الخيار بين مؤيد ومعارض.
ويرى المؤيدون أنها فرصة لتعزيز كفاءة المؤسسات العامة والاستفادة من الخبرات الإدارية والفنية وتحسين جودة الخدمات، فيما يحذر المعارضون من أنها ستتحول إلى بوابة لبيع أصول الدولة أو وضع أعباء اقتصادية إضافية على المواطنين.
ومن الناحية الاقتصادية، لا تعني الخصخصة بالضرورة بيع أصول الدولة أو التخلي عنها، بل قد تشمل مشاركة القطاع الخاص في إدارة بعض المرافق العامة أو تشغيلها بموجب عقود واضحة، مع احتفاظ الدولة بملكيتها الكاملة ودورها الرقابي والتنظيمي.
إلا أن نجاح هذا النهج لا يرتبط بالنموذج الاقتصادي وحده، بل بالبيئة التي يطبق فيها.
فهو يحتاج إلى دولة قوية، وقضاء مستقل ونزيه، واستقرار أمني وسياسي، ومؤسسات فاعلة، وتشريعات واضحة، وهيئات رقابية مستقلة تضمن التوازن بين مصالح المستثمرين وحقوق المواطنين.
تعتبر الخصخصة في لبنان استثنائية، نظرا للإدارة العامة التي عانت منذ عقود من البيروقراطية والفساد والمحاصصة السياسية وسوء التخطيط، مما أدى إلى تراجع أداء العديد من المرافق العامة على الرغم من الأموال الضخمة التي أنفقت عليها.
ويعد قطاع الكهرباء أبرز مثال على فشل الإدارة العامة، حيث استنزفت مليارات الدولارات من خزينة الدولة دون تقديم خدمة مستقرة، مما اضطر المواطنين إلى تحمل التكلفة المضاعفة لفاتورة الكهرباء الرسمية وفاتورة المولدات الخاصة.
وتؤكد التطورات الأخيرة عمق الأزمة في هذا القطاع، بعد أن حذرت تقارير إعلامية من تراجع إنتاج الكهرباء مع اقتراب مخزون الوقود من النفاد، وسط مخاوف من اتساع نطاق ساعات التقنين ودخولها في مرحلة أكثر صعوبة إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة.
ويعكس هذا الواقع استمرار هشاشة قطاع الكهرباء وعدم قدرته على تقديم خدمة مستقرة.
ولا يقتصر الأمر على الكهرباء، بل يمتد إلى قطاعات المياه والنفايات والموانئ والنقل، فضلاً عن الاتصالات، وهي من أبرز القطاعات المطروحة في أي نقاش حول الخصخصة، نظراً لأهميتها الاقتصادية والاستثمارية.
ويمثل قطاع المياه أيضاً مثالاً آخر على تعثر الإدارة العامة، إذ لم تحقق عدد من مشاريع السدود ومرافق المياه التي أقيمت خلال السنوات الماضية النتائج المرجوة، وسط انتقادات لأسلوب التخطيط والتنفيذ وغياب الشفافية والرقابة، ما أبقى أزمة المياه قائمة وأجبر المواطنين على تحمل تكلفة مضاعفة تتمثل في الفاتورة الرسمية وتكلفة الخزانات الخاصة.
ومن هنا، لا يمكن فصل أي مشروع للخصخصة عن إصلاح الإدارة العامة وتحديثها، لا سيما من خلال التحول الرقمي الذي يعزز الشفافية، ويقلل الفساد، ويقلل التكاليف، ويحسن جودة الخدمات. يمكن أن تشكل الخصخصة والتحول الرقمي مسارين متكاملين ضمن رؤية إصلاحية شاملة.
ولا شك أن إشراك القطاع الخاص قد يكون خياراً منطقياً في عدد من القطاعات، نظراً لخبرته ومرونته وقدرته على زيادة كفاءته.
لكن الاعتقاد بأن نقل إدارة المرافق العامة إلى شركات خاصة سيحل المشاكل تلقائيا يظل تبسيطا مبالغا فيه لطبيعة الأزمة، لأن الخصخصة ليست علاجا في حد ذاتها، بل أداة تعتمد نتائجها على قدرة الدولة على تنظيم المنافسة ومراقبتها وحمايتها.
فالمستثمر سواء كان محليا أو أجنبيا لا يبحث إلا عن بيئة آمنة ومستقرة سياسيا واقتصاديا، وقضاء مستقل يحمي العقود، وتشريعات واضحة تضمن الحقوق وتحد من المخاطر.
كما يقال عادة في عالم الاقتصاد، رأس المال جبان ويسعى إلى الاستقرار أولا قبل العودة.
ومن ناحية أخرى، فإن غياب الهيئات الرقابية المستقلة، وضعف الأجهزة الرقابية، وغياب التشريعات التي تمنع الاحتكار وتضمن المنافسة العادلة، قد يحول هذا الخيار من أداة للإصلاح إلى وسيلة لترسيخ الاحتكار والإضرار بالمستهلك.
ومن أكثر المفاهيم شيوعاً، وإن كانت خاطئة، الاعتقاد بأن الخصخصة تعني تقليص دور الدولة.
وفي الواقع، فإن اتساع دور القطاع الخاص في إدارة المرافق العامة يفرض مسؤوليات أكبر على الدولة في التنظيم والرقابة، وحماية المستهلك، وضمان جودة الخدمات.
ولذلك فإن نجاح أي تجربة في هذا المجال لا يقاس بعدد المؤسسات التي يديرها القطاع الخاص، بل بقدرة الدولة على أداء دورها كمنظم محايد وحامي للمصلحة العامة.
الإصلاح الحقيقي في لبنان لا يبدأ ببيع المؤسسات العامة، ولا يتحقق برفض الخصخصة من حيث المبدأ. بل يبدأ بإعادة بناء الدولة على أسس الحكم الرشيد، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الأجهزة الرقابية، ومكافحة الفساد، وترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي.
في الختام، الخصخصة ليست قضية تتلخص في الدعم أو الرفض، بل في كيفية تنفيذها والإطار الذي يحكمها. وقد يكون أداة فعالة للإصلاح وتحسين الخدمات وجذب الاستثمارات، إذا ارتكز على مؤسسات مستقلة، وقضاء نزيه، ورقابة صارمة، وشفافية كاملة.
ديفيد عيسى

#الخصخصة #في #لبنان #من #ينقذ #الدولة. #ومن #يحمي #أصولها

الخصخصة في لبنان: من ينقذ الدولة.. ومن يحمي أصولها؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – الخصخصة في لبنان: من ينقذ الدولة.. ومن يحمي أصولها؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.