.

التأثر بالمظاهر.. كيف يسرق هوية المراهق ويقوده نحو الفراغ؟…

صدى الملاعب12 يونيو 2024
التأثر بالمظاهر.. كيف يسرق هوية المراهق ويقوده نحو الفراغ؟…

دستور نيوز

عمان – شعرت والدة ماجد بالارتباك والانزعاج. وبينما كانت تصر على اصطحاب ابنها إلى المدرسة بسيارتها، كان ماجد يظهر بوضوح عدم الرضا، لأن مركبة العائلة لا تشبه مركبات عائلات زملائه في المدرسة، وكانت من الطراز الحديث والفاخر. إضافة إعلان كان ماجد يكتفي بإيصاله. ذهبت والدته إلى زاوية الشارع القريب من المدرسة. في البداية اعتقدت أنه لا يريد أن يزعجها بالدخول في ازدحام مروري أمام المدرسة. لكنني سرعان ما أدركت أن خجله جاء من سيارة والدته، التي لم تكن سيارة فاخرة كما يريد، وكانت السبب وراء رغبته في النزول في مكان بعيد عن المدخل الرئيسي. ولم يعد ماجد يهتم بالأشياء التي تفيده وتبني مستقبله، وأصبحت أغلب أحاديثه، كما تقول والدته، تركز على المشاهير وما يملكونه، وآخر صيحات الموضة والملابس، والمطاعم التي تقدم وجبات خاصة، والمقتنيات التي يمتلكها. يريد أن يمتلكها لأن صديقه يمتلكها. كل ذلك زاد من مخاوفها من أن يكون ابنها يبحث عن الفراغ ولا يهتم إلا بالأمور الاستهلاكية والمادية. وتكرر نفس المشهد مع هند؛ وتصر ابنتها على أن يوصلها إلى المدرسة بالمركبة ذات الدفع الرباعي التي يقودها والدها في أغلب الأحيان، رغبة منها في إبهار أصدقائها والشعور بمزيد من الثقة وأنها تملك أكثر منهم، كما تقول. ويسلط هذا الوضع الضوء على ظاهرة السلوك المزعج المنتشر بين المراهقين وطلبة المدارس، حيث يغلب الاهتمام بالمظاهر على كل شيء آخر، سواء في اختيار الملابس أو أماكن التسوق التي يقصدونها، حتى المبالغة في الرسوم المدرسية. وكل هذا يتزايد يوما بعد يوم، خاصة مع ما يرونه على منصات التواصل الاجتماعي وتأثير المشاهير وأسلوب حياتهم وما يملكونه. ويرى المختصون أن هذه السلوكيات الاستعراضية غالبا ما تجذب انتباه المراهقين، متجاهلين الأمور الأخرى المتعلقة بتنمية الشخصية، وبناء علاقات إيجابية مع الآخرين، والاعتزاز بالإنجاز مهما كان صغيرا، وبأشياء لا تحكمها المظاهر. كثير من الآباء يتقاسمون نفس المعاناة مع أبنائهم، وأغلبها تقودها المظاهر والشكليات، وعبارة “لماذا صديقي موجود وأنا لا؟” لماذا أهله قادرون وأهلي مهملون في حقوقي؟ لماذا ذنبي أن وضعنا المالي أقل من غيرنا؟ كل هذا يثقل كاهله. وهذا يثقل كاهل الأسرة ويدخلها في دوامة لا نهاية لها من النفقات ومحاولة تلبية المطالب. عبارة “ماذا أريد أن أقول لأصدقائي؟ اشتريت بنطلون ليس ماركة؟” استفزت والدة هديل. أصبح الاهتمام بماركات الملابس أكثر أهمية من اختيار النمط المناسب أو مراعاة القدرات المالية للأسرة. وتشعر والدة هديل بالقلق من هذه المعروضات والظهور، حتى عندما يشارك المراهقون صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي، مع التركيز على ماركات الملابس التي يرتدونها، وأماكن التسوق التي يذهبون إليها، والمقاهي التي يقضون أوقاتهم فيها، وحتى وجبات الطعام في بعض الأماكن. المطاعم التي تعتبر “اتجاهًا”. إنهم يريدون أن يروا كن أول من يحاول ذلك. أوضحت الاختصاصية التربوية الدكتورة سعاد غيث أن انتشار ظاهرة اهتمام المراهقين بالمظاهر يمثل إحدى المشكلات التي تصاحب مرحلة النمو، حيث يسعون إلى تحديد هويتهم والبحث عن أنفسهم وجذب الانتباه. ومع دخولهم مرحلة المراهقة، يبدأ البحث عن قدوة، وإذا كانت هذه القدوة ضعيفة أو غير فعالة في الأسرة، فإنهم يميلون إلى البحث عن قدوة أخرى من محيطهم أو المشاهير أو المعارف أو الشخصيات التي يثيرون حولها ضجة. “اهتمام المراهقين بالمظاهر يثير انشغال الوالدين في عملية التربية، فيبدأون بالتفكير فيما إذا كان السبب هو عدم التوجيه وترسيخ القيم المناسبة التي تساعدهم وتحتاج إليهم في فهم طبيعة الحياة”، بحسب غيث. وتشير إلى أن التقليد السلبي جزء من سلوك المراهقين، وهو ما يعكس غياب وتشتت القدوات الإيجابية. وعليه، ينبه غيث إلى أن مطالبة المراهقين بأكثر من مقدرات الأسرة مؤشر خطير، يتطلب إعادة تقييم العلاقة بين الوالدين وأبنائهم، مع أهمية مشاركة الأوضاع المالية معهم بشكل علني وواضح لتعزيز مسؤوليتهم المالية. وأنه لا يمكن الحصول على كل شيء، وليس علينا أن نقارن أنفسنا. من دوننا. ويوافق على ذلك عالم النفس التربوي الدكتور موسى مطرنة، مؤكدا أهمية الاهتمام بالمظهر والشكليات، وهو ما أصبح بارزا في الآونة الأخيرة، مشيرا إلى أن الأسر هي من تؤسس اهتمام المراهقين بالمظاهر من عدمه، ويبقى الأهم هو ترسيخ مفاهيم الإنجاز في نفوسهم، بعيداً عن التأثر بالتفاصيل السطحية. ويأسف الأساقفة على انتشار المظاهر في المجتمع، والتي تلقي بظلالها على الطفل في مختلف جوانب حياته، سواء في الشارع أو المدرسة أو العلاقات الأسرية، أو مع الناس بشكل عام، فضلاً عن اهتماماته مثل اختيار الملابس، العلامات التجارية والسيارات والمطاعم والمقاهي. ويوضح مطرنا أن المراهقين بطبيعتهم يميلون إلى أحلام اليقظة ويسعون للعيش في عالم مثالي مليء بالمظاهر. وينعكس ذلك على سلوكياته الاستهلاكية في الحياة، حتى في نوعية الطعام الذي يتناوله، والملابس التي يرتديها، والمتعلقات الشخصية التي يقتنيها، والمقارنة الدائمة مع ما يملكه أصدقاؤه ومستوى معيشة أسرهم، مقارنة على مستوى عائلته. لذلك، لا بد من زيادة الوعي، بحسب الأساقفة، خاصة في المؤسسات التعليمية والمدارس، وممارسة استراتيجيات لتوجيه الطلاب وتربية الأطفال على الحقيقة الواقعية، وتنمية قدراتهم ومهاراتهم بأفضل طريقة، والتطلع نحو الإنجاز. . كما يجب أن يدرك الطفل أن قيمته الحقيقية تكمن في معرفته ومهاراته، وفي إدراك ذاته وشخصيته، لافتاً إلى أن بعض الأطفال قد يشعرون بالنقص عندما لا يرتدون ملابس من ماركات معينة، أو عندما لا يمتلكها آباؤهم. سيارة من طراز معين، أو لا يسافرون في إجازات مثل أصدقائهم. ولكن هنا يأتي دور الوالدين، ليدرك الأبناء أن القيمة لا تقاس بالمظاهر، وأن التركيز يجب أن يكون على تنمية المهارات والقدرات. وأخيراً، يحذر الأساقفة من مخاطر الانسياق بالمظاهر، مما يؤدي إلى شعور المراهق بعدم الرضا وإصابته باضطرابات نفسية كبيرة، مما يؤثر على طريقة تفكيره وتعامله مع الآخرين، وتفاصيل حياته بشكل عام.

التأثر بالمظاهر.. كيف يسرق هوية المراهق ويقوده نحو الفراغ؟…

– الدستور نيوز

.