دستور نيوز

بعد أكثر من ثمانية أشهر من الحرب الوحشية في غزة وحربها غير المعلنة في الضفة الغربية، تلجأ إسرائيل إلى سلاحها التقليدي الذي استخدمته منذ قيامها عام 1948 والذي استخدمته الصهيونية وجددته على مدى عقود، وهو “ بث الفرقة بين الصفوف وتصدير الأزمة إلى الخارج”. ويبدو أن هذا هو النجاح الذي يمكن أن يغطى الفشل العسكري أمام المقاومة الفلسطينية بكافة فصائلها ومكوناتها. نعم، لقد قتلت إسرائيل أكثر من 37 ألف شهيد في غزة، وأكثر من 1000 شهيد و8500 معتقل في الضفة الغربية. لقد دمرت المنازل والمدارس والمستشفيات وكل مرافق الحياة في غزة، وهي تفعل ذلك عن قصد في الضفة الغربية. وفي خضم هذه الملحمة الإنسانية الرائعة التي يخوضها الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية، وتحرك العالم أجمع، وخاصة الشباب وطلبة الجامعات، للمطالبة بإنهاء الحرب والحرية لفلسطين، صدر قرارات المحكمة الدولية بوقف الحرب، وتوالى اعتراف الدول بدولة فلسطين. وفي خضم كل ذلك، تبرز أصوات رسمية فلسطينية وعربية تلوم المقاومة وحماس. وتحديداً، تلجأ إلى التشكيك الكاذب، وتزعم أنه لولا هجوم 7 أكتوبر على إسرائيل، لما حدثت هذه الحرب، بما فيها من قتل ودمار وخسائر في الأرواح. انجرف البعض في الدعاية الإسرائيلية لتفسير ما كان يحدث على أنه حرب بالوكالة بين إيران وإسرائيل، التي كان الفلسطينيون أدواتها ووقودها. وهكذا، فبدلاً من الوقوف بثبات خلف الشعب الفلسطيني، كما يفعل الأردن، ودعم المقاومة بثقة، مهما كان مصدرها وموسمها، يتجه البعض إلى استغلال الأزمة التي أصدرتها إسرائيل. ويطرح هذا التوجه جملة من التساؤلات، ليس دفاعاً عن حزب ضد آخر، أو فصيل ضد آخر، بل لفهم العملية التاريخية التي نواجهها ومستقبلها. أولاً: منذ قيام الكيان الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية ارتكبت إسرائيل أكثر من (965) مجزرة في المدن والقرى والتجمعات، راح ضحيتها أكثر من (13000) شهيد، آخرها المجازر اليومية المستمرة في فلسطين. غزة. ثانياً: كم مقبرة جماعية نفذتها إسرائيل سراً وعلناً؟ كم مقبرة جماعية نفذها الفلسطينيون بحق اليهود؟ ثالثا: كم قرية دمرتها إسرائيل ومسحتها من على الخريطة؟ وكم قرية يهودية دمرها الفلسطينيون أو العرب مجتمعين؟ رابعا: ما هي عدد المجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق اللاجئين الفلسطينيين في مخيماتهم في فلسطين ولبنان وسوريا وغيرها؟ ما الذي يقارنه بالفلسطينيين؟ خامساً: كم عدد الشخصيات السياسية الفلسطينية والعربية والعالمية التي اغتالت على يد العصابات الصهيونية منذ عام 1948 وما زالت تُغتال، وكم عدد الاغتيالات التي ارتكبها الفلسطينيون ضد شخصيات يهودية أو عالمية؟ سادسا: منذ اتفاقية أوسلو للسلام قبل 30 عاما، والتزام الفلسطينيين والعرب بالسلام والاعتماد على الوسائل السياسية ومنظمات المجتمع الدولي، أقامت إسرائيل في قلب الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967، بدعم أميركي. وتمويل، أكثر من 244 مستوطنة وبؤرة استيطانية ونقل إليها 600 ألف مستوطن. وفي القدس الشرقية وجد أنها تؤوي 200 ألف مستوطن متعصب، بعضهم اغتصب وما زال يغتصب بيوت المقدسيين، واقتحم الأقصى. وما هو نظير ذلك عند الفلسطينيين؟ سابعا: كم عدد القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة والتي تطالب إسرائيل بإنهاء الاحتلال والالتزام بقرارات مجلس الأمن، وكم عدد القرارات التي صدرت ضد الفلسطينيين؟ ثامناً: كم سنة حاصرت إسرائيل غزة وحولتها إلى أكبر سجن في العالم؟ وكم حرب شنت ضدها؟ كم من الأطفال والنساء قتلتهم إسرائيل منذ عام 1967 وحتى اليوم؟ ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، قُتل أكثر من 15 ألف طفل وأكثر من 8000 امرأة في غزة. وفي المقابل كم من الأطفال والنساء استشهدوا على يد المقاومة الفلسطينية. تاسعا: هل هناك قرية أو بلدة واحدة في الضفة الغربية لم تعتدي إسرائيل أو تنتهك أجزاء منها منذ عام 1967 وحتى اليوم؟ وفي الوقت نفسه، تصادر السلطات الإسرائيلية أموال الضرائب التي يدفعها الفلسطينيون، وتصادر الأراضي وتهدم المنازل، ويقوم مستوطنوها باقتلاع الأشجار وتدمير الآثار في الضفة الغربية دون توقف ودون حماسة. عاشراً: هل مر يوم منذ عام 1948 لم تتحرك فيه جرافات الاحتلال الإسرائيلي لهدم منزل فلسطيني أو انتهاك حرمة مسجد أو كنيسة أو حي أو مدرسة؟ إضافة إعلان بعد أن احتل الكيان الصهيوني فلسطين واغتصب أكثر من 80% من أراضيها التاريخية، واستعد الفلسطينيون لقبول 20% من أراضيهم، فهل كانت إسرائيل راضية عن هؤلاء المغتصبين؟ هل إسرائيل مقتنعة بالسلام؟ لا و لا. أليس كل هذا دليلا قاطعا على أن إسرائيل في طريقها إلى التهام فلسطين كلها وتهجير سكانها؟ فماذا يفعل الفلسطينيون في النهاية؟ ولم تترك إسرائيل للفلسطيني خياراً إلا واحداً من ثلاثة، كما قال وزراؤهم وقادتهم: الاستسلام، أو التهجير، أو القتل. بينما أصبح واضحاً للعالم بكل قوة أن أمام الفلسطيني خياراً رابعاً وهو المقاومة. وهذا يعني أنه لا خيار أمام الفلسطيني سوى المقاومة، وإلا فإن الإسرائيلي سيأكله قطعة قطعة، يوماً بعد يوم. وبحسب التجارب التاريخية في العالم، فإن المستعمر لا يوقف أطماعه إلا بالقوة والتضحيات الباهظة، التي يحدد فيها حجم الضحايا مدى شراسة العدو ووحشيته. فهل يريد المتشككون المزيد من السنوات والعمل حتى يقتنعوا بأهداف إسرائيل؟ إن المقاومة بأشكالها المختلفة تفرضها سياسات إسرائيل الاستعمارية العنصرية وتصرفاتها النازية المستمرة، وتقتضيها تصريحات قادتها قبل أكثر من 100 عام. وهذا يدفع المقاومة إلى اللجوء إلى أي وسيلة تساعدها على الهروب من فريسة الوحش الإسرائيلي، حتى لو استعانت بالشيطان، كما قال تشرشل. ومن حق المقاومة أن تستعين بالأصدقاء والحلفاء من أجل البقاء والمحافظة على شعبها ومقدساتها وتاريخها وتراثها وكرامة شعبها، كما يستغيث عدوها بأهله. حلفاء. لقد كان أنطونيو غوتيريس على حق وواعي وصادق عندما قال: “إن أحداث 7 أكتوبر ليست سوى النتيجة التراكمية لاحتلال استمر 75 عاما”. لقد حان الوقت أن يتوقف اللوم والمجادلات والصدامات والاتهامات والتفسيرات، وأن يتحول السياسيون الفلسطينيون والعرب والدوليون إلى دعم صمود الفلسطينيين ودعم المقاومة والدفاع عن حقوقهم المشروعة بكل الوسائل، وليس تلقي بضائع إسرائيلية سامة. المستقبل صعب في مواجهة أطماع الاستعمار التي لا تشبع، والأوطان أغلى من أي ثمن.
التمييز وتصدير الأزمة.. سلاح إسرائيل المتجدد..
– الدستور نيوز