دستور نيوز

بارك الله فيك يا طفل غزة! إن ما عانيته وتحملته لا يستطيع أن يتحمله أقسى الرجال، وما مررت به قد يجعل الجبال تئن وتشكو. لقد جعلتك الحرب تختصر كل مراحل الطفولة، لتصل إلى نقطة لا يستطيع الإنسان أن يصل إليها إلا بعد أن تعرض لخيبات لا حصر لها، وبعد أن تصارعت معه الحياة، وتصارعت معها. ولكنك مازلت صامداً، مثل عائلتك، ومثل الشعب العربي الفلسطيني، الذي راهن العالم كله على الاستسلام، ولكن تبين أنه لا يقهر، ولن يكون كذلك أبداً إن شاء الله. أضف إعلان سيأتي وقت ولكن بعد ذلك لم يعد هناك أمان وسيصاب العالم كله بعقدتك أيها الطفل الغزاوي عندما يعلم أنها تركتك فريسة لكيان إرهابي لا يعرف إلا لغة القمع والقوة والقتل والتهجير. كيان تتحصن به قوى عالمية تدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي بعيدة كل البعد عن ذلك. العالم كله سيعاني من عقدتك، وسيبكي عليك في المستقبل، وستقيم حفلات النحيب والبكاء ومهرجانات الذكرى، كل ذلك في الوقت الخطأ. عندها لن يصدق عاقل دموعهم، فقد أصبحنا ندرك جيدا أننا نعيش في عالم ملون بالنفاق والكذب والخسة والخسة بكل معانيها. بارك الله فيك يا طفل غزة. ورغم كل ما عانيتموه، إلا أن ما يحدث الآن يظهر بصيص من الأمل وطاقة الحياة. ولا يعلمون أنهم بإرهابهم يخدمون القضية الفلسطينية، ويحيونها، ويجعلون كل من لديه أدنى ذرة فكر أو إنسانية أو أخلاق يعرف أنهم العدو الحقيقي للإنسانية. إنه كيان الاحتلال، ويجب أن تحترق الإنسانية بنار الظلم الذي حل بك وبعائلتك، من أجل الوصول إلى نظام عالمي أكثر إنسانية يؤمن بحقوق الإنسان بغض النظر عن لونه أو جنسه أو دينه أو عرقه أو جنسيته. الجدار الذي يتكئون عليه. لا تغضب علينا يا طفل غزة. ونعلم أن هناك من منا من يغرد خارج السرب، ومن يهاجمك، ومن لا يتعاطف معك. هذا امر طبيعي. في كل مرة تشتد فيها الأزمة والشدة، يظهر من لا يملك الحد الأدنى من الكرامة والإنسانية، فماذا يحدث؟ وهو المحك الذي يخرج به الكريم من اللئيم، والكريم من اللئيم. تاريخنا حافل بمن خان المظلوم، ومن عادى الشريف، وانحاز إلى الجلاد ضد الضحية. وفي النهاية كان النصر لهذه الأمة التي لا تموت ولو راهن العالم كله على موتها. العرب يا ولد الغازي وإن كان الظاهر أنهم أموات، إلا أنهم كالعنقاء التي تعود حية، في الوقت الذي يظن الجميع أنها ماتت. نحن أمة واحدة، ودمنا واحد، وأحلامنا واحدة، وحتى لو ظهرت أصوات متنافرة تقول غير ذلك، فإننا في النهاية أمة تمرض ولا تموت. ستتراجع، ولن تتراجع، وسيأتي يوم يؤمن فيه كل العرب أن ذرة من دم طفل عربي خير من الدنيا وما فيها، وأن دمعة امرأة عربية مظلومة تساوي للعالم وكل ما فيه. بارك الله فيك يا طفل غزة. لن نعتذر منكم لأننا لم نقدم المطلوب منا، لأننا ببساطة لا نملك الشجاعة للقيام بذلك أمام صمودكم وعزتكم وكرامتكم التي ستدرس في جامعات العالم مستقبلا. لتتعلم منها البشرية. بارك الله فيك يا طفل غزة. هناك أطفال آخرون يعانون كما تعاني. إن وطننا العربي العظيم وعالمنا الإسلامي وعالمنا مليء بالظلم والتهاون والقهر. هل يجب أن نبكي عليك؟ أم على أحبابنا في السودان الذين نعشقهم في أعماق قلوبنا؟ هل ننظر إلى أطفال الروهينجا ومآسيهم، أو إلى الصومال ومتاعبهم، أو إلى أي طفل يتيم في أي مكان من العالم يعاني؟ ونعدك أيها الطفل الغزاوي بأننا لن نكره العالم بعد أن رأينا ما يحدث لك. نحن أمة الحياة والحب والفخر. لن نلوم العالم على ما فعله بكم، ولن نلوم العالم على ما حدث لكم، ولكن بقدر ما خذلكم العالم سنملأه بالحب والاعتدال والحياة. . وبقدر ما تعشش الخيبة في قلوبنا، سنحاول أن نكون أفضل ما نستطيع، لأننا نثق بالله، وندرك من خلال دراستنا لصفحات التاريخ أن النصر قادم، وأن التحرير قاب قوسين أو أدنى، وأن وأن الاحتلال لا يمكن أن يستمر، حتى لو حاول العالم كله حمايته. رحمك الله يا من أحرقت قلوبنا. وننتظر اليوم الذي يشفي وجع صدورنا عندما نرى الطفولة تعود إليك. نحن العرب وكل بشر العالم نحبك أيها الطفل الغزاوي، بقدر ما أنتج العالم الحب والعشق والفخر على مدى ملايين السنين.
رسالة إلى طفل غزة!…
– الدستور نيوز