دستور نيوز

لا شك أن المحاصيل والنباتات، بما فيها النباتات البرية، تشكل جزءاً أساسياً من نظام الحياة المتكامل، وتلعب أدواراً بالغة الأهمية في كافة جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية. منها يتوفر الغذاء والدواء والأعلاف، إضافة إلى رمزيتها الساحقة، والتي يمكن تلخيصها بشعار “سنبقى ما بقي الزعتر والزيتون”، الذي يربط الفلسطيني بقاءه ببقائهم. إضافة إعلان من المؤكد أن العديد من الهويات الجماعية تبنى على طبيعة المكان وتراكم أحداثه التاريخية وطعامه وملبسه وثقافته، وبما أن الاستعمار الاستيطاني موجود حيثما كان الحل فإن أهم أولوياته هو سحق هذا الهوية الجماعية واستبدالها بالقوة. وهي تسعى إلى تدمير كل هذه المحددات للهوية أو سرقتها. وحرق واقتلاع أشجار الزيتون أو سرقة النباتات المعمرة منها لزراعتها في المستوطنات للإيحاء بأنها مستوطنات قديمة وقديمة مثال على ذلك، كما أن منع قطف الزعتر البري الذي صدر قانونه عام 1976 إجراء إجرائيا. يعني أنها اخترعت لتدمير الرابط التاريخي بين الفلسطينيين. وأرضه، وأعقب ذلك جريمته بحق العكوب، وهو طعام يحبه الفلسطينيون منذ مئات السنين، ويمنع حصاده منذ عام 2005، ويعمل في الوقت نفسه على زراعته بشكل مكثف للتجارة والربح من خلال محاولة تسويقه للفلسطينيين أنفسهم كبديل. وبحسب الدراسات فإن هناك 2500 نوع من النباتات البرية في فلسطين، منها 1500 نوع مستوطن منذ مئات السنين، و46 منها موجودة فقط في فلسطين. وتستخدم معظمها كغذاء ودواء وعلف، وهي تحمي شعبها مهما كانت الظروف قاسية، بما في ذلك حروب الاحتلال والإغلاقات والعقوبات وتدمير المحاصيل، وتزويدها بمصادر نباتية غنية. ولا يحتاج إلى زرع ولا ري ولا جهد إلا القطف، وهو هدية خالصة من الله عز وجل، لتزيين موائدهم، وإشباع بطونهم، وشفاء آلامهم. ويتجلى هذا الأمر بوضوح في غزة الآن، وبينما يواصل الغاصب حمية الموت التي يسعى لإقامتها، جاء الكركديه بخضرته الوارفة من بين التراب والركام، مجيباً برأفة لنداء الجياع. بدأت الحروب بقطع علاقة الفلسطيني بأرضه منذ عقود، حيث أعاد هندسة الطبيعة بقطع مساحات واسعة وعزلها عنها تحت اسم المحميات الطبيعية، وحماية النباتات البرية ممن تعايش معها وحافظ عليها من أجلها. آلاف السنين، وبتدمير الخمسمائة والثلاثين قرية عام 1948، رغم اقتلاع أشجارها. وحجارتها، لكن الصبار البري العنيد استمر في النمو فيها مهما اقتلعواها، شاهد حي على تلك الجريمة. وكذلك الاقتلاع الممنهج لأشجار الزيتون وسرقة النباتات المعمرة منها والمتاجرة بها في الأسواق العالمية وزراعة أشجار بديلة غريبة عن المنطقة كأشجار السرو في محاولة لمزيد من تغيير الهوية. المكان، بدأ منذ بدء التخطيط للاحتلال. الى الآن. ورغم كل ذلك، لم ييأس الفلسطينيون يوما واحدا وكثفوا جهودهم للحفاظ على البذور البلدية من خلال جمعها وحفظها وتصنيفها وزراعتها وتبادلها فيما بينهم دون مقابل. ونجحوا في زراعة العديد من النباتات البرية، كالسنط، والزعتر، والمريمية، والهليون، والجرجير، في حدائقهم وبساتينهم. وأختتم كلامي بأنه من المحزن أن موسم الكركديه قد انتهى الآن، والمجاعة في غزة تقتحم أبواب الشعب الصامد بسرعة كبيرة، وترن في آذان الصامتين بضرورة بذل كل الجهود، كل على حسب قدرته. قدرتهم على تشكيل جبهة موحدة تمنعهم من مهاجمة هذا الشعب الأسطوري الصامد المقاوم الذي يشبه صبار أرضه الطاهرة.
الكركديه الفلسطيني.. أخضر رغم جرائم الاحتلال..
– الدستور نيوز