دستور نيوز

“الشخص المريض معرض، إذا لم يعالج، إلى الموت المحقق.” د.فيصل دراج. ذات مرة، في روايته «قسم الولاء» التي أدان فيها الروائي المصري المعروف يوسف القايد أخطر منحدر سقطت فيه بلاده مصر، والذي يتجلى في التوتر الطائفي، أذهلني ما قاله: قوله في روايته “…اكتشفت أن الشوارع (يعني شوارع القاهرة) مليئة بالناس الذين يتحدثون مع أنفسهم”. . أعادتني عبارته إلى زمن بعيد، عندما كنت أقف أمام إشارة المرور منتظراً عبور لونها الأخضر إلى الرصيف الآخر، وقعت عيني على شاب يهذي بكلمات يرددها لنفسه. وفجأة ابتسم لي ومد يده ليصافحني وكأنه يعرفني جيدًا. واكتشفت لاحقاً أن لديه شخصية مضطربة ولا يتوقف عن الحديث مع نفسه! أضف إعلان عندما قرأت رواية القائد رأيت شوارع العديد من العواصم العربية مبتلاة بأشخاص حرمتهم ظروفهم الاجتماعية البائسة من وعيهم بالحياة وحولتهم إلى نماذج بشرية تستحق الشفقة! وتعاني شوارع هذه العواصم المزدحمة بالناس من اغتراب من نوع مختلف. إنهم ليسوا متوازنين ولا يتصرفون بوعي، ولا هم في المرحلة النهائية من “اختلال التوازن”! أولئك الذين يجوبون شوارع هذه العواصم الآن يقولون لأنفسهم إنهم ضحايا «الفقر» و«الجوع» الذين طردتهم مجتمعاتهم. ولم تعالج فقرهم وجوعهم منذ البداية، بل حولتهم إلى ركام بشري! في الماضي القريب كانوا عاديين مثلي ومثلك، وفجأة وجدوا أنفسهم غير قادرين على تلبية متطلبات الحياة. ما أقسى ومرارة عدم قدرتكم على تلبية هذه المطالب! كانوا يتجولون في الشوارع ويتحدثون مع أنفسهم. الأشخاص الأصحاء يسخرون منهم! وكأنهم يشهدون مشهداً كوميدياً! أولئك الذين يتحدثون إلى أنفسهم غالبًا ما يكونون ضحايا الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي أضرت بإنسانيتهم. وتُركت هذه «الإنسانية» عارية، تواجه مصيرًا بائسًا بعد أن كانت بكامل عافيتها. وكشف يوسف القايد في روايته السابقة عن “تشويه” عواصمنا العربية والإسلامية. أظهروا الوجه الآخر للحضارة الزائفة التي يتفاخر بها إعلامنا ليل نهار. وكشف القاعد عن واقع مرير يكثر فيه من يتحدثون مع أنفسهم. ولا سلطة تسأله عن أحوالهم لينقذ من يستطيع أن ينقذ من أظلمت الحياة وجوههم. ولم يجدوا من يشاركهم همومهم. ووجدوا الذل الذي لم يحترم إنسانيتهم. ولم يرحمهم برد الحياة، فتاهوا في الشوارع. بشر لكنهم ليسوا بشر! إنهم أشباح بشرية تتحرك وتتحدث مع نفسها وكأنها تحتج على واقع دنيء خلقه الآخرون! خلقها غياب قيم العدالة. ومأساة هؤلاء الناس تكمن في أيدي السلطات الحاكمة التي همشتهم. ولم تتقصى أحوالهم لتنقذهم قبل فوات الأوان، ولم توفر لهم ظروفا اجتماعية تبعدهم عن حافة الهاوية. لقد تركتهم كأشباه البشر! أحيانا أتساءل: لماذا يلجأ الشباب مثل ورد إلى المخدرات؟ لماذا يتعمدون الإساءة إلى إنسانيتهم وينغمسون في نشوة زائفة تفقدهم قيمهم وتحولهم إلى أي شيء سوى إنسان؟ تعاطي المخدرات الذي ينتشر اليوم بين شبابنا، قد يكون أحد أسباب “البطالة” القاتلة التي يعيشها هذا المواطن أو ذاك، وقد يكون وراء انتشار هذه الظاهرة تفكك أسري رهيب، إذ لا ينسجم الزوج مع زوجته، ولا يتمتع الابن بتنشئة أسرية مرضية. الجو العائلي غير صحي على الإطلاق، مما يدفع الأطفال إلى التمرد على قوانين الحياة ومن ثم إلى هاوية مظلمة تسلب الإنسان إنسانيته. فكم بالحري سُلبت إنسانيته في مجتمعاتنا! إن عواصمنا العربية والإسلامية تحتاج دون استثناء لفتح العديد من العيادات النفسية لعلاج هؤلاء المرضى النفسيين الذين تتعدد أمراضهم. ويعود الأمر إلى خلفياتهم الاجتماعية لمعرفة الأسباب الحقيقية للظروف البائسة التي يعيشونها. فالذين يتحدثون مع أنفسهم لا يختلفون في الحالة البائسة التي وصلوا إليها من مدمني المخدرات الذين أقاموا حاجزا بينهم وبين الحياة الطبيعية. . كلهم لم يجدوا مجتمعاً صالحاً يحتضنهم قبل أن ينحدروا إلى هذا المنحدر! قبل أن يصعب الرتق على الرتق! أقولها بصراحة إن التشوهات في حياتنا الإنسانية سببها «الاقتصادي» الرئيسي: الفقر والحرمان من ضروريات الحياة قد يؤديان إلى الجريمة. التنظير حول الفقراء والمحرومين لا يجدي نفعاً. كما أن غياب التربية الأسرية الجيدة يلعب دوراً كبيراً في خلق هذا “التشوه”. تربيتنا العائلية محكوم عليها. يقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «لا يجوع فقير إلا بما يتمتع به غني». ويقول أيضاً: «السلطان أب والشعب أبناءه». ولو روعي مضمون هذه الجمل البليغة لسلمت المجتمعات من هذه الأمراض والانحرافات الاجتماعية. «لم تختلف هذه الأمة في ربها ولا دينها ولا كتابها، ولكن اختلفوا في الدينار والدرهم». عمر بن عبد العزيز (البداية والنهاية لابن كثير). وهذا الخليفة -كما فهمت عبارته- لخص مأساة كل العصور العربية والإسلامية. «الفرق بين الدينار والدرهم» غالباً ما يكون مسؤولاً عن العلل والأمراض التي تعاني منها مجتمعاتنا. وهذا الشيخ الذي يفتي «بحق» لا يفعل ذلك بحق طمعاً في «الدينار والدراهم». أضيف: وفي «المكانة والهيبة» التي منحه إياها زمانه. فهو وأمثاله مسؤولون بشكل غير مباشر عن هذا «الخلل» الذي تعيشه مجتمعاتنا. وهو الذي برّر الاستبداد ليطيل عمره، وللانتهازية أن تجد موطئ قدم لها بين كثير من الحكام. “”فرق الدينار والدرهم”” هو أساس البلاء، فهو يسوغ ما لا ينبغي تبريره. وحتى كلامه -سبحانه وتعالى- يستخدمه بعض مشايخنا من أجل «الدينار والدرهم»! فهل نستغرب بعد كل هذا أن نجد عددا كبيرا من الناس في مجتمعاتنا يتحدثون مع أنفسهم بعد أن أذلهم الفقر؟
إلى شعب سحقه الفقر..
– الدستور نيوز