دستور نيوز

“هربت تحت القصف سيراً على الأقدام، أحمل طفلي على كتفي، وأمسك بيدي إخوته الثلاثة، وفي رحمي طفلي الخامس، عند الحاجز؛ جيش الاحتلال اعتقل زوجي”، تلخص السيدة زينب القصة بهذه الكلمات. إذا أرادت مخرجة سينمائية أن تصنع مشهداً يحاكي أقسى ما قد تتعرض له. امرأة، في يوم من الأيام، وجدت شيئاً أشد قسوة مما مرت به. وكان حالها مثل كل نساء غزة اللاتي كن الضحايا الأكبر مع أطفالهن في الإبادة الجماعية، حيث تم مصادرة حقهن في الحياة، ومن لم يقتل بالقصف أو الحرمان من العلاج، ففرض عليها واقع مخيف وهو أن لم تشهد أي عدوان. أنا واحدة من هؤلاء النساء، وكتبت هذه الكلمات كقطرة من فيض معاناتنا. لو كنت أستطيع لكنت كتبت عنا جميعاً، حوالي نصف مليون امرأة في غزة. تضيف زينب إعلانًا، وتتابع حديثها الحزين: “واصلت السير وحدي مع أطفالي إلى رفح، المدينة البعيدة التي لم أزرها من قبل. بمجرد وصولي، تضاعفت خيبة أملي، إذ لم يكن هناك مكان نذهب إليه، ولا أحد نعرفه. قضينا ليلتنا الأولى في الهواء الطلق، وفي اليوم التالي وجدت أحد أقاربي بين النازحين، فوجد لنا مكاناً نقيم فيه. لقد كان مستودعا للأونروا، وغير مناسب لعيش البشر. بالأمس كان مستودعاً للعدس والدقيق، واليوم أصبح مأوى بارداً لأم مظلومة مع أطفالها، بلا زوج أو أخ أو أب! تحدثني زينب فتخنقها العبارات: “أصبحت كالقطة تحمل صغارها من مكان إلى آخر. ولا أعلم متى كبرت لي أربع أيادي، أو حتى عشر، أرفع بها ثقل العالم، وأبحث لساعات عن الحطب لأشعل به النار لأعد الخبز. تصمت للحظة، ثم تسأل. بأسف: أين ذهبت وتركتني؟ وتستمر في سرد التفاصيل القاسية، التي ربما كان يسهّلها وجود زوجها معها: «أقف في طابور الماء لساعات، ثم أعود بجرّة ثقيلة أحملها على ظهري. كنت متعبة جدًا، حتى دخلت المخاض مبكرًا في ليلة مظلمة. عند سماع صراخي، حاولوا إحضار سيارة إسعاف، لكن انقطاع الاتصالات حال دون ذلك. اضطرت إحدى النساء إلى مساعدتي في ولادة طفلي، وأحبطتني فكرة مجيئه إلى العالم في مكان مزدحم وقذر وبارد، وإخوته يبكون أمامه من الرعب! تمنيت الموت ألف مرة، حتى فقدت الوعي، ولم أستيقظ، واستيقظت في ممر المستشفى، وجاءني الناس إلى هناك. كنت مستلقية على الأرض، أنتظر دوري لدخول غرفة الولادة. بعد أن أنجبت طفلي دون تخدير، عدت إلى مسكننا المشؤوم، وفي رأسي ترددت كلمة الطبيب عن حاجتي للطعام لعلاج فقر الدم، لكن كيف؟ ومن أين؟ ! لم تجد زينب طعاماً يغنيها، بل جحيماً لا يطاق. ثم واصلت سرد واقعها قائلة: “بعد الولادة، اضطررت للذهاب إلى المرحاض عدة مرات في اليوم، ومع مرحاض واحد فقط، كان علي أن أتحمل عبء الانتظار في الطابور، حتى تلطخت ملابسي بالدماء”. فاضطررت إلى المشي نصف ساعة للحصول على الماء، ثم غسل ثوبي الذي لم يكن عندي غيره”. نيفين امرأة أخرى من غزة؛ 28 عاماً، هي ضحية أخرى لهذا العالم القبيح، حيث تؤجل فطام ابنتها بسبب الظروف، مبررة ذلك بالقول: “لا يمكن أن يكون ما تعانيه طفلتي بعد حليب الأم هو الفول المعلب واللحوم المصنعة!” وهي مغمورة في حمام الدم… ولا تجد الماء! لن أنسى ما قاله بيسان؛ 22 سنة: “نحن نظيفون، حفظنا القرآن، صامدون، اليوم نقضي أسابيع دون أن نغتسل، في سبيل الله”. تعتبر النظافة الشخصية من أبرز الأمور التي تتجنب نساء غزة التطرق إليها، لحساسية الأمر وإضراره بكرامتهن وأنوثتهن. أصبح الاستحمام شبه مستحيل مع قلة المياه، كما أن رفاهية تغيير الملابس الداخلية باستمرار أصبحت غير واردة، نظراً لعدم توفرها على الإطلاق. هربت معظم النساء بالملابس التي يرتدينها فقط، وأصبحن عرضة للإصابة بالعدوى الخاصة بالنساء، والأعراض المؤلمة التي تصاحبهن، وسط غياب… “تم” للرعاية الصحية للمرأة. هذا ليس كل شيء. هناك تهيج في فروة الرأس وحكة شديدة بسبب الحجاب الذي لم يفارق نساء غزة لحظة واحدة منذ بداية العدوان. لزيادة الطين بلة؛ وانتشر القمل في مراكز الإيواء، مما اضطر آلاف النساء إلى قص شعرهن. وأي إذلال أكثر مما تعاني منه السيدة أم محمد؟ 57 سنة؟! مريضة سكر، تحتاج للذهاب إلى المرحاض البعيد عدة مرات في اليوم، لكن في أغلب الأحيان ينتهي بها الأمر بالتبول على نفسها، وتغرق في القهر والذل، وهي تعلم أنها لا تستطيع غسل أو تغيير ملابسها! لمن يسأل عن خصوصيتنا فلا مكان لها في الخيم المفتوحة ومراكز الإيواء والمنازل المزدحمة بالعائلات النازحة. لا يوجد مجال للاستلقاء وأخذ قسط من الراحة بعد إرهاق المسؤوليات اليومية. فقط الأحمال التي تحرك الجبال متاحة لنا على مدى ما يمكننا رؤيته. أخبرتني امرأة أنها كانت في حالة توتر مستمر. كلما أرادت أن ترضع طفلها داخل خيمتها البلاستيكية، كانت تخشى أن تنكشف، أو أن تسقط الريح قطعة القماش التي غطت نفسها بها: «لقد جف حليبي، طفلي يرضع الآن، ابني يرضع». قلق وخوف!” خبز الحرب… نعمة الأمهات وبؤسهن! أصبح إعداد الخبز أشهر طقوس مرهقة للغزاة بعد مقتلنا، بدءاً بالبحث عن الدقيق، ثم عجنه بكميات كبيرة، وتقطيعه، ولفه، وصولاً إلى السفر مسافة طويلة إلى الفرن، ومن ثم البحث عن الخشب وأوراق الشجر وكل ما يمكن استخدامه لإشعال النار. مما أدى إلى إصابتهم بمشاكل في الجهاز التنفسي وحروق، حيث أن الكثير منهم لم يجربوا الخبز من قبل. حدثتني امرأة عن تشنجات رقبتها نتيجة معارك الخبز اليومية، قائلة: “والله يا خالتي الفرن لن يصل إلى آخر الدنيا لأن العجين سيتفرق ويفسد. نحن مجبرون على العودة لعجنها وتقطيعها ثم فردها من جديد!» إذا كنت تظن أن تحضير الخبز هو المهمة الأصعب، فأنت لا تعرف شيئاً عن آلام المفاصل وتشنجات الأعصاب والأكزيما، والتي تنتج نتيجة غسل الملابس يدوياً باستخدام مسحوق رديء الجودة ومليء بالأملاح الحارقة، كما أنه النوع الوحيد المتوفر الذي يؤذي يد أمي المباركة، وكذلك أيدي جميع نساء غزة. . يعيشون في خيمة وحياتهم محاصرة تحت الركام! أخبرتك عن رغبتي في أن أحكي لك كل حكاياتنا، لكن كل ذلك لا يكفي، لذا سأروي لك قصة أخيرة عن علا ابنة عمي، وهي أم لابنتين: سيلا ونجمة. هربت معهم إلى الجنوب سيراً على الأقدام، بينما كان زوجها عالقاً في الشمال. وفي الطريق، أصيبت علا برصاصة في ظهرها واستقرت في صدرها. ونجت بأعجوبة وواصلت السير حتى وصلنا إلى المستشفى حيث أجريت لها عملية جراحية عاجلة وغادرت سريعاً. وبدون راحة، ذهبت إلى خيمة باردة، لتعيش مع ابنتيها، حياة كل النساء الذين حدثتكم عنهن، جريحات وبلا معيل. تسألني علا: “كيف سأعيش هنا وحياتي هناك؟ لماذا يتركنا العالم في قلب الموت بعيداً عن حياتنا؟!” كلنا نسأل يا علا، لكن لا وقت للإجابة، فالطوابير تنتظرنا، والخبز، والهروب من القصف! – (العربي الجديد)
نساء غزة…نساء التعب في أرض لا وقت فيها للبكاء!…
– الدستور نيوز