دستور نيوز

عمان – تجلس يارا صابر على حافة الأريكة. تسمع صوت دقات الشتاء من نافذة غرفة المعيشة. تقوم بتشغيل التلفزيون على قناة إخبارية، وتشاهد الفظائع التي تحدث في غزة. تلف نفسها بوشاح أسود مليء بالرسومات والأشكال والألوان الزاهية. إضافة إعلان. ورثت يارا الوشاح عن جدتها اللاجئة من فلسطين إثر الاحتلال الإسرائيلي لقريتها في مدينة يافا، وأورثته لابنتها التي أعطته فيما بعد ليارا التي احتفظت به ووضعته على مكان خاص. الأيام والمناسبات خوفاً من تلفها. وتقول يارا إن هذا الوشاح يمثل ارتباطها بأرضها في فلسطين، وبقريتها التي لم ترها من قبل، لكنها تحفظ كل تفاصيلها من أحاديث جدتها ووالدتها، وتعرف أسماء القرى والشوارع، و مواقع البساتين والحقول. وتشير يارا إلى أن كل من يرى الوشاح يسألها عن تطريزاته وخيوطه، فتجيب بكل فخر أنه فستان يافا، وتبدأ بالشرح عن الرسومات والأشكال التي تزينه، لدرجة أن العديد من صديقاتها التقطن صوراً له. من الوشاح لصناعة الفساتين والمعاطف والأوشحة الحديثة بنفس الرسومات والألوان والأشكال. . يعد فن التطريز أحد الفنون الشعبية الفلسطينية التي تناقلتها الأجيال، وتطورت مع مرور الوقت إلى حرفة، وأصبحت مصدر رزق لمجموعة كبيرة من النساء في فلسطين. ولها خصائص تتوافق مع البيئة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الفلسطيني. ورافق هذا التطور ابتكار نماذج جديدة ذات قيم جمالية عالية مستوحاة من أصالة هذه الحرفة. ويقول مصمم الأزياء التراثية مناف عبيدات، إن انتشار التطريز يعبر عن المقاومة بشكل معين، حتى لا يسرق الإسرائيليون الثقافة العربية الفلسطينية، وهو نوع من التأكيد على حق العودة من خلال الملابس. ويشير عبيدات إلى أن التطريز والزخرفة كانا من باب الزينة والحفاظ على التراث، واليوم التطريز، حتى البسيط منه، يوجد على الملابس الحديثة، أو بين الصور والتحف المنزلية، وبعد حرب غزة أصبح الاهتمام به شكلاً من أشكال الفن. المقاومة وحقوق الأرض، وعدم التنازل عن القضية بكافة أشكالها. وتبين أنها تضيف التطريز على القلنسوات والصور والمرايا، وزاد الطلب على الخريطة المطرزة ومدينتي فلسطين وغزة، لدرجة أن لديها طلبات كثيرة خارج الأردن، ومن بينهم مجموعة من الشباب الذين طلبوا طلب تطريز لأستراليا بينهم شخص إندونيسي، بالإضافة إلى آخرين كثر. من طلبات خريطة فلسطين على قمصان الدول الأخرى. وذكر عبيدات أن أبرز النقوش هي للمفتاح والديك وأوراق البرتقال، ولها ألوان محددة منها اللون الأخضر الذي يعبر عن لون عشب الأرض، ولها دلالات مختلفة فيما يتعلق بورق العنب، وأشجار السرو، وجبال فلسطين . ومن الأنماط الشعبية أيضاً: الخريطة التي بها مفتاح البيوت الفلسطينية، بينما ثوب المرأة اليافوية يحمل أوراق البرتقال والياسمين، ويحتوي على ليرات ومربعات عليها رسومات بداخلها. تعمل هذه المطرزات على ترسيخ الهوية، ومن خلالها يحاول الشخص إيصال صوته المقاوم. أما فساتين أهل غزة، فهي تتميز بالألوان النارية، كالأحمر الزاهي، والبرتقالي، كما أن الأسود له لمعة تعبر عن أهل غزة. اللباس الفلسطيني قطعة فنية وثقافية وتراثية ممزوجة بالفولكلور. إنها شاهدة على التاريخ الفلسطيني وتعبير اجتماعي عن ارتباط الإنسان بأرضه. وكانت الأم الفلسطينية تصنع جميع الفساتين لأبنائها وبناتها بيديها، وخاصة فساتين البنات، والتي يأخذون منها الأسلوب والأسلوب من جيل إلى جيل. الأم الفلسطينية تصنع حوالي 12 فستاناً لابنتها. فستان وآخره فستان زفاف. وتتميز الملابس من منطقة إلى أخرى بأسلوب التطريز وشكله. يختلف اللباس البدوي في شمال فلسطين وجنوبها بشكل واضح، ويعود هذا الاختلاف إلى اختلاف الوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافة والموروثات الثقافية. أما الأزياء الريفية فمطرزاتها تدل على الطبيعة، كالنجمة والزهرة والسنبلة، وتتميز بالتكرار وتنوع الأشكال. الهندسة هي الزي السائد في فلسطين. ويقول الباحث التراثي نايف النوايسة إن الهوية الفلسطينية لن تتوقف عند حدود المقاومة وعلى فوهة البندقية، بل تمتد إلى كل عناصر الهوية الفلسطينية ذات البعد العربي الإسلامي، بما في ذلك تسجيل التطريز الفلسطيني أكثر من منذ عام على قائمة التراث الإنساني. ويشير إلى أن الكثير من الناس يهتمون بهذا الموضوع بسبب علاقته بمقاومة العدو والعلاقة بالأرض وما فوقها، سواء بالتراث المادي أو غير المادي، وعلى المستوى المهني، لافتا إلى أن تسجيلات الأغنية الفلسطينية يثبت أن المقاومة لا تنتهي بحدود جغرافية، بل هي تفاصيل مع مرور الوقت. لباس المرأة الفلسطينية تنوع كبير، فكل مناسبة لها أزياءها الخاصة، وتتميز بأشكال ورموز وزخارف رائعة تم اختيارها بعناية وبساطة وذوق وفن. التطريز صناعة حرفية فلسطينية عريقة، وتختلف أشكالها وأساليبها من مكان إلى آخر، حسب عقلية وذوق المرأة التي تبدع تعبيراتها من ظروف الحياة والبيئة. والتضاريس التي تحيط به. وأبرز المدن الفلسطينية التي اشتهرت بأعمال التطريز هي بيت لحم، وبيت دجن، ورام الله، والبيرة. ويوضح النوايسة أن المقاومة من خلال التراث الحي جاءت بمساعدة الإعلام من خلال التعبير عن المقاومة بكافة أشكالها، وخاصة التفاخر بكل ما يراه الناس له علاقة بفلسطين، حتى لو كان لباساً أو وشماً أو موسيقى، مما أثار تعاطفاً حولهم. العالم، حتى في الدول الأوروبية. لقد مر اللباس الفلسطيني بعدة مراحل تاريخية. الأولى كانت من عام 1948 إلى عام 1963، حيث أضافت النساء الوحدات الهندسية والأشكال الزخرفية وكل ما يعبر عن حالة الأرض في ذلك الوقت. والثانية من عام 1963 إلى عام 1965، لم تشهد أي إضافة للثوب بالوحدات المطرزة، حيث انصبت جهود المرأة على الحفاظ على التراث قدر الإمكان في ظل عمليات النهب. التدمير والشراء الذي قامت به قوات الاحتلال أملاً في الاستيلاء على الأرض والتاريخ والتراث والحضارة. وفي المرحلة الثالثة، بين عامي 1967 و1994، بدأت الإضافات تختفي، لأن الاحتلال بدأ بنهب التراث الفلسطيني من جهة، ومن جهة أخرى، إهمال التطريز مع التطور الذي يشهده العالم. ويقول النوايسة إن الإنسان الفلسطيني ينقل لنا كل ما يتعلق بالتراث حتى هذه اللحظة، وهو قيد الإضافة والتطوير، وهو مقاومة مستدامة تؤثر على العالم بتراثه الحي. وأضاف: “هذا ما أنتج تراثاً وثقافة حية، وهذا ما يتم تناقله وحفظه اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما ينقل انتصاراً شعبياً للمقاومة. والدماء التي تسفك هي انتصار لنا في كل أنحاء العالم”. ” يُشار إلى أن المرأة الفلسطينية تستخدم أنواعًا متعددة من الخيوط التي تختلف حسب وزنها وسعرها، مثل خيوط القطن، وخيوط القصب، والحرير. كما تختلف الملابس النسائية حسب المناسبات، مثل الأعياد، وحفلات الزفاف، وملابس العمل. أما ألوان الفساتين فهي مأخوذة من النباتات، من محار البحر وقشور الرمان، واللون الأكثر شيوعاً المستخدم في تطريز هذه الفساتين هو اللون الأحمر الداكن (القرمزي)، وقطعة القماش التي يتم التطريز عليها هي الأسود، كما تُستخدم أحياناً بعض الألوان مثل البرتقالي، والأصفر، والفوشيا للتعبير عن الفرح. وخاصة في فستان العروس .
تاريخ من التراث الحي والمقاومة المرتبطة…
– الدستور نيوز