دستور نيوز

المقارنة بين 7 أكتوبر و15 أكتوبر على المستوى الفلسطيني تربكنا المفاجأة الصادمة. القرار الذي شهده يوم 15 أكتوبر 1973، عندما أمر الملك الراحل فيصل بقطع النفط عن أمريكا وهولندا وبقية الدول الداعمة لإسرائيل، مطالباً بإجبار هذا الكيان الغاصب على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة في حرب 1967، ليس… نجد شيئاً مماثلاً في 7 أكتوبر 2023، رغم مجازر الإبادة الجماعية التي حدثت في غزة الصامدة. وتم توحيد اتفاق جميع الدول العربية النفطية على وقف ضخ النفط. ولم تستثن منه أي دولة نفطية، مما أدى إلى سلسلة من الركود وزيادة معدلات التضخم في أمريكا وبقية الدول الداعمة للاحتلال الإسرائيلي. إضافة إعلان: المثير هو ما كشفته الوثائق البريطانية من أن الولايات المتحدة فكرت في استخدام القوة للاستيلاء على نقاط في الشرق الأوسط خلال حرب أكتوبر عام 1973، عندما منعت الدول العربية صادرات النفط. وكان لوزير الخارجية الأميركي كيسنجر يومها دور كبير في هذا المجال. لكن الصمود العربي منعهم من القيام بهذه المغامرة. ولم تتوقف هذه الدول المنتجة للنفط عن وقف إنتاج النفط فحسب، بل أعلنت أيضاً عن زيادة في الأسعار من جانب واحد بمقدار 0.17 دولار إلى 3.65 دولار للبرميل، بينما أعلنت عن خفض الإنتاج. ونتيجة لذلك تكبد الاقتصاد الأمريكي خسائر فادحة. وبعد بضعة أشهر هدأت حدة الأزمة وتم رفع الحصار في مارس 1974 بعد مفاوضات في قمة النفط في واشنطن. وقد وجه هذا الموقف العربي الحاسم ضربة للغطرسة الامبريالية. وهذا الموقف غاب – للأسف – في 7 أكتوبر 2023، فعقدت قمم عربية متتالية، لكن نتيجتها خطابات تندد بالعدوان، رغم أن ما قيل في العلن كثيرا ما قيل في السر. وكان السلاح هو الدبلوماسية، لكنها أصبحت سلاحا ضعيفا لا يسمنه الجوع. ومن الجدير بالذكر هنا أنه بعد مرور عام على رفع الحظر النفطي في مارس/آذار 1974، قدمت دول عدم الانحياز في الأمم المتحدة قراراً يدعو إلى إنشاء “نظام اقتصادي دولي جديد” يضع حداً للاستغلال والاستغلال. إنعاش التنمية في دول الجنوب. وإلى العرب أقول إن فلسطين المحتلة لا ينبغي أن تترك للفلسطينيين وحدهم، كما يسعى بعض الحكام العرب الذين يعتبرون تحرير هذا البلد العربي قضية تخص الفلسطينيين وحدهم. ويجب على حكامنا العرب أن يجعلوا قضية تحرير فلسطين أولوية وطنية، فالاستعمار الاستيطاني يقوم بعمليات ممنهجة للاستحواذ الدائم على فلسطين كلها وتهجير من بقي في غزة والضفة الغربية المحتلة إلى مصر والأردن. أما عملية السلام المزعومة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فقد آن الأوان لتختفي، لأنه لا سلام مع محتل مجرم رفض كل القوانين الدولية واستهزأ بها، وأمريكا تسانده. والسلاح الآخر الذي يمكن أن يلجأ إليه العرب هو قطع العلاقات والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي حتى يعترف بدولة فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. وأرض فلسطين، مهد الأنبياء والرسل، ظلت عربية منذ أن استوطنها الكنعانيون، ولم يعلم أحد بسكانها قبلهم. وفي مرحلة تقسيم فلسطين، أرسلت بريطانيا التي كانت منتدبة على فلسطين لجنة ملكية للتحقق من كيفية دحض الانتداب. وذكرت هذه اللجنة أن أسباب الثورة العربية في فلسطين تتلخص في رغبة الفلسطينيين في الحصول على استقلالهم الوطني ورفضهم إقامة وطن قومي لليهود. وكان اقتراح اللجنة هو تقسيم فلسطين وإقامة دولتين إحداهما عربية تشمل شرق الأردن والجزء الفلسطيني الذي حددته اللجنة. والثانية هي دولة يهودية في القسم الفلسطيني قررت اللجنة أن تكون لليهود. وبالطبع رفض العرب تقرير اللجنة، بينما رفض اليهود التقرير لأنه خالف وعد بلفور الذي منح كل فلسطين لليهود. ومع ذلك، أتمنى أن يأخذ الزعماء العرب زمام المبادرة للحد من أفظع همجية الإبادة الجماعية في التاريخ، وأن يفعلوا ما فعله المغفور له الملك فيصل عندما أعلن ونفذ سلاح قطع النفط على أنصار الاحتلال الصهيوني لفلسطين. أتمنى أن يكونوا متهمين!
بين حربين..
– الدستور نيوز