.

يلجأون من رمضان بالنار.. أهالي غزة يعيدون إلى الأذهان مشاهد…

صدى الملاعب13 نوفمبر 2023
يلجأون من رمضان بالنار.. أهالي غزة يعيدون إلى الأذهان مشاهد…

دستور نيوز

عمان – يجلس الحاج أبو نشأت (85 عاما) بصمت أمام شاشة التلفزيون، يمسح دموعه بيد واحدة بحافة القبعة البيضاء التي يرتديها على رأسه. ويتكئ مع الآخر على عكاز يضرب به الأرض بين حين وآخر، ويتحدث مع نفسه، ويخلص أمره لله، ويدعو بالنصر القريب. يقرأ الأخبار العاجلة بصعوبة، وهو مسرّح في ماضي عاشه مرتين. أضف إعلان أبو نشأت هو أحد الذين عاشوا نكبة فلسطين مرتين؛ الأول كان عندما كان طفلاً لم يتجاوز العاشرة من عمره، حيث نزح مع عائلته من قريته في مدينة يافا الفلسطينية إلى طولكرم، ومن هناك إلى الأردن لاجئاً، والثاني، رآه على شاشة التلفزيون، من تهجير قسم من أهل غزة من الشمال إلى الجنوب، مع استمرار العدوان. الإسرائيليون بعد عملية طوفان الأقصى. في مسلسل المنفى الفلسطيني، للمخرج الراحل حاتم علي، أعاد العربي إلى ذاكرته مشاهد اللجوء، وكأنه عاشها من جديد، لكنها كانت سرداً لما حدث، وآخر ما في الأمر أن -كان من المتوقع أن يشهد الحاج اغتراباً وظلماً وتشريداً جديداً في فلسطين، لكن بصور حقيقية، وبألوان الشاشات الحديثة، في عصر الهواتف الذكية، بسبب تأثير القنابل والصواريخ الإسرائيلية التي تسقط على الأرض رؤوس المدنيين بحجة أنهم إرهابيون. هذه المشاهد أعادت إلى الذاكرة الجماعية قصيدة المنفى الفلسطيني لإبراهيم طوقان التي قال فيها: “لا تسألوا عن سلامته. روحه فوق راحته. لقد حلت محله همومه كفن من وسادته. وينتظر الساعة التي بعدها يحتل هول ساعته أفكار من يراه مطأطأ رأسه». تحدثت هذه القصيدة عن معاناة شعب فلسطين التي شهدها خلال مراحل الاحتلال العديدة، بدءا من الانتداب البريطاني وانتهاء بالاحتلال الصهيوني. كما سميت بقصيدة “الفدائيين” لأنها تتحدث عن الفدائيين الذين ضحوا بحياتهم في سبيل أرضهم التي يحبون ترابها. المنتج والمخرج صلاح أبو هنود، مخرج مسلسل الدرب الطويل، وهو القصة السياسية لمسلسل التغريبة الفلسطينية، والتي أشار إليها الجميع خلال عرض مشاهد التهجير الحقيقية التي يعيشها مجموعة من الغزيين واليوم يقول لـ«الدستور نيوز» إنه متأثر ويبكي، مستذكراً ما حدث له ولعائلته. في النكبة. ويوضح أبو هنود أنه كان طفلا في قرية عصيرة في نابلس، وكان والده يملك محلا تجاريا في حيفا، ولكن أثناء الصراع اليهودي قبل النكبة وخراب البلاد، قرر العودة بالقطار إلى نابلس حيث كانت عائلته، لكن عصابات يهودية اقتحمت القطار وهاجمت من فيه، كما وصف ما رآه عدداً من الرجال يحملون “كرة الثلج”، والمقصود والده الذي كسر كل شيء فيه نتيجة لذلك. هذا الهجوم اليهودي المتطرف على الفلسطينيين، وتم تغطية جسده بالجبس لعلاج كسوره. وضع والده جعل الأسرة تعيش ظروفاً مالية صعبة، بعد أن كانت في وضع جيد. واضطر إخوته الأكبر سناً إلى ترك دراستهم والبحث عن عمل من أجل إعالة الأسرة. حتى أن والدتهم اضطرت للعمل من أجل جلب رغيف الخبز. ويضيف أبو هنود أن كل هذه المآسي عاشها الفلسطينيون وأكثر قبل النكبة، وعندما جاءت الهجمة الهمجية من قتل وسرقة وتهجير، اضطروا إلى مغادرة البلاد والتهجير ويعيشون النكبة ويحملون المشاعر. من الحزن والخسارة وخيبة الأمل والحنين. لقد عملوا بأيديهم وأسنانهم، محاولين تأسيس حياة لأنفسهم ولأطفالهم، لإخراج الطبيب. والمهندس من رحم المعاناة. واليوم يتابع أبو هنود هذه المشاهد، ويخشى تكرار المأساة، معتقدًا أن الشعب الفلسطيني مظلوم ومظلوم، لكنه المنتصر دائمًا وأبدًا. يعلم التاريخ والأديان أن للكيان اليهودي الصهيوني نهاية، وأنها قريبة، ولن تكون لهم بعث آخر، وأن الشعب الفلسطيني، ولو عاش، سيظل مظلوما وسفك دمه من أجل الوطن، رسالته عظيمة واختاره الله بين منتصر ومستعيد لأرضه وبين شهيد عند الله. ويؤكد من تجربته الخاصة أن حياة اللاجئ صعبة، والتجربة عبارة عن تدمير ذاتي يشبه الموت وأنت على قيد الحياة، لكن الشعب الفلسطيني يجمعه حبه للأرض وإيمانه. يمكن للباحثين عن اللجوء أن يكونوا أقوياء ويتماسكوا بسرعة، وبعضهم يحتاج إلى سنوات طويلة، لكنهم في النهاية ينتصرون، مؤمنين بالمقابل. . ويؤكد أن الشعب الفلسطيني بكل أجياله، وعلى مر العصور والأزمنة، الذي عاش النكبة في الواقع أو في مخيلته، عندما استمع إلى أهله مشردا، والذي يشهد اليوم نزوح أهل غزة، يعاني ويعانون، ولكن لا يهزمون. وفي هذا السياق تؤكد رنيم المصري أنها عاشت النكبة مرتين. الأول كان في مخيلتها من أحاديث عمها “أبو علي” الذي رحل قبل نحو 15 عاما، والثاني هذه الأيام بعد مشاهد تهجير بعض أبناء غزة في رحلتهم من الشمال إلى الجنوب ، سيرا على الاقدام. وتقول رنيم إن عمها “أبو علي” كان يجمع العائلة للحديث عن لحظات اللجوء بعد القتل والترهيب الذي تمارسه عصابات الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين، وكيف مشوا أيامًا ولياليًا في ظروف قاسية، وكيف حُرم من إكمال دراسته، واتجه إلى التجارة، ليعول أسرة مكونة من 7 أفراد، لم يتجاوز عمر أكبرهم ثلاثة عشر عاماً. وتشير رنيم إلى أن العائلة كانت تستمع بكل التفاصيل باهتمام شديد. فمنهم من فتح عينيه مستغرباً مما حدث، ومنهم من بكى، ومنهم من أطلق سراحه إلى عالم بعيد، متخيلاً أن الظروف ستكون مختلفة لو بقوا في وطنهم دون نزوح أو ألم. ويقول المتخصص في التاريخ والحضارة الإسلامية الدكتور صالح الشورى إن ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي هو تطهير عرقي أو إبادة جماعية، وهذه المرة على مسمع ومسمع العالم أجمع، حتى أن الفلسطيني أو الفلسطيني ويدرك الغزي بشكل خاص أن تهجيره أصبح تحت أعين ومسمع الجميع، وربما يقول للعالم انظروا ماذا حل بنا ولا تستغربوا مما سيحدث في المستقبل. ويشير إلى أن الذاكرة الشعبية الجماعية للإنسان الفلسطيني هي مأساة مليئة بفقدان الأمل. ويبدو أن الذين اتجهوا جنوبًا قد نجوا من الموت والقتل، لكنهم لم يهربوا من الألم، وامتلئوا بالموت والحزن. ويؤكد الشورى أن العقلية الصهيونية تعتمد على ارتكاب أعمال مماثلة من التدمير الممنهج والقتل والتهجير ونشر القتل والدماء والخوف والهلع، ومن ثم انتظار نتيجة مشابهة لما ذكرنا أعلاه وهي طرد الغزي شعباً من أرضه، كما طُرد الشعب الفلسطيني من أرضه سابقاً. وهذا ما لم يحدث، ولا أعتقد أنه سيحدث بإذن. إله. يذكر أن الموت في الأحداث الأولى كان مرعباً، لكنه أصبح هذه الأيام هو المحفز، إذ يتقبل “أهل غزة” الموت كما يتقبلون الحياة. لأول مرة عام 1948، اعتقد الفلسطيني أن هناك من يدافع عنه حتى وهو يسير نحو المجهول، وتعزز ذلك بداخله. الشعور بأن العرب منذ بداية الدولة العباسية الأولى وحتى سقوط الدولة العثمانية لم يدافعوا عن أنفسهم ووجدوا من يدافع عنهم. وأضاف: “في حالة غزة فالوضع مختلف، فمنذ عام 1948 بشكل بسيط، ثم في عام 1967 على نطاق أوسع، أدرك الإنسان العربي، وخاصة الفلسطيني وابن غزة بشكل خاص، أنه عليه أن ينتزع أشواكه بيديه ويتولى مهمة الدفاع عن أرضه وعرضه وطرد المحتل، وهو ما لم يدركه”. دولة الاحتلال وإلا فكيف تسقط أسطورة الجيش المنيع في لحظات في 7 أكتوبر؟ المشهد بين الصور المختلفة (الكارثة والنكسة وغيرها) مشهد مختلف ومحزن وغريب! في الصور الأولى لا يعرف ماذا سيحدث وإلى أين سيأخذه مصيره، وفقدان الأمل أكبر في الأمة العربية. على طول الطريق، لكن في هذه لا يزال يقاتل، وكأنه يعلن للجميع على الملأ أن الحرب دورة، يوم لك ويوم عليك، ويرسل للعدو قبل الصديق أنه لن يكون الأخير، وهذا أمر مخيف أكثر للصهاينة، وإذا كان رحيله نازحاً قسرياً، ففي هذه الحالة سيكون الأمر أشد قسوة. “إنها أقوى وأقوى وأكثر متانة من سابقاتها.” ويشير الشورى إلى أن العملية التي نفذها الصهاينة، والتي دفعت مجموعات كبيرة من الأهالي إلى الهروب من المدينة من شمالها إلى جنوبها، أوهمته بالنصر وانتظار النتائج، لكنه لم يأخذ في الاعتبار الهزيمة الكبيرة. التغيير الذي طرأ على العقلية الفلسطينية في التعامل مع الأحداث واحتمالات نتائجها. وفي مشاهد شاشات الأخبار، التي شاهدها العالم أجمع، سواء في منازلهم أو على هواتفهم الذكية، لكارثة جديدة ملونة، ها هي امرأة ثمانينية نازحة للمرة الثانية في حياتها، تمشي وظهرها منحني. انتهى، غير قادر على الكلام، بعد أن أجبر الاحتلال أهالي غزة على عدم استخدام… المركبات، قاصدا إعادة مشاهد النكبة الأولى، وهناك أم لطفلين، تجرهم بكرسيين خلفها لساعات في النهاية بحثاً عن الأمان، وهم لا يدركون حجم الألم الذي يحيط بهم، ويظنون ببراءة الطفولة أنهم ذاهبون في نزهة جميلة. رأى العالم طفلة تسير على خطى منفى جدها الذي عاشه عام 1948، وهي اليوم تبلغ من العمر 8 سنوات، على أمل ألا تضطر إلى العيش في كارثة أو نكسة أخرى. يصف هذا الصحفي وائل الدحدوح، الذي فقد عائلته في قصف إسرائيلي، الخروج من المنزل بأنه “ليس بالأمر السهل”. هناك حديث في عينيه يوحي بأنه فقد عائلته مرتين، وكل هذا لا يكفي ليشفي حزن الاحتلال الذي اختار قتل العزل، وهم يحملون الرايات البيضاء أمام المستشفيات، في قصف جوي. مشهد صمت فيه المجتمع الدولي برمته أمامه، دون أن يتحرك سوى بعض عبارات الاستنكار والاستنكار. ويؤكد الباحث الاجتماعي د. محمد جريبي أن مشاهد عدد كبير من أبناء غزة وهم يهربون من منازلهم ويمشون على الأقدام حاملين مشاعر الحزن والأسى والفقد والرحيل وترك خلفهم ذكريات وعائلات، أيقظت جراح الماضي النازحون الفلسطينيون في العالم بعد نكبة 1948 وما قبلها. ويقول إن من عاش هذه التجربة اليوم، تعود إليه مشاعر القهر، وإلى الأجيال التي استمعت إلى أهاليهم النازحين خلال تلك النكبة، وعاشوا ظلم هذه الأيام أكثر من غيرهم. الكلمات والدموع التي رسمت في مخيلتهم عن يوم النزوح، عاشوها بنفس الحزن والقهر، خوفاً من عودة التاريخ بتفاصيله. ويقال إن الشعوب العربية عاشت وعاشت التغريبة الفلسطينية في نكبتها الأولى، سواء في الواقع، أو من عاشها في كتب التاريخ وشهدتها دراميا ومن خلال سماع القصص، أما اليوم فنشاهدها مكتوفة الأيدي ، نبتلع الألم وندمه، غير قادرين على التعبير عن الظلم الذي نشعر به وما يدور بداخلنا. وهناك من عاش تجربة اللجوء، فترك حياته ووطنه وأرضه، واضطر إلى إقامة حياة في بلد آخر. كان هذا الطريق صعباً، لكن مشاعر القهر وصعوبة التهجير والهجر وتبعاته هي الأصعب الآن وتأثيرها النفسي أكبر.

يلجأون من رمضان بالنار.. أهالي غزة يعيدون إلى الأذهان مشاهد…

– الدستور نيوز

.