.

رسالة إلى وزير الخارجية الأمريكي..

صدى الملاعب17 أكتوبر 2023
رسالة إلى وزير الخارجية الأمريكي..

دستور نيوز

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أكتب إليكم وأنا أعلم أن رسالتي لن تطلع عليها، ولكني أخاطبك كمواطن أردني عربي مسلم متأثر، مثل أي شخص آخر، بالأحداث التي تجري في منطقتنا، وله كل الحب. والتقدير للشعب الأمريكي. لقد زرت بلدكم عندما كنت أعمل قاضياً مع زملائي القضاة الأردنيين، والتقينا بحكمنا لكم، وقمنا بزيارة محاكمكم، وكان كل من التقينا به طيباً وودوداً. وتعرفنا على التقدم العلمي والإداري في مجمله. لقد استمتعت بجمال الطبيعة والتنظيم الجيد. لقد عدت سعيدا وممتنا، وأتطلع إلى تعزيز صداقتنا مع كل من يحمل الجنسية الأمريكية، بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه. إضافة إعلان لم يجرح مشاعرنا أو يقلل من مشاعرنا. وما حبنا لوطنكم إلا موقف الإدارة الأمريكية وانحيازها الصارخ لإسرائيل، دولة الاحتلال التي قامت بالقوة والتواطؤ على الأرض العربية الفلسطينية بعد تهجير سكانها. ومنذ ذلك التاريخ، طفولتنا مليئة بما حدثنا عنه اللاجئون الفلسطينيون وما تعرضوا له من مجازر وتهجير كمجزرة دير ياسين وقبية، ومن ثم عاشها جيلنا. الغارات الإسرائيلية على مدننا وقرانا، وعلى الصواريخ والقنابل التي كانت تنهمر على رؤوس الفلسطينيين والعرب في دول الجوار. كما تمتلئ ذاكرتنا بأخبار الصحف والتلفزيون عن مشاهد هدم بيوت أهلنا في فلسطين وقتل أبنائهم. وأذكركم بالطفل محمد الدرة الذي تم توثيق مقتله بشريط فيديو، وكذلك مقتل الصحفية شيرين. أبوعاقلة وحرق عائلة دوابشة على يد المستوطنين، وهذه أمثلة على آلاف الحالات المشابهة. أما مصادرة الأراضي الفلسطينية واعتقال الشباب والشابات فهي موثقة أيضاً وشبه يومية. ولا أريد أن أذكر إقامة الحواجز وإذلال السكان الأصليين فيها، ووصل الأمر إلى حد ولادة النساء الحوامل على الحواجز. كما لا أريد الاستفاضة في الحديث عن أشكال التعذيب والممارسات اللاإنسانية، كالاعتداء على الممتلكات وقطع أشجار الزيتون وغيرها الكثير مما يتعرض له شعبنا العربي الفلسطيني. كل هذا يزيد من موجة التطرف والكراهية ضد دولة الاحتلال ودولتكم المنحازة التي تطبق معايير مزدوجة في سياستها تجاه القضية الفلسطينية. وفي الختام يا معالي الوزير، أكثر من نصف الشعب الفلسطيني مهجر في كل أنحاء الأرض، في حين أن معظم سكان دولة إسرائيل يأتون من كافة أصقاع الأرض… لقد أصبحوا أهل البيت والوطن. الفلسطينيون هم الغرباء الذين إما تحولوا إلى شعب يعيش تحت وطأة الاحتلال ويعاني من أسوأ نظام عنصري. أما في العصر الحديث أم للاجئين، وفي بلادي هناك العديد من المخيمات وما زالت أسرهم تحتفظ بمفتاح المنزل الذي نزحوا منه تحت تهديد السلاح، وهم ينتظرون منذ عقود تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، ووعود الإدارات الأميركية المتعاقبة بحل الدولتين، لكن وعود التخدير والطاولة لم تقدم المفاوضات أي بصيص أمل أو امتياز. بل إن الانتهاك والظلم وهدر الكرامة يتضاعف كل يوم، وما زال شعبنا العربي يحمل «صخرة سيزيف» ولكن دون خطأ. أحضر لك هذه المقدمة لأسألك: ماذا تقصد بقولك: “لإسرائيل الحق في الدفاع عن النفس؟” لسوء الحظ، فإنك تكرر ذلك أينما ذهبت وتحدثت. فهل المحتل، بحسب ما ورد في قرارات الأمم المتحدة التي أقرتها، يعطي حق الدفاع عن النفس للمحتل؟ هل الدخول إلى بلدة حوارة في فلسطين إطلاق النار على السكان وحرق المنازل والسيارات والدعوة لإبادة أهلها من وزير إسرائيلي صافحوا به هو دفاع عن النفس؟! هل كان مقتل الطفل محمد الدرة دفاعاً عن النفس؟! هل كان مقتل زميلتكم الصحفية راشيل كوري بالجرافة دفاعاً عن النفس؟! هل كان مقتل الصحفية الفلسطينية الأمريكية شيرين أبوعاقلة دفاعاً عن النفس؟! والآن هل قصف أحياء بأكملها في غزة، والصورة هو أوضح دليل على الدفاع عن النفس؟! أليس سقوط 2850 شهيداً وجرح نحو 10 آلاف، بينهم 60% من الأطفال والنساء، حتى لحظة كتابة هذا المقال، كافياً لإنهاء عملية الدفاع عن النفس؟ نحن في الستينات من عمرنا يا معالي الوزير، ومنذ الصغر ونحن ننتقل من حرب إلى أخرى. من الاحتلال إلى الاحتلال الأوسع، ومن تهجير الآلاف إلى تهجير مئات الآلاف، الفضل الأول والأخير لكم هو التمويل من أمريكا، والسلاح من أمريكا، والدعم من أمريكا، حتى وصل الأمر إلى التطوع، وخداع الإعلام، و بدعوى أن رجال حماس قطعوا رؤوس الأطفال وأحرقوهم، ونحمد الله أن هناك أصحاب ضمير. وفي أمريكا كشف الكثير منهم الحقيقة، واليوم نصحو على مقتل طفل فلسطيني يبلغ من العمر ستة أعوام في ولاية إلينوي… ألا تظنون أن كذبة نتنياهو التي قيلت لكم و الذي اعتمدتموه ساهم في هذه الجريمة النكراء؟ وأعود إلى مبدأ حق الدفاع الشرعي الذي لا خلاف عليه من الناحية القانونية في كافة التشريعات القانونية الدولية. حق الدفاع المشروع هو حق ثابت في حالة الهجوم، وبالفرض إذا كانت أعمال رجال المقاومة مثل الاعتداء على القواعد العسكرية والمستعمرات المقامة على الأراضي المحتلة، فإن الرد سيكون في حينه. والاعتداء جائز ومشروع. وأيضاً، معالي الوزير، يجب أن يكون الهجوم غير قانوني. حصار شعب في سجن مفتوح منذ 17 عاماً وقصفه أسبوعياً يوضح ما يفعله رجاله. إنهم يحاولون محاصرة أنفسهم، كما يقول شاعرهم محمود درويش، ويعتبرون ما يفعلونه دفاعاً عن النفس. وحق الدفاع مشروط. أن المعتدي لا يستطيع أن يدفع الاعتداء إلا بالقوة، وإذا وقع يجب أن يكون متناسباً مع الفعل، ويجب أن يقع على شخص المعتدي. هل تستطيع إسرائيل رفع الحصار عن سكان غزة؟ ألا تستطيع إسرائيل محاربة رجال حماس دون الإضرار بملايين المدنيين؟ هل تدمير أحياء بأكملها واستشهاد 700 طفل خطأ؟ أم على أساس حق الدفاع الشرعي الذي ذكرتموه مراراً وتكراراً؟ سعادة الوزير، ألا تشاهد التلفاز ودماء الأطفال المنقولة إلى المستشفيات التي يطلب منها الإخلاء… تخيل إخلاء مستشفى بتجهيزاته ومرضاه وأطبائه تحت وابل القصف الجوي الذي لا يتوقف. فهل هناك غطرسة وقوة ظالمة عبر التاريخ تطالب بذلك؟ إن دولة الاحتلال التي تقتل وتهجر وتنتهك كافة القوانين والأنظمة الدولية لم تكن لتفعل ذلك لولا الرعاية والحماية الأمريكية. كيف لنا يا معالي الوزير أن نكون أصدقاء وأنت لا تمد يدك إلا لإسرائيل؟ هل دولة إسرائيل، التي توصف بأنها دولة فصل عنصري، مهمة إلى هذه الدرجة بالنسبة لكم؟ هل إسرائيل دولة أمريكية غير معلنة؟!! أفيدونا لوجه الله حتى نعرف مع من نتفاوض. معالي الوزير، أنا مواطن عربي بسيط سعيد في بلدي. إنني أؤمن بحكمة قائدي جلالة الملك. أنا فخور بجيشي وقضيتي، كما هي قضية كل أردني، وهي فلسطين. أريد الأمن والاستقرار لي ولعائلتي، ويهمني أن أكون صديقاً للشعوب الأمريكية والأوروبية التي تعلمنا معها وعقدنا صداقات مع شعوبها… عندما نلتقي بالسياح الأمريكيين أو الأوروبيين في بلادنا، ونحن نرحب بهم وندعوهم إلى بيوتنا بغض النظر عن دينهم. وفي هذا الصدد، أنت وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية وقد أعلنت دينك، وهذا ليس عيبا. ولكني أقسم بالله أن تتجرد من يهوديتك عند البت في قضايا شعوبنا المضطهدة، وأن تكون كإنسان موضوعي ومحايد، عليك أن تقف مع ضميرك، وتعمل على رفع العصا عن رؤوسنا. والحفاظ على كرامتنا، وإعطاء شعبنا الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته، وقرارات الأمم المتحدة تدعو إلى ذلك. أطلب منكم أن تتخلىوا عن الأغنية المحطمة لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، أم ننتظر؟ حتى تقصفنا إسرائيل بالسلاح النووي حتى تتوقف عن ترديد «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها». وفي الختام، اسمحوا لي أن أتقدم إليكم بالتعازي في الطفل الفلسطيني الأمريكي الذي قُتل جراء أجواء التهييج والتحريض والدعاية والتصريحات المضللة في بلادكم. أتمنى لكم وللشعب الأمريكي بجميع أديانه وأعراقه السعادة والأمان.

رسالة إلى وزير الخارجية الأمريكي..

– الدستور نيوز

.