.

أخبار منوعة – من “الماريكان” إلى الغيوان.. رحلة الفن المغربي بين الانبهار والوعي الجمعي

الفن و الفنانينمنذ دقيقتان
أخبار منوعة – من “الماريكان” إلى الغيوان.. رحلة الفن المغربي بين الانبهار والوعي الجمعي


دستور نيوز

وقبل أن يسجل المؤرخون تحولات المغرب المعاصر، كانت الأغنية قد فتحت كتب أسرارها وسبقت الجميع إلى قلب المشهد. سارت في الأزقة، وعبرت عتبات المنازل، واستخرجت من ارتعاش الأصوات حقائق لم تتمكن الوثائق من التقاطها. من هنا، نهض حسين سلاوي كالعين الشعبية القوية، يراقب الحداثة وهي تزحف بخفة ماكرة، وتكشف عما تحمله من تألق ساحر وقلق كامن في الوقت نفسه. ثم جاء ناس الغيوان كالرجفة الجماعية التي هزت الضمير المغربي وانتزعت صوته من قبضة الصمت عندما اشتدت الخناق على الروح. وبين السلاوي الذي تعقب مجتمعاً كان يستعجل تغيير ملامحه، والغيوان الذي سقط في نفس الجرح وفجر جمرة السؤال في أعماقه، انكشفت لحظة نادرة ارتفع فيها الفن فوق الترف، وتجاوز الزينة، وتجاوز الخطابات في قول ما يحدث بالفعل.

عندما غنى حسين سلاوي الحداثة

وفي الوقت الذي كان الناس يرددون الأغنية قبل أن يرفعها الصوت إلى مقام الغناء، شق حسين السلاوي طريقه من شقوق ذاكرة الأمة، وليس من أثير الإذاعة. “الماريكان” لم تكن أغنية عن بلد بعيد. وكانت مرآة مائلة أمام المغرب. رأى فيها صورته تواجه حداثة لم يهضمها بعد، فابتسم لها ابتسامة شك خفيفة. “الماريكان” هي أغنية عن أمريكا الجغرافيا، وعن أمريكا الرغبة: الرغبة في الهروب من العادة، من الفقر، من التكرار اليومي الذي هو نفسه كل صباح. لكن في الوقت نفسه كانت سخرية ناعمة، وكأن سلاوي يقول:

كيف نركض نحو الصورة ونحن لا نعرف أهي مرآتنا أم قيدنا؟ ولا نجد في صوت السلاوي استغرابا تاما ولا رفضا قاطعا. نسمع مسافة ثالثة لا يجرؤ إلا الفن على استكشافها: مسافة تسمح لنا بالضحك على الحلم وهو يتشكل. كان السلاوي يصور «الماركان» كاختبار للوعي المغربي، إذ يتأرجح بين القفطان والبدلة، بين الزجل وإيقاع الجاز الذي لم يألفه بعد. الأغنية في عمقها هي رحلة تحول داخلي: عندما يصبح الإنسان غريباً في لغته وهو لا يزال في مكانه. وكأن السلاوي يلمح إلى أن «الماركان» غير موجود. يبدأ الأمر عندما نبدأ في تقليد ما لا نفهمه تمامًا. ثم تأتي المفارقة التي تجعل العمل أقرب إلى حكمة شعبية مقنعة: كلما بدا “الماريكان” وعدا بالخلاص، بدا أيضا احتمالا آخر للخسارة. هل الحداثة باب مفتوح أم مرآة مضللة؟ السلاوي لا يجيب، يترك الأغنية ليمشي وحيدًا في الشارع، يراقب الناس وهم يحلمون دون أن يلاحظوا أنهم أصبحوا جزءًا من الحلم نفسه. وهكذا يتحول «الماريكان» إلى سؤال وجودي: هل نحن الذين ذهبنا «إلى هناك» في الخيال، أم أن «هناك» من جاء إلينا على شكل أغنية؟

وبهذا المعنى يتحول «الماريكان» إلى سحر بصري: كل ما فيه يسبق إيقاع العين، ويضيء أكثر مما اعتادت عليه الحواس، ويبعد عن الخيال الذي خرج من أزقة المدينة القديمة بما يكفي ليحدث رعشة طفيفة في الوعي. أما السلوي فهو لا يرفض هذه الصورة ولا يرفعها إلى مرتبة القداسة، لأنه يعلقها بين الأخلاق والفكر، وكأنه ينظر إلى تجربة لم تنضج حكمتها بعد.

تلتقط الأغنية لحظة نادرة في تاريخ الثقافة المغربية. لحظة شكّل فيها الراديو صورة العالم، ورسمت القصة معالمها قبل أن تفعل الصورة ذلك. ولذلك فإن “الماريكان” عند السلاوي لا يظهر فقط كجغرافيا سياسية. ولعلها قريبة من أسطورة حديثة تتشكل في المخيلة الشعبية قبل أن تستقر على الخرائط. لقد وعدت بحياة أخرى محتملة، لكنها أخفت تكلفتها الحقيقية، ولم تمنح المستمع سوى بصيصها الأول. بعد ذلك، يفتح “Marikan” طبقة مخفية أكثر، مما يضع الهوية نفسها على المحك. لذا فإن السؤال ليس: هل يجب أن ننتقل إلى هناك؟ ولكن ماذا سيحدث لنا إذا وصلنا إليه؟ هل يبقى الإنسان على حاله عندما يغير أدواته، وسرعته، وملابسه، وحتى طريقة صمته؟ أم أن كل تغيير يمس المظهر يثير شيئا أعمق في الداخل ويعيد تشكيل الروح من حيث لا نشعر؟

في هذه الأغنية، لا يقدم حسين السلاوي كلمات عابرة عن زمن التغيير، لأنه يفتح أمامنا مشهدا اجتماعيا ينبض بالحركة والدهشة والاضطراب. منذ أول صيحة في النص، نشعر أن العالم الذي اعتاد عليه الناس بدأ يتفكك أمام أعينهم، وأن إيقاعا جديدا قد تسلل إلى الأزقة والبيوت والأسواق دون استئذان. يلتقط السلاوي التغيير في لحظة تشكيله، ومن هذا الارتباك بالتحديد تخلق الأغنية توترها العميق. إنها تستمع إلى ما ينكسر في داخلها عندما يعتقد الناس أنهم يقتربون من صورة أفضل لحياتهم.

في «الماريكان»، يختار السلاوي أصغر التفاصيل ليكشف عن أكبر التحولات. إنه لا يتحدث بلغة مجردة، بل يزرع أمامنا أشياء ملموسة: الشينغوم، والسيجار، والروم، والدولارات، وعبارات مثل “حسنًا” و”وداعًا”. بهذه اللمسات الدقيقة تتحول الأغنية إلى لوحة حية تسمع فيها الأصوات، وترى الموضات، وتلمح الأذواق والكلام والسلوك المتغير. يعرف السلاوي أن الزمن يتغير عندما تتغير نبرة الصوت، وعندما تتلألأ الأشياء الجديدة في العيون، وعندما يبدأ الناس في تقليد ما كان غريباً عنهم بالأمس. ولا يعظ ولا يعلق من برج مرتفع. يراقب المجتمع من الداخل، ويصور مفارقاته بنبرة مرحة تخفي القلق الحقيقي. لذلك، يُشار إلى اللباس والزينة واللغة والعلاقات على أنها علامات سريعة لاضطراب أعمق. كل ما في الأغنية يوحي بأن الناس قد تغيروا في نظرتهم إلى الجمال والهيبة وما يستحق الإعجاب. ولهذا تبدو هذه الأغنية أكبر من أغنية، وأوسع من تعليق ساخر على مرحلة عابرة. التقط حسين السلاوي لحظة اجتماعية في ذروة حركته، وصاغها في نص نابض بالحياة بالصور والإيقاع والذكاء، ثم منحه حياة فنية طويلة لن تنطفئ شعلتها أبدًا.

أليس سر هذه الأغنية أنها تجعلنا نرى المجتمع يتغير أمامنا لحظة بلحظة؟ أليس من المدهش أن يلتقط حسين سلاوي، من كلمات قليلة وأشياء بسيطة، صورة الزمن الذي يفقد توازنه القديم ويركض خلف إيقاع جديد؟ إذن، ألا تكمن قوة “الماريكان” في أنه نص يكشف حيرة الناس وذهولهم وقلقهم في الوقت نفسه؟ فإذا كانت الأغنية قد وُلدت من لحظة تاريخية معينة، فكيف يمكن أن تبقى حية حتى يومنا هذا، إذا لم تلتقط شيئاً أعمق من الحدث نفسه: ذلك الاضطراب الإنساني الذي يظهر كلما دخل الجديد بقوة، وكلما وجد المجتمع نفسه ممزقاً بين ما عرفه وبين ما انجذب إليه؟

الغيوان: سؤال فلسفي بصوت شعبي

في زوايا المدينة التي لم تتعلم بعد فن الأقنعة، خرج أهل غيوان من الظلام وكأن سؤالا قديما قد استعاد صوته. لم يكونوا مجرد مجموعة غنائية. لقد كان اعترافًا جماعيًا بأن الروح الشعبية لا تقل أهمية عن الفلسفة. بل قد تصوغ فلسفة أخرى: أصدق في اللهجة وأقل ادعاءً. كانوا يغنون وكأنهم يستخرجون الكلمات من عمق بعيد، من ذاكرة الطين والخبز. عندما فتح العربي فمه، لم يكن يمنح الناس صوتًا فحسب، بل كان يطلق أيضًا الألم الذي ظل محصورًا في الصدر. آه، ذلك الزمن الذي لم تكن فيه الأغنية تقاس بزخرفتها، بل بصدقها. بقدرته على هز القلب وترك أثر فيه لا يزول. في السبعينيات، لم يكن للخشب زخارف كثيرة، لكنه كان يحمل معنى كثيفًا وغنيًا، يكاد يكون على وشك الخطر. لم تكن هناك أضواء مبهرة، فقط وجوه تتلألأ بالعرق والقلق والأسئلة.

وكانت الكلمات تنتشر بين الناس كالرسائل السرية: “من سمعها فهم، ومن فهم تغير”. ما أجمل ذلك الزمن.. لأنه لم يخجل من عيوبه. اليوم قد يكون لدينا كل شيء: صوت نقي، صورة عالية، منصات لا نهاية لها… لكننا نفتقر إلى شيء واحد كان لدى هؤلاء البسطاء: القدرة على الغناء وكأن العالم توقف عن الاستماع… مفاجأة ناس الغيوان لم تكن أنهم غنوا للشعب، بل أنهم أعادوا تعريف الناس أنفسهم. وفجأة، لم يعد «الناس» مجرد مجموعة من الناس المحتشدين في الأسواق والحافلات؛ لقد أصبحوا كياناً له ذاكرة وجرح ولغة خفية لا تستقر في الدفاتر بقدر ما تحفر في الحناجر. وكانت الأغنية في ذلك الوقت لحناً، وكانت أيضاً مطرقة، تعكس الواقع وتضربه لتكشف ما فيه من شروخ. وكأن السفهاء فهموا مبكراً أن الحقيقة لا تظهر عندما نصفها، بل عندما نزعزعها. كانوا يعملون على شيء أخطر من الفن: الوعي؛ وعي الإنسان الذي لم يقرأ كتاباً، لكنه يدرك، بحدسه الذي لا يضل، أن العالم ليس بخير. أي سر هذا؟ كيف يمكن لصوت بسيط، مصحوب بإيقاع تقليدي، أن يهزم الصمت الاجتماعي الشديد؟ كان الناس يعلمون، دون أن يعلنوا ذلك، أن الإنسان يحتاج دائماً إلى من يشاركه حيرته بصدق.

لم تكن السبعينيات، في جوهرها، فترة موسيقية، بل كانت تجربة وجودية. ولذلك كان كلام الناس يسكن داخل السامع، كأنهم يسكنونه بدلاً من أن يملكهم. اليوم تغير كل شيء.. يسمع الإنسان كثيراً، لكنه نادراً ما يستمع. أصبح الفن يُنتج بسرعة، لكنه بدأ يفقد البطء اللازم ليتحول إلى معنى. أما الغيوان فكانوا بطيئين بما يكفي للوصول إلى العمق، وبسيطين بما يكفي للاقتراب من الخلود. ما كان ذات يوم صوتًا عابرًا في وقت مضطرب أصبح شكلاً من أشكال الحقيقة التي لا تموت. لأنه حفر نفسه في أضعف الأماكن وأصدقها في الإنسان، حيث تفقد السلطة تأثيرها، ولا يستطيع الزمن محوها.

شكراً للشعب… لأنهم فهموا، دون تفكير، أن الكلمة عندما تخرج من الحلق لا تبحث عن تصفيق، بقدر ما تبحث عن قلب يحبه. شكرا للشعب الذي لم يترك الأغنية وحدها في العراء. سكنوها.. أصبحوا صدى لها وامتدادًا لها، حتى لم يعد من الممكن التمييز بين من يغني ومن يستمع. شكرًا لهم لأنهم آمنوا بأن الفن ليس رفاهية، بقدر ما هو وسيلة أخرى للبقاء. والصوت مهما كان بسيطا يمكن أن يكون وطنا صغيرا نلجأ إليه عندما تضيق بنا الدنيا.

دعونا نتأمل؛ وإلى حديث آخر.

#من #الماريكان #إلى #الغيوان. #رحلة #الفن #المغربي #بين #الانبهار #والوعي #الجمعي

من “الماريكان” إلى الغيوان.. رحلة الفن المغربي بين الانبهار والوعي الجمعي

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – من “الماريكان” إلى الغيوان.. رحلة الفن المغربي بين الانبهار والوعي الجمعي

المصدر : www.hespress.com

.