.

أخبار منوعة – مقام الكلمات وصرح الذاكرة.. شهادة في رحيل الزاخر عبد الغني أبو العزم

الفن و الفنانينمنذ 10 دقائق
أخبار منوعة – مقام الكلمات وصرح الذاكرة.. شهادة في رحيل الزاخر عبد الغني أبو العزم


دستور نيوز

في مشهدنا الثقافي، لدينا صداقات وعداوات قد تكون في قلب الحياة الأدبية. ولكن، بالإضافة إلى هؤلاء وأولئك، لدينا أيضًا أنساب، قرابات تتجاوز النسب إلى ما هو أقرب وأبقى. وأنا على يقين أن المرحوم الكبير عبد الغني أبو العزم كان من أقاربي المقربين، وهذه القرابة لها وجوه ومظاهر كثيرة.

الأول هو أننا من نفس الأصول؛ وتمتد أصوله إلى منطقة الشياضمة أطراف مدينة الصويرة، وكان لقبه “الشيدامي” قبل أن يستبدل لقبه الأصلي باسم “أبو العزم”. وقد جمعته مع والدي رحمهما الله في نفس العام الذي تم فيه استبدال اللقب.

نشأ الفقيد في حي الزاوية العباسية، وكانت الزاوية وساحة الداس مقابل مرقد الولي أبي العباس السبتي وباب تغازوت من أخصب مراعي شبابي ابن عرصات الملك. وكان الرجل محباً كبيراً لمراكش، وقد خصص لها مساحة كبيرة في سيرته الذاتية «الضريح» و«الضريح الآخر». وبدوري خصصت عدة عناوين للعاصمة المرابطية: «مراكش: أسرار مكشوفة»، «مراكش نوير»، «مراكش التي كانت»، «المغرب العالي»، إضافة إلى روايتي القادمة «دابا مراكش».

كما كانت لي حياة قريبة مع الفقيد، بشارع اللابريهي بالرباط، سنوات امتدت وكأنها فصل سري من قصة: هو في محبسته العلمية منقطع عن مشاريعه الكبرى، خاصة معجمه «الغني الظاهر»، وأنا في دار اللابريهي التي بقيت منجذبا إليها ثلاثة عشر عاما خلال برنامج «مشارف». وهناك أخذ القرب شكله الصامت، دون الحاجة إلى الإعلان، وكأن الأمكنة هي المسؤولة عن حفظ المعنى.

والحقيقة أن مراكش جمعتني بالفقيد ليس فقط كمكان، بل كمصير مشترك. في جغرافيتها السرية، تتداخل الخطى، وتتشابك الظلال، وتجتمع الذكريات. يبدو الأمر كما لو أننا، دون أن ندري، نتشارك نفس الطفولة، حتى لو كانت تفصلنا سنوات. وكما تتشابك أزقة الحمراء، تقاطعت طفولتنا دون أن تلتقى، كذلك على مر الأجيال واصلنا التحديق بعين واحدة.

لذلك عندما قرأت «الضريح» للمرة الأولى، راودني شعور مألوف وغريب في الوقت نفسه: اكتشاف مكان أعرفه، ولكنني أستقبله وكأنني أكتشفه للمرة الأولى. وهذا الغموض هو أحد أسرار ليس الكتاب فقط، بل المدينة أيضًا. وربما يعود أصلها إلى مراكش، حيث تمتزج الذاكرة بالخيال، وحيث يخفي التاريخ القصة.

في «الضريح»، تفتح بوابة قصة عن مدينة قديمة تتهاوى، وأزقة تضيق مع اتساع المدينة وامتدادها إلى أطرافها، وطفولة تكتشف براءتها ثم تهدرها وسط الشغب، وحياة قانعة بالكفاف والعفة، وقصص شعبية تأسر القلب وتسحر الوجدان.

إلا أن القارئ الشاب الذي كنت عليه لم يجد ما كان يبحث عنه في هذا العمل. كنت أبحث حينها عن كتابة تهز الضمائر، عن سير مخالفة للحرام، قتلت الأب، وطعنت في الذوق العام، وعن تجريب خالف الأشكال والأجناس. لذلك، كان تفاعلي مع «الضريح» متواضعاً ومشوباً بالتردد.

لكن الزمن، وهو أعدل النقاد، أعاد ترتيب علاقتي بهذا العمل. مع مرور الوقت، تغيرت زاوية الرؤية. أدركت أن ما أنجزه أبو العزم لم يكن مجرد حنين ساذج، بل تسجيل حميم لذاكرة المكان، واستعادة صادقة لما يختفي. لقد كتب عن مراكش ببساطة شديدة، دون تجميل أو ادعاء، وبرقة النبلاء.

هذا المحبرة الرقيقة، بحبرها المتدفق، الذي كتب الراحل كتاباته عن مراكش، هو ما دفعني إلى أن أكتب فيما بعد كتابنا الجماعي “كانت مراكش”. تطاردني ذكرى تتآكل ببطء، وكأن المدينة تُنتزع من تحت أقدامنا ونحن محرومون من إرادتنا، محاطون بالعجز وضعف الحيلة.

كان هذا الكتاب الجماعي محاولة لمقاومة النسيان؛ دعوة لمد أيدينا إلى معالم مراكش المتبددة، واستعادتها عبر أنفاس الكلمات قبل أن يبتلعها صمت الخرسانة. جمعت في الكتاب أصواتًا من أجيال مختلفة، ليس فقط للكتابة، بل أيضًا للشهادة والقول إن المدينة تتبدد، وأن ما يضيع منها ليس تفصيلًا عابرًا، بل جزءًا من روحها.

وجاءني جوابه بنفس الطريقة: هادئاً، كريماً، حاسماً وبدون تردد. اختار «البنك»، المقهى الذي ارتاده مرة أو أكثر مع والده رحمهما الله، نهاية خمسينيات القرن الماضي، والمكان الذي لم يعد موجوداً إلا في وعيه، فأعاد بناؤه بالكلمات، ظلاً بعد ظل، حتى بدا لي أنه لم يختفي أبداً. ولم يكن اختياره تعسفيا؛ وكان يدرك بإحساسه الشديد أن ظلال الأماكن الصغيرة الهامشية تحافظ على روح المدن أكثر مما تحافظ عليه معالمها الكبرى.

ما يثير الدهشة في مسيرة عبد الغني أبو العزم هو أن الرجل الذي كتب عن «الضريح» بمثل هذا الشغف الشعري، والذي أبدع «ظلال البيت القديم»، هو نفسه الذي قضى عقوداً في بناء قاموس متين على أساس لغوي متين. وهذا التناقض الظاهر يخفي اتساقا خفيا: إن الانتقال من الرواية والشعر والقصة إلى القاموس والترجمة والبحث لا يحدث من خلال انقطاع في الإدراك، بل من خلال تحول في وظيفة اللغة نفسها. تستخدم اللغة في الرواية لاستحضار المكان والذاكرة، وفي القاموس تستخدم لحفظ الكلمات من الزوال. وبقي وعي واحد يؤطره في كلا المجالين. اهتمامه في كلتا الحالتين هو الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه: في الرواية، يتولى مسؤولية الذاكرة الحية لمدينته، ​​لمدينتنا؛ في القاموس، يغذي وحدة وثراء لغته، لغتنا. وكأن كل مدخل هو حجر في عمارة اللغة.

وجاء قاموسه «الغني والمزدهر» يجسد هذا الوعي بشكل هائل: أكثر من 3600 صفحة، تحتوي على نحو 65880 مدخلاً، مع تعريفات 30 ألف كلمة ومصطلح. والحقيقة أن هذا العمل المعجمي العظيم يشبه إلى حد كبير المدينة نفسها: شبكة متينة من المعالم تحفظ الذاكرة إلى الأبد، وتمنح اللغة حصانة ضد النسيان. وكما تحافظ الكتابة الأدبية على روح «مقهى البنك» وغيره من أماكن دراستنا رغم محو المعالم واختفاء المباني، فإن القاموس يحافظ على الكلمات راسخة في ذاكرة لغتنا وفي ذاكرتنا اللغوية.

وتصبح اللغة بهذا المعنى مكانا أبديا، مدينة لا يمكن أن يدمرها زلزال أو تعصف بها رياح العولمة. القاموس كالمدينة يبنى من الداخل، وتحفظ أزقتها ومعالمها بالكلمات، ليتجول القارئ فيها ويستنشق عبير الحياة، ويجد فيها مأوى لذكراه وجوهره وكيانه. هنا تحتضن الذاكرة اللغة، ويصبح كل مدخل وكل مصطلح فضاءً حيًا نابضًا بالحياة. ومن هذا المنطلق، يمكننا اليوم أن نقرأ رحلة عبد الغني أبو العزم كرحلة واحدة: من سرد المكان إلى عمارة اللغة، ومن استحضار الذاكرة الحية إلى الحفاظ على الكلمة، وكلها أشكال من المقاومة، والاهتمام بالذاكرة، وانتصار الضمير.

والحقيقة أن الرجل، حتى في عمله المعجمي، بقي مشابهًا لنفسه. كان من مؤسسي المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، وقد جعله تشبعه بحقوق الإنسان وحقوق المرأة على وجه الخصوص، ينتصر على تأنيث الحروف، التي دأبت القواميس العربية على حذف مدخلاتها ومشتقاتها. ولذلك أصر على أن يحتل حرف التاء حضوره الفعلي في قاموسه «الغني والمزدهر»، من أجل إنصاف المرأة وحضورها المتزايد في الواقع والخطاب العربي المعاصر.

وعلى عكس من حاول فصل مغربية المغاربة عن عروبتهم، وكأن غزة وتازة ليسا شقيقتين شقيقتين، ظل أبو العزم، المدافع الكبير عن لغة الضاد، مشبعا بمغربيته. ولم يتردد في إدراج العديد من المفردات المغربية المحلية في قاموسه، معتبرا الاقتراض اللغوي جزءا لا يتجزأ من حيوية اللغة العربية وأحد وسائل تجديدها.

وأخيراً، إذا كان المعجميون القدماء يكتفون بالأدلة من القرآن والحديث والشعر القديم، وإذا كانت المعاجم الحديثة غالباً ما تأتي خالية من الأدلة، فقد أعاد أبو العزم الشاهد إلى مكانه المركزي في «الغني الظاهر». وهكذا فإن انفتاحه وإيمانه بالابتكار لم يبق مجرد موقف نظري أو شعار استهلاكي، بل تجسد في تنوع واتساع مصادر أدلته. وإلى جانب القرآن والحديث والشعر القديم، استقى أبو العزم أدلته من النصوص المعاصرة لكتّاب مثل نجيب محفوظ، وغسان كنفاني، وإدريس الخوري، ومحمد زفزاف، وعبد الرحمن منيف، وعبد الإله بلقزيز، والطاهر وتار، وأسماء أخرى.

وهكذا لن تجد في معاجم العربية اليوم قاموساً يطابق «الغني المزدهر» في الغنى، بعد أن أصبح نطاق الأدلة فيه أوسع نطاقاً ومجالاً.

رحلة المرحوم، من قبر أبي العباس إلى مقهى البنك، ومن الشعر والروايات إلى القاموس، ليست مجرد إنتاج أدبي أو علمي، بل هي رحلة مستمرة نحو حفظ الذاكرة، ذاكرة المدينة وذاكرة الكلمة على حد سواء. وقد سعى أبو العزم في مجموع إنتاجه الأدبي والمعجمي إلى حفظ ما يمكن حفظه، وسعى إلى إحياء الأماكن والكلمات المهددة بالنسيان. وهكذا بنى لنا مدينتين متوازيتين: مدينة حية بالضمير، وأخرى صلبة باللغة، ولكل منهما نصيبها من الدقة والعناية والمحبة. وهكذا يبقى أبو العزم نموذجاً للكاتب والأديب والمواطن، الذي يجمع بين شغف المكان والعناية بالكلمة، ويعلمنا أن كل كتابة حقيقية هي عمل حفظ وحب في نفس الوقت.

وكان الراحل شاهدا على زمن مغربي صعب. تحدى نيرانها، واحتمل محنها، دون أن تفقده المصاعب حساسية الكاتب أو تواضع الإنسان. وظل وفيا لقناعاته، ثابتا في مواقفه، لطيفا في روحه.

برحيله تفقد مراكش أحد حراس ذاكرتها، ونفقد صوتا عرف كيف يستمع إلى ما لا يقال. لكن عزائنا أن ما كتبه سيبقى، وأن الأثر الذي تركه فينا وفي مدينته أعمق من أن يختفي.

غدًا، عندما أعبر باب تغازوت وأنظر نحو الزاوية العباسية، سأرى مقامًا آخر قد تم الانتهاء منه بالفعل، ليس في الحي القديم، ولكن في ذلك الفضاء غير المرئي الذي يقيم فيه الكتاب الكبار عندما يغادرون أجسادهم الفانية ليعيشوا إلى الأبد في كتاباتهم. ورحم الله صاحب «الضريح» و«الضريح الآخر». رحم الله عبد الغني أبو العزم، وجعل كلماته جسوراً للعبور للأجيال القادمة نحو مراكش التي كانت، ومراكش التي لا تزال، ومراكش التي ستبقى.

مراكش في 9 أبريل 2026

#مقام #الكلمات #وصرح #الذاكرة. #شهادة #في #رحيل #الزاخر #عبد #الغني #أبو #العزم

مقام الكلمات وصرح الذاكرة.. شهادة في رحيل الزاخر عبد الغني أبو العزم

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – مقام الكلمات وصرح الذاكرة.. شهادة في رحيل الزاخر عبد الغني أبو العزم

المصدر : www.hespress.com

.