دستور نيوز
عنب بلدي – علاء شعبو
لم تكن «ضربة حظ» عابرة، بل بداية سلسلة خسائر انتهت بديون ثقيلة وانهيار حياة بأكملها.
وفي اللاذقية، أنهى علاء (38 عاماً)، وهو أب لابنتين، حياته بعد انخراطه في لعبة “العيشنسي”، بحسب مصادر مقربة منه.
وكان علاء يعيش حياة مستقرة نسبياً قبل أن ينخرط في إحدى ألعاب القمار الإلكترونية، والتي تحولت تدريجياً إلى خسائر مالية كبيرة تقدر بنحو 200 مليون ليرة سورية، وضغوط متزايدة انتهت بشكل مأساوي.
ومثل علاء، تكشف الشهادات المقطعية آلاف الحالات المشابهة، لشباب وشابات في سوريا، وجدوا أنفسهم محاصرين في شبكة قمار إلكترونية، تتضخم فيها الخسائر بسرعة، تاركة آثارًا نفسية ومالية شديدة تمتد إلى عائلاتهم، ما يسلط الضوء على ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة.
من تجربة عابرة إلى الإدمان المالي
وتحدث “محمود” (اسم مستعار) لعنب بلدي عن بدايات تجربته مع تطبيقات المقامرة الإلكترونية، قائلًا إنها بدأت من باب التجريب وبمبالغ مالية بسيطة. «التجربة الأولى (عيشانسي) كانت بمبلغ لا يتجاوز الثلاثة آلاف ليرة، ربحت خلالها نحو 15 مليون ليرة، ما جذبني للاستمرار، ولاحقاً واصلت اللعب حتى أنفقت كل ما أملك، وأحاول تعويض خسائري وتحقيق ربح جديد».
وأضاف «محمود» أن التجربة خرجت عن نطاق السيطرة تدريجياً، حتى وصل إلى بيع ذهب زوجته من أجل تغطية الرهانات وتغطية الخسائر المتراكمة، في محاولة أخيرة لتعويض ما فقده.
وشكلت هذه الخطوة نقطة تحول حاسمة، إذ «استفاق على مدى الخسارة» بعد ذلك، ما دفعه إلى التوقف تماماً عن اللعب والانفصال عن هذه التطبيقات نهائياً.
من “إيشانسي” إلى التطبيقات الأخرى
وتشير الشهادات التي جمعتها عنب بلدي إلى أن ظاهرة المقامرة الإلكترونية لا تقتصر على تطبيق واحد، بل تشمل عدة منصات متداولة بين المستخدمين، منها تطبيقات مثل “WayxBet” و”1xBet” و”Texas4win”، بالإضافة إلى منصات أخرى أقل شهرة وتنتشر عبر روابط إعلانية أو وسطاء محليين.
تعمل هذه التطبيقات بطرق مماثلة، حيث تجذب المستخدمين من خلال المكاسب الأولية أو العروض الترويجية، قبل إدخالهم في دورة من الرهانات المتكررة والخسائر المتصاعدة.
كما أنها تستخدم ما يعرف بـ “الجائزة الكبرى” والتي يتم عرضها بأرقام كبيرة قد تصل إلى عشرات الملايين والمليارات، مما يعزز شعور المستخدم الدائم بأن الربح الكبير “قريب”.
الهرم «المحترق».. شبكة الأرباح من الخسائر
وتكشف الشهادات عن هيكل شبه هرمي لإدارة هذه التطبيقات، بدءًا من “أمين الصندوق”، مرورًا بـ “السيد”، وصولاً إلى “سيد الإنترنت”.
وتوزع الأرباح بنسب متزايدة:
- “أمين الصندوق”: حوالي 25%.
- “الماجستير”: حوالي 35%.
- “سايبر ماستر”: بين 45 و60%.
وتشير الشهادات إلى أن ما يعرف بـ”الحرق” يقوم على بيع رصيد اللعب بسعر زهيد (مثل مليون ليرة بـ 400 ألف)، ثم إعادة تدويره ضمن النظام لتحقيق أرباح من خسائر المستخدمين.
مئات الملايين شهرياً.. اقتصاد موازي
ويقدر لاعب سابق حجم التداول المالي ضمن هذه الشبكات بأرقام مرتفعة، لافتا إلى أن بعض الشبكات قد تدير عمليات مالية شهرية تبدأ من نحو 700 مليون ليرة سورية وقد تتجاوز ذلك بكثير.
في ضوء هذه الأرقام، تبدو خسارة مئات الملايين، كما في حالة الشاب الذي توفي مؤخراً في اللاذقية، جزءاً من دورة مالية أوسع، تستوعب مبالغ أكبر بكثير على مستوى الشبكات غير المنظمة التي تعمل خارج الرقابة.
قنوات الدفع…مسارات مفتوحة للتحويل
وتشير الشهادات إلى طرق الدفع المتعددة المستخدمة ومنها:
- المحافظ الإلكترونية.
- السماسرة المحليين.
- “الروبوتات” والتطبيقات عبر “تيليجرام”.
وتتم هذه العمليات خارج النظام المصرفي الرسمي، مما يجعل من الصعب للغاية تتبعها أو السيطرة عليها.
البطالة والضغوط الاقتصادية تعزز انتشار المرض
وقالت الأخصائية الاجتماعية بشرى مروة، في حديث إلى عنب بلدي، إن انتشار تطبيقات المقامرة الإلكترونية يرتبط بمجموعة عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية، تجعل فئات واسعة أكثر عرضة للانجذاب إليها، وهي:
- الضغوط الاقتصادية والبطالة
- البحث عن حلول سريعة لتحسين الوضع المعيشي.
- ضعف الوعي بمخاطر الإدمان الرقمي.
- سهولة الوصول إلى هذه التطبيقات عبر الهواتف الذكية.
وفي سوريا، تتجاوز نسبة البطالة 60%، بحسب تصريح وزير الاقتصاد والصناعة في الحكومة السورية، نضال الشعار، في آب 2025.
وبحسب تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بتاريخ 20 شباط/فبراير 2025، ارتفع معدل الفقر في سوريا من 33% قبل الحرب إلى 90%، في حين وصل معدل الفقر المدقع إلى 66%.
وقال التقرير إن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وأن واحدا من كل أربعة عاطل عن العمل.
وأشار إلى أن 75% من السكان يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والوظائف والأمن الغذائي والمياه والطاقة والمأوى.
أما عن الآثار، فأشارت الأخصائية الاجتماعية إلى أن المقامرة الإلكترونية لا تقتصر على الخسائر المالية، بل تمتد إلى:
- الاضطرابات النفسية مثل القلق والاكتئاب.
- تفكك العلاقات الأسرية.
- التراكم السريع للديون.
- الشعور بالعجز وفقدان السيطرة.
ونبهت مروة إلى أن “غياب المراقبة والدعم النفسي المبكر” يجعل بعض الحالات تنتقل من التجربة إلى الإدمان، دون أن تدرك خطورة المسار الذي تسلكه.
قانون غائب… ويستخدم بلا حماية
وفي حديث سابق لعنب بلدي، أوضح المحامي رامي هاني الخير، أن الرهان الإلكتروني هو شكل من أشكال القمار المحظور قانونًا، وأن الملاحقات غالبًا ما تستهدف وسطاء محليين، فيما تبقى الشبكات العاملة خارج نطاق الوصول الفعلي.
يعاقب قانون العقوبات السوري العام جريمة القمار (ضمن المواد 618، 619، 620)، حيث يفرق بين فتح دار قمار والقمار من قبل الأشخاص، حيث يعتبر كلا الفعلين غير قانوني، إلا أن القانون شدد العقوبة على من يفتح داراً للقمار.
ونصت المادة 619 على أن ألعاب القمار هي كل لعبة يكون فيها الحظ هو العامل الغالب على المهارة أو الفطنة.
تعتبر ألعاب مثل “الروليت، والباكارات، والفرعون، وبيتي تشيفو، والبوكر المفتوح” من ألعاب القمار المحظورة، بالإضافة إلى أي ألعاب مشابهة لها أو مشتقة منها.
كما نصت المادة على أن كل من أدار أو أعد مكاناً للقمار سواء كان في مكان عام أو مفتوح للجمهور أو في منزل مخصص لهذا الغرض، بالإضافة إلى الصرافين والعمال والمساعدين في هذه الأماكن، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين والغرامة.
كما يجوز للمحكمة أن تقرر منع المحكوم عليهم من الإقامة في المكان، وإذا كانوا من غير المواطنين يجوز الحكم عليهم بالإبعاد من البلاد.
كما تشمل العقوبات مصادرة الأدوات والأثاث المستخدم أو المعد للعب القمار، بالإضافة إلى إمكانية إغلاق المكان الذي تمارس فيه هذه الألعاب.
وبحسب المادة 620، يعاقب كل من شارك في اللعب في الأماكن المذكورة أعلاه أو تفاجأ بها أثناء اللعب بغرامة تتراوح بين 100 ألف إلى 200 ألف ليرة.
وتزداد العقوبة وفقاً للمادة 33 من قانون الجرائم الإلكترونية السوري رقم 20 لعام 2022 إذا وقعت الجريمة عبر الإنترنت.
متعلق ب
#المقامرة #الإلكترونية #في #سوريا. #إدمان #يهدد #استقرار #المقامرين
المقامرة الإلكترونية في سوريا.. إدمان يهدد استقرار المقامرين
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – المقامرة الإلكترونية في سوريا.. إدمان يهدد استقرار المقامرين
المصدر : www.enabbaladi.net
