دستور نيوز
كتاب «متاهة المرايا وسفر الظلال» ليس كتاب رحلات يضاف إلى رفوف الأدب السياحي، ولا يوميات تعد المدن كما تحصى الأسماء في دفاتر المارة. وهو كتاب الاستماع إلى ما لا يقال. في هذا النص يتم استعادة الرحلة كتجربة حسية وفكرية في نفس الوقت، ويتم استعادة التجوال كفضيلة تعيد ترتيب العلاقة بين الذات والعالم.
يكتب عبد العزيز كوكاس -في كتابه الجديد الذي صدر مؤخرا عن المجلة الأردنية “خطوط وظلال”- عن السفر وكأنه يعيد تثقيف الحواس: العين لا ترى المدن وهي مهيأة لها، واللغة تكشف هشاشة الأشياء. لا تبدو المرايا، كما عند أورسون ويلز، وكأنها أسطح عاكسة بقدر ما هي أدوات للمساءلة، والظلال هي بقايا ذوات لم تكتمل بعد. كل مدينة يتم ترميمها على شكل سؤال، وكل عبور يترك فراغاً صغيراً في النفس لا يمكن ملؤه إلا بالكتابة التي تحاول قول ما لا يمكن قوله.
يفضل النص الكتابة الهجينة التي تكمن على حدود الأنواع: شظايا تجسد خفة إيقاع الشعر وكثافة لغته، ومقاطع سردية تلتقط تفاصيل الحياة اليومية، وتأملات تمس أسئلة الهوية والذاكرة والآخر. في هذا الكتاب، يستخدم كوكاس لغة الاقتصاد الجمالي: صورة واحدة تحل محل صفحة من الوصف، واستعارة مشحونة تحل محل خطاب بأكمله. يقترح الكتاب أخلاقيات للكتابة وأخلاقيات للسفر: أن نكتب للتأمل والاستمتاع، وأن نسافر لنفرغ أنفسنا من اليقينيات المتسرعة، لا لنملأ الذاكرة بصور جاهزة.
وفي عمق التجربة، يضع كتاب «متاهة المرايا وسفر الظلال» القارئ أمام سؤال فلسفي هادئ وعاجل: ماذا يعني الرحيل؟ الرحيل ليس مجرد تحرك في المكان، بل هو إزاحة للهوية وصدمة وجودية. عندما نتخلص من عادتنا، نفقد اللغة التي كنا نسمي بها الأشياء، وعندما تفقد اللغة استقرارها، يتعلم الوعي إعادة اختراع نفسه.
وهكذا يصبح الضياع شرطاً للمعرفة: لا نعرف حتى نؤخر اليقين، ولا نرى حتى نسمح للظل بالمرور بيننا وبين المرآة. في هذا الأفق يتحول السفر إلى تمرين في التواضع المعرفي: الاعتراف بأن العالم أوسع من خرائطنا، وأن الذات أقل اكتمالا مما نحب أن نعتقد.
يمتلك الكتاب حساسية صحفية دقيقة في تصوير الهامشي والعابر: مطار في ساعة متأخرة، غرفة فندق باردة، مقهى في زقاق جانبي… لكنه لا يكتفي بالمراقب المحايد أو عين السائح العاشق بالتقاط الصور، بل يعيد إذابة الحادثة بلغة تحول اليومي إلى رمز. وتصبح الحادثة عتبة للتأمل، والمشهد مرآة تعيد القارئ إلى نفسه.
يقدم الكاتب والصحفي في هذا الكتاب، في تقديري، قطيعة مع كل كتاباته الصحفية والأدبية. إنه يتجه نحو التأمل الفكري، تماماً كما بدأ خطوته الأولى في «في حضرة الإمبراطور الكبير كوفيد التاسع عشر»، كتابة توفق بين العين والفكر، بين التجربة والمعنى، وتعطي للسفر بعداً جمالياً تربوياً: أن نتعلم الاستماع إلى ما تقوله الأماكن عندما نصمت لفترة، ورؤية ما تقوله الظلال عندما لا نقف أمام المرايا كثيراً.
لا يوجد وعد بالوصول في الكتاب، ولا احتفال بالإنجاز كخاتمة. والنهاية هنا حركة أخرى في اتجاه السؤال؛ العودة ليست عودة إلى ما كان بقدر ما هي تجربة ما تغير فينا مع مرورنا. ولذلك يخرج القارئ من هذا النص أقل يقينا، وأكثر عرضة للدهشة، وأقل امتلاكا للحقيقة، وأكثر استعدادا للإصغاء.
إنه كتاب يثير الشك الجميل، والشجاعة لترك الطريق مفتوحا لما لا نعرفه بعد. في زمن تغري فيه الخرائط السريعة بالوصول الفوري، يقترح هذا الكتاب أخلاقيات المشي البطيئة: أن نصادق الضائع قليلاً، لأن هناك شيئاً في الضائع ينقذنا من قسوة اليقين.
#متاهة #المرايا #وسفر #الظلال. #كتابة #هجينة #تعيد #تعريف #أدب #الرحلات
«متاهة المرايا وسفر الظلال».. «كتابة هجينة» تعيد تعريف أدب الرحلات
– الدستور نيوز
اخبار منوعه – «متاهة المرايا وسفر الظلال».. «كتابة هجينة» تعيد تعريف أدب الرحلات
المصدر : www.hespress.com
