دستور نيوز
عنب بلدي – راكان الخضر
لم يكن الخامس من حزيران (يونيو) 1967 عاديا كغيره من الأيام بالنسبة لسكان الجولان، الذي شاء القدر أن يقع على الحدود السورية الفلسطينية، إذ لم يمر سوى 20 عاما على إعلان قيام «دولة إسرائيل» حينها.
واستيقظ الأهالي يومها على صوت عدوان إسرائيلي أدى إلى احتلال قراهم وبلداتهم وتهجيرهم من أراضيهم، مما اضطرهم إلى النزوح إلى المحافظات المجاورة درعا ودمشق وريفها.
ورغم آمال البعض في أن يكون الرحيل لفترة قصيرة، إلا أن ذلك التاريخ مر أكثر من نصف قرن، دون أن يعود الجولان، وماتت أجيال ممن عاشوا تلك الحقبة، وفي المقابل ولدت أجيال أخرى من سكان الجولان، لم يعرفوا عنها شيئا سوى حكايات أهاليهم عن قراهم وحياتهم هناك.
رجل ثمانيني يستذكر ذكريات “دير ساراس”
يقول عبد الرزاق عودة المرشود: “نزحت من قريتي وعمري 16 عاماً، وكنت حينها في الصف التاسع، متوجهاً مع عائلتي إلى دمشق نتيجة العدوان الإسرائيلي على الجولان”.
الرجل الثمانيني من قرية دير ساراس في الجولان المحتل، قال لعنب بلدي إن الجيش الإسرائيلي لم يسمح للأهالي بالبقاء في القرية، وتركهم أمام خيارين: إما الرحيل أو القتل، ما أدى إلى إفراغ البلدة من سكانها بقوة السلاح.
وأضاف عبد الرزاق أن قريته تشتهر بمعالمها الأثرية، وتقع على كتف وادي دير ساراس. يحدها من الشرق قرية العليقة، ومن الشمال الوادي وقرية الدبورة، ومن الغرب قرية جلبينا وجسر بنات يعقوب، ومن الجنوب طريق دمشق فلسطين وقرية نعران وهي امتداد لقرية دير صرص.
ويتذكر عبد الرزاق علاقات الناس في الجولان في تلك الأيام، حيث اعتمد الناس على الزراعة، وكانت الحياة الاجتماعية تقوم على الألفة الكبيرة بين الناس في جميع القرى المجاورة، من خلال المشاركة في الأفراح والأحزان، وكان الأغنياء يساعدون الفقراء ويقدمون لهم المساعدات.
وعن بعض تفاصيل طفولته، قال إنه كان يذهب إلى المدرسة سيرا على الأقدام، مسافة حوالي كيلومتر واحد، وأن المشقة زادت في المرحلة الإعدادية، حيث اضطر للدراسة في قرية السنابر المجاورة التي تبعد أكثر من خمسة كيلومترات.
وكانت مدرسة قرية السنابر الإعدادية هي المدرسة الوحيدة في منطقته، ويستذكر تلك “الأيام الجميلة رغم كل البؤس والمعاناة التي عاشتها”.
ورغم مرور سنوات طويلة على النزوح، إلا أن ذاكرة عبد الرزاق لا تزال حية، واصفا طبيعة الجولان بأنها جميلة ومتنوعة بين الوديان والسهول والتلال والينابيع، مما يلبي متطلبات أي إنسان من حياة هادئة ومريحة مع طبيعة خلابة.
أتمنى العودة رغم مرور السنين
ولا يزال عبد الرزاق عودة المرشود يقتل نفسه بشوق العودة إلى قريته، بحسب تعبيره، مشيراً إلى أنه لم يفقد الأمل في العودة إلى مسقط رأسه رغم هذه السنوات الطويلة من الغياب القسري.
وقال إن كبار السن الذين عايشوا تاريخ تهجير أهالي الجولان لم ينسوا تلك المنازل وذكرياتهم، وكانوا يتساءلون دائما متى سيعودون، دون أن يفقدوا الأمل في ذلك، رغم مرور سنوات طويلة على ذلك التاريخ.
وأعرب عبد الرزاق عن أمله في أن يكون للأجيال التي تأتي بعدهم ارتباط قوي بأرض آبائهم وأجدادهم، معربا عن أمله في تحرير الجولان قريبا وعودتهم إلى ديارهم التي أجبروا على مغادرتها.
صلة بأرض الآباء والأجداد
الحنين إلى الجولان لا يقتصر على من عاش في تلك المنطقة وتركها شاباً بعد أن نشأ وبنى أحلام طفولته هناك. هذا ما عبر عنه قتيبة العلي، 40 عاماً، وهو من قرية وادي السمك.
وقال قتيبة، وهو من أبناء عشيرة “الفريج” في الجولان، ويقيم في مخيم “زيزون” للنازحين في محافظة درعا، إنه يزور القنيطرة بشكل مستمر منذ طفولته وحتى الآن.
وبالنسبة لقتيبة، فإن الجولان “يمثل له العزة والفخر. فهو وطن لا ينسى، ورمز الصمود والتاريخ العريق الذي يفوح عطر التين والزيتون. والقنيطرة هي النصف الثاني والجميل من الجولان”.
وأضاف قتيبة أن الفضول كان يدفعه دائمًا إلى سؤال جده وجدته وأبيه عن حياتهم في الجولان. كما استمع إلى كلمات العديد من الأشخاص الذين عاشوا في الجولان قبل الاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى أنه كان يسمع عن جمال وبساطة حياتهم في الجولان، وأنها كانت نموذجاً للحياة الريفية العربية الأصيلة، وتميزت بالتماسك الاجتماعي القوي بين أهلها بالإضافة إلى كرم الضيافة.
حنين وشوق كبير يغمر قتيبة بالعودة إلى الجولان. وهو يشعر بالحنين إلى الوطن الذي ولد فيه والده وجده ونشأوا فيه بكل عزة وكرامة وأصالة، معبرا عن “حنين لا يزول مع مرور الزمن”.
وأعرب قتيبة عن ثقته بأن تحرير الجولان سيأتي لا محالة، معرباً عن أمله في أن يرى ذلك اليوم بأم عينيه ويعيشه عائداً إلى بيت أبيه وجده الذي لم يسبق له رؤيته، بل سكنه وبقي في ذهنه ووجدانه منذ طفولته.
السياق التاريخي لاحتلال الجولان
وسقطت هضبة الجولان تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي خلال عدوان 5 يونيو/حزيران 1967، وتحديداً في أيامه الأخيرة يومي 9 و10 من الشهر نفسه.
وتسبب العدوان الإسرائيلي في تهجير الغالبية العظمى من سكان 131 قرية و112 مزرعة من مناطق الجولان، ولم يتبق سوى بضعة آلاف.
وتتركز التجمعات النازحة في الجولان بشكل رئيسي في محافظة ريف دمشق، وتعتبر الأكبر من حيث عدد السكان. وأبرزها جديدة عرطوز والكسوة بتجمعيها الشرقي والغربي، والسبينة التي تؤوي مهجري الجولان، إضافة إلى مخيم “اليرموك” للاجئين الفلسطينيين، والحجر الأسود، وقطنا، والحسينية.
بينما يسكن أغلبية من تبقى من سكان الجولان في مناطقهم في قرى مجدل شمس ومسعدة وبقعاتا وعين قنيا والغجر، وينتمي غالبيتهم إلى الطائفة الدرزية.
وفي عام 1981، أصدر الكنيست الإسرائيلي قانونا بضم الجولان، وهو الأمر الذي رفضه مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، مؤكدين أن الجولان يعتبر أرضا سورية محتلة.
ولم تكتف إسرائيل باحتلال الجولان، بل وسّعت تواجدها بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، باجتياح المنطقة العازلة بين الأراضي السورية والجولان المحتل. وأقام الجيش الإسرائيلي عدة قواعد لقواته في هذه المنطقة.
ولا تزال قوات الاحتلال حتى اليوم تنفذ عمليات توغل وحملات تفتيش واعتقالات يومية لعدد من الشباب في المنطقة، إضافة إلى إقامة الحواجز العسكرية التي أدت إلى تقطيع أوصال قرى وقطع طرق الاتصال بين البلدات المتجاورة في القنيطرة، ما ساهم في تعقيد حياة الأهالي والتضييق عليها.
طبيعة المنطقة وأبرز معالمها
تبلغ مساحة القنيطرة بما فيها الجولان المحتل 1860 كيلومتراً مربعاً، ويتراوح ارتفاعها من حوالي 300 متر جنوباً إلى 2224 متراً في أقصى شمال شرقها على سفوح جبل الشيخ.
وتعتبر الجولان من أغنى مناطق سوريا بالمياه، وتضم العديد من الينابيع التي تغذي نهري الأردن والحاصباني، بالإضافة إلى وجود بحيرات صناعية للري.
وتتمتع بمناخ البحر الأبيض المتوسط الذي يتميز بالشتاء البارد والصيف المعتدل، وتشتهر بوجود التلال البركانية مثل تل شيخان وأبو الندى، والوديان العميقة مثل وادي الرقاد.
متعلق ب
#النازحون #من #الجولان #المحتل #ضمانة #العودة #التي #لا #تنتهي
النازحون من الجولان المحتل: ضمانة العودة التي لا تنتهي
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – النازحون من الجولان المحتل: ضمانة العودة التي لا تنتهي
المصدر : www.enabbaladi.net
