دستور نيوز
يحتفل العلويون في الساحل السوري بما يعرف بـ”اليوم الرابع” من شهر نيسان/أبريل من كل عام، كمناسبة ذات جذور اجتماعية وزراعية عميقة، ترتبط تاريخياً ببداية الربيع وتجدد الحياة.
ورغم كثرة أسمائه وتقاطعه مع الأعياد الموسمية الأخرى في المنطقة، إلا أن العيد يحتفظ بطقوسه الشعبية التي تعكس مزيجا من الموروث الثقافي والدلالات الرمزية، رغم تراجع حضوره في العقود الأخيرة.
وتقام الاحتفالات بـ”اليوم الرابع” يوم 4 أبريل حسب التقويم الشرقي، وهو متأخر بـ 13 يومًا عن التقويم اليولياني الغربي، ويوافق يوم 17 أبريل حسب التقويم الحديث. علمًا أن هذه المناسبة لا علاقة لها باحتفالات “يوم الجلاء”، الذي يتزامن الاحتفال به مع “اليوم الرابع”، بحسب ما أكد الكاتب الصحفي كمال شاهين لعنب بلدي.
وأوضح شاهين، أحد سكان الساحل، أن هذا العيد اتخذ أسماء وتواريخ محلية مختلفة عبر الثقافات، لكنها متشابهة، حيث أن معظمها تقريبا يقع في شهر أبريل. وأوضح أنها طقوس اجتماعية وزراعية لدى العلويين، وتنتمي إلى الأعياد الموسمية ذات طابع فلكلوري، قبل أن تأخذ طابعاً دينياً.
مصاحبة «شم النسيم» و«النيروز» و«عيد النبي شعيب».
ويشبه هذا العيد إلى حد كبير عيد “شم النسيم” في مصر أيضا، بحسب شاهين، حيث يمكن أن يمتد الاحتفال به لثلاثة أو أربعة أيام.
وفي الوقت الذي كانت تسمى فيه هذه المناسبة بالعيدين “الرابع” و”الزهرية” على الساحل السوري، أطلق عليها في الجنوب عند الموحدين الدروز اسم “عيد النبي شعيب”، في 25 نيسان/أبريل.
ويعرف العيد عند الأكراد في المشرق بـ”عيد النوروز”، وقد وثّق العلاقة بين العيدين الشاعر العلوي منتجب الدين العاني من القرن العاشر الميلادي، عندما قال عن عيد “النوروز” في الشعر: “ونظيره ميقات أنس جدة/ في الرابع من نيسان الميمون” (ديوانه، تحرير هاشم عثمان، مؤسسة النور، بيروت، 2011). لبنان، ص101، 2002).
والمراد هنا أن “الرابع” هو نظير “النوروز” لأنه يأتي بعده في التسلسل التقويمي.
وقال شاهين إن “العيد الرابع” كان يحمل في الماضي معاني أكبر بكثير، تتجاوز الطابع الديني إلى آفاق التاريخ والأساطير والفلسفات العميقة المرتبطة بالتراث العلوي القديم.
وكسائر الأديان التي تلتها في بلاد الشام، أعطيت هذه المناسبة طابعاً دينياً ممزوجاً بروحها التاريخية والثقافية.
الدبكة والطبول والمزمار.. أبرز طقوسه
الدبكة على إيقاع الطبل والناي هي أبرز طقوس “العيد الرابع”، بحسب ما قال شاهين لعنب بلدي، إذ يقف عازف الطبول وسط الساحة وبجانبه عازف الناي، ويبدأ بالقرع على طبله، حيث كانت هذه الطقوس تعبيرًا عن التحرر من العمل الزراعي وفرصة للتفاعل الاجتماعي والاجتماع.
صورة قديمة لطقوس الدبكة في العيد الرابع (الظاهرية) عند العلويين في الساحل السوري
ثم يبدأ الشباب والفتيات بالتحرك نحو الساحة ويمسكون بأيدي بعضهم البعض، معلنين بدء الدبكة، حيث يتنافس الشباب والفتيات لعرض مهاراتهم، والتي تهدف إلى لفت الانتباه إلى العزاب بينهم، حيث تعرف العديد من الأزواج على بعضهم البعض بهذه المناسبة، كما يوضح الصحفي.
صورة قديمة لطقوس الدبكة في العيد الرابع (الظاهرية) عند العلويين في الساحل السوري
طقوس تجسد روح الجبال وصوتها
ولم تكن الدبكة، بحسب شاهين، مجرد حركات رياضية تدور حول الساحات لساعات طويلة، بقدر ما جسدت روح الجبال وصوتها وعلاقتها بالمكان والزمان.
وذكر شاهين أن العلويين كانوا يحتفلون بهذه المناسبة بالقرب من مزاراتهم الدينية التي تتميز بساحاتها الكبيرة، أو في الساحات العامة في القرى والمناطق، حيث تم أيضا بناء المراجيح و”النعال” ليلعب بها الأطفال.
وتقول شهادات من عاشوا في ذلك الوقت أن المسيحيين والمسلمين السنة كانوا يأتون سنوياً للانضمام إلى العلويين في هذه المناسبة.
وتعد “العنازة” في بانياس و”صنبر جبلة” و”الصصافة” في ريف طرطوس، من أشهر مناطق إحياء هذه المناسبة الاجتماعية في الساحل السوري.
ومن الأكلات المعروفة في هذه المناسبة سلق البيض والبطاطس، إذ تتقاطع هذه الطقوس إلى حد ما مع عيد الفصح عند المسيحيين، إضافة إلى توزيع الحلويات.
وأشار شاهين إلى أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي، بدأت هذه المناسبة وغيرها، التي تشكل جزءاً حيوياً من التراث غير المادي للعلويين، تتحول إلى طقوس دينية محدودة النطاق وغير معروفة لدى معظم السوريين، وحتى الأجيال الشابة من العلويين أنفسهم.
ومن عادات العلويين في هذا العيد نقع الزهور في الماء والاغتسال بها في صباح اليوم التالي، تقليداً لقصة موسى وتعبيراً عن التطهير من الذنوب.
تعيد هذه الطقوس إلى الأذهان أسطورة من الأساطير الفينيقية، حيث قُتل الإله تموز الذي كان يحب عشتار، فنبتت من دمه زهرة شقائق النعمان.
وتحمل هذه الطقوس أيضًا رمزًا للجمال الزائل، بحسب شاهين، إذ إن شقائق النعمان زهرة رقيقة تذبل بسرعة، وربما لهذا السبب سُميت الطقوس العلوية بـ”الزهرية”.
وتتوافق هذه الرمزية مع فترة الاعتدال الربيعي التي تتميز بتساوي الأيام والليالي، كمؤشر على الخصوبة والتجدد وبداية فصل الربيع، حيث تزدهر الأرض وتكشف عن كنوزها.
ويتماشى هذا المفهوم مع الفكرة العلوية في التجديد والبعث، والتي تنص على أن الروح تعود إلى مستويات أفضل أو أسوأ حسب تصرفات صاحبها.
كما كان العيد يصاحبه أحيانًا تقديم القرابين والذبائح للإله الواحد، لمن استطاع ذلك، تأكيدًا لتقليد ذبيحة إبراهيم وتعبيرًا عن الدعاء إلى الخالق.
واختتم شاهين حديثه لعنب بلدي بالقول إن عيد “النوروز” عند العلويين هو العيد “الرابع”، أو بتعبير أدق، اعتبرته عدة دراسات يعادل “النوروز”، لكن التغيير والتحول في التقويمات المستخدمة آنذاك واليوم أدى إلى الاحتفال به في 4 نيسان حسب التقويم الشرقي، بينما يحتفل الأكراد بعيد النوروز في 21 آذار حسب التقويم الغربي.
متعلق ب
#عيد #الرابع. #طقوس #تعكس #تراث #العلويين #في #الساحل
“عيد الرابع”.. طقوس تعكس تراث العلويين في الساحل
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – “عيد الرابع”.. طقوس تعكس تراث العلويين في الساحل
المصدر : www.enabbaladi.net
