.

اراء و اقلام الدستور – عندما يصبح القرار خارج البلاد: عن أي دولة نتحدث؟

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – عندما يصبح القرار خارج البلاد: عن أي دولة نتحدث؟


دستور نيوز

بقلم ديفيد عيسى

ومع تراجع وتيرة الحرب، وتكثيف الجهود الدولية لوقفها، يفرض سؤال ملح على اللبنانيين: أي وطن نريد؟

إن السجال في لبنان حول تنوع الآراء ووحدة القرار لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة فرضتها طبيعة المرحلة وخطورة التحديات التي يواجهها اللبنانيون على مختلف الأصعدة.

عن أي دولة نتحدث عندما تتخذ قرارات مصيرية بحجم الحرب والسلام خارج إطار الإجماع الوطني والمؤسسات الدستورية؟ ما نوع الشراكة التي نتحدث عنها عندما يكون جزء من… اللبنانيون أن رأيهم مرفوض مسبقاً، ويتهمون بالخيانة والتواطؤ لمجرد تعبيرهم عن موقف سياسي مختلف، وأؤكد هنا (موقف سياسي معارض)، في تكرار متكرر لسجل فقد أي قيمة مقنعة، وهم مهددون، بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى لو عبروا عن آرائهم سلمياً وديمقراطياً وتحت سقف القانون؟

الوطن بمعناه البديهي العميق ليس مجرد حدود جغرافية أو انتماء عاطفي، بل هو مساحة مشتركة مبنية على عقد وطني واضح يضمن التوازن بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ويؤسس لاحترام التعددية في إطار وحدة القرار السيادي، بحيث لا يغلب أي رأي على آخر بالقوة أو بحكم الأمر الواقع.

لكن ما نشهده اليوم يثير سؤالاً مشروعاً لا يمكن القفز عليه: هل من المعقول أن نطلب من الفريق المعارض للحرب أن يصمت، أو أن نقف شاهداً على حرب راح ضحيتها آلاف الضحايا، بينهم شهداء وجرحى، في جولاتها المختلفة؟ إضافة إلى أكثر من مليون نازح، ودمار واسع النطاق طال مئات المدن والقرى في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية وبيروت والبقاع، وانهيار اقتصادي ومالي ومعيشي غير مسبوق، دون أن يُمنح لهذه الفئة حق النقاش أو حتى الاعتراض السلمي المشروع؟

وفي هذا السياق، كان رفض الحرب موجهاً بشكل واضح ضد من أدخلوا البلاد فيها، لكنه ظل في جوهره موقفاً سياسياً بحتاً، لا يشكل بأي حال من الأحوال تهديداً لهم.

إن مجرد طرح هذا السؤال لا ينبغي أن يقابل بالخيانة، بل بالمناقشة. وعندما يصبح الاعتراض السلمي موضع شك أو تهديد، فإن ذلك لا يعبر عن موقف قوي، بل يعبر عن خلل عميق في مفهوم الشراكة الوطنية، ويضرب أحد أهم أسس النظام الديمقراطي، وهي حرية الرأي والتعبير.

ولا يمكن إنكار أن هناك من يرى في خيارات المواجهة بعداً استراتيجياً أو أخلاقياً مرتبطاً بصراعات إقليمية أوسع، وهذا الرأي له حسناته بين أصحابه.

لكن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود هذا الرأي، بل في تحويله إلى خيار إلزامي مفروض على جميع اللبنانيين، وكأن تنوع وجهات النظر لم يعد مقبولا، وكأن الإجماع قد حل محل الإكراه السياسي أو الأخلاقي.

ومن هنا يبرز دور الدولة كمرجعية توحيدية لا غنى عنها، ليس كخيار سياسي بين الخيارات، بل كإطار إلزامي لتنظيم الحياة الوطنية.

الدولة وحدها، من خلال مؤسساتها الدستورية المنتخبة، هي المخولة باتخاذ القرارات الحاسمة، وفي مقدمتها قرارات الحرب والسلم، لأنها وحدها تعبر، نظرياً وعملياً، عن إرادة اللبنانيين كافة، وليس عن إرادة فئة منهم، مهما كان حجمها أو نفوذها.

وفي مقدمة هذه المؤسسات الجيش اللبناني، الذي من المفترض أن يكون السلطة الأمنية والعسكرية الوحيدة، والضامن الحصري لأمن البلاد وسلامة شعبها وسيادتها.

إن حصر السلاح في الدولة ليس مطلباً طائفياً أو سياسياً ضيقاً، بل هو شرط مسبق لقيام دولة فعلية تطبق فيها القوانين على الجميع، وتصان فيها الحدود والقرارات بشكل موحد.

إن دعم الجيش وتعزيز قدراته مادياً ولوجستياً وبشرياً، ليس ترفاً ولا شعاراً، بل ركيزة أساسية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وترسيخ مبدأ أن الحماية يجب أن تكون واحدة ومتساوية، لا ازدواجية ولا تناقض.

ولا تقع مسؤولية دعم هذا التوجه على الداخل اللبناني فقط، بل تمتد إلى المجتمع الدولي الذي من المفترض أن يرافق لبنان على طريق تثبيت استقراره، من خلال تزويد الجيش بالعتاد والتدريب والتجهيزات اللازمة، بما يسمح له بأداء دوره كاملا في حماية السيادة الوطنية وضبط الحدود، ومنع البلاد من الانزلاق إلى مواجهات لا قرار وطني موحد بشأنها، بما ينسجم أيضا مع مصلحة الاستقرار الإقليمي الذي يشكل عاملا أساسيا في حسابات المجتمع الدولي.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي تلعبه بعض الخطابات الإعلامية والسياسية في تأجيج الانقسام الداخلي.

ويشكل ظهور بعض الأصوات الإعلامية التي تحتكر تفسير الوطنية، وتضيق مساحة النقاش، وتعتبر أي اعتراض على الحرب خيانة أو تواطؤا، خطرا إضافيا على النسيج الوطني، لأنه يحول الخلاف السياسي الطبيعي إلى اصطفاف حاد يهدد السلم المدني.

كما أن بعض العبارات المتداولة في الخطاب السياسي، مثل “صبرنا له حدود”، لا يمكن التعامل معها على أنها تعبيرات عابرة، بل تحمل في طياتها رسائل ضغط وتهديدات مبطنة، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا، ولا يجوز توجيهه إلى أي شريك في الوطن مهما بلغ الخلاف معه، لأن الشراكة لا تستقر تحت وطأة التهديد بالقوة.

إن السماح بالخيانة الأخلاقية، أو التلويح بالعقاب، أو وضع المواطنين أمام خيار الاصطفاف القسري، يضرب جوهر الحياة الديمقراطية، ويحول الخلاف السياسي من ظاهرة صحية إلى صراع وجودي لا رابح فيه.

وهنا لا بد من التأكيد على أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على إعلان مواقف مبدئية أو إصدار شعارات سيادية، بل تفرض عليها دوراً فعلياً واستباقياً.

المطلوب هو حوار صريح وهادئ مع حزب الله، على أساس منطق الدولة، وليس منطق التفوق، وعلى قراءة واقعية للتطورات التي شهدتها المنطقة، والتوازنات الجديدة التي فرضت نفسها، مع عرض واضح وشفاف للمكاسب والخسائر التي قد تترتب على استمرار غياب القرار الموحد، بما يطمئن اللبنانيين كافة إلى أن أي نقاش لا يستهدف مكوناً في حد ذاته، بل يسعى إلى حماية الجميع في إطار الدولة.

هدف هذا الحوار ليس المواجهة الداخلية أو كسر أي مكون، بل إعادة دمج القرار الاستراتيجي ضمن مؤسسات الدولة، بما يحفظ الاستقرار الداخلي ويحول دون تحول لبنان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

ومن جهة أخرى، من حق شريحة واسعة من الشعب اللبناني أن ترفض الانجرار إلى الحروب، وأن تعبر عن مخاوفها من التكاليف البشرية والاقتصادية والسياسية لأي مواجهة سلمية، من دون اتهامها بوطنيتها أو التشكيك بها.

إن حماية لبنان لا تكون بالمواجهة العسكرية فحسب، بل أيضاً بالحكمة السياسية، والقدرة على تقييم موازين القوى، والسعي إلى تجنيب البلد كلفة صراعات قد تفوق قدرته على الاحتمال.

إن بناء الوطن الحقيقي لا يتحقق بإلغاء الآخر أو إسكات صوته، بل بالاعتراف بحقه الكامل في الاختلاف، خاصة عندما يتعلق الأمر بمصير الوطن ومستقبل الأجيال. الشراكة الوطنية لا تعني تقاسم السلطة فحسب، بل تعني أيضاً تقاسم القرار وتحمل المسؤولية بشكل متوازن، تحت سقف دولة واحدة وقانون واحد ومؤسسة واحدة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر تواضعاً وواقعية، تضع المصلحة اللبنانية أولاً، بعيداً عن المزايدات والشعارات، وتعيد الاعتبار إلى فكرة الدولة كمرجعية شاملة لا بديل لها.

ولبنان، في وضعه الحالي، لا يمكنه أن يحتمل المزيد من الانقسامات الداخلية، ولا القرارات الأحادية التي من شأنها أن تثقل كاهله وتعرض استقراره الهش لمخاطر إضافية.

ولم يعد السؤال من يملك الحقيقة المطلقة، بل كيف يمكن إعادة إنتاج فضاء وطني مشترك يضمن للجميع حقهم في التعبير والمشاركة الفعالة في القرارات، ضمن المؤسسات الشرعية، وتحت مظلة دولة قوية وجيش واحد يحتكر السلاح ويحمي الجميع دون استثناء.

وهذا المسار وحده هو القادر على استعادة معنى الوطن، وتحويله من ساحة صراع مفتوح إلى ساحة شراكة حقيقية مبنية على الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة.

وفي الختام، كل اللبنانيين ضمانة لبعضهم البعض، ولا يمكن لأي فريق أن يلغي الآخر أو يستبدله. إنهم يريدون ببساطة أن يعيشوا معاً في دولة عادلة، متساوين في الحقوق والواجبات، بعيداً عن لغة التهديد والخيانة واتهامات التواطؤ، التي لم تنتج وطناً قط، بل عمقت الانقسامات.

الأمة لا تبنى بالنصر بل بالفهم..

ديفيد عيسى

#عندما #يصبح #القرار #خارج #البلاد #عن #أي #دولة #نتحدث

عندما يصبح القرار خارج البلاد: عن أي دولة نتحدث؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – عندما يصبح القرار خارج البلاد: عن أي دولة نتحدث؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.