دستور نيوز
في مدينة دمرت الحرب أسوارها، وتعرف الغربان طريقها إلى الجثث أفضل من البشر، تحاول أم إنقاذ طفلها، بينما يحمل رجل آخر كاميرته كما لو كان يوثق النهاية النهائية للبشرية. لا يوجد أبطال خارقون هنا، فقط ناجون يحاولون فهم سبب بقائهم على قيد الحياة.
وهكذا، يدخل “اليوم صفر” في واحدة من أقسى المساحات في النفس البشرية، وهي “عقدة الناجي”، حيث لا يصبح البقاء خلاصًا بل ندبات طويلة الأمد.
«يوم الصفر» بطولة مرح حجاز ومرهف الكراد والطفل جاد دباغ، تأليف وإخراج مجدي الخطيب، من إنتاج «بنتالينس».
82 دقيقة من العوالم النفسية
بعد جولات عربية ودولية وحضور مهرجانات سينمائية بارزة، وصل إلى دمشق فيلم “يوم الصفر” حاملاً معه تجربة سينمائية سورية مختلفة تنتمي إلى العوالم النفسية، تأليف وإخراج مجدي الخطيب.
الفيلم الذي تبلغ مدته 82 دقيقة، والذي عُرض في سينما سيتي بدمشق، بحضور العديد من الفنانين السوريين، لا يكتفي بتقديم الحرب كمعارك واضطرابات، بل يقترب أيضاً من آثارها النفسية والوجودية على الناس، داخل مدينة سورية مدمرة ومحاصرة، تكاد تخلو من الحياة، حيث تتحول المباني المقصوفة والشوارع الفارغة إلى شخصيات متوازية داخل القصة.
تدور الأحداث حول أرملة سورية عادت من ألمانيا إلى منطقة مدمرة لإنقاذ طفلها، قبل أن تلتقي بمخرج سينمائي أجنبي مصاب أثناء محاولتها الهرب، لتنشأ بينهما علاقة إنسانية معقدة تتأرجح بين الحاجة والبقاء، والخوف والأمل.
ويخيم الصمت الثقيل على صوت القصف
يبدأ الفيلم في مدينة يبدو أن الزمن قد توقف فيها: أطلال شاسعة، ومباني مدمرة، وصمت ثقيل يقطعه أحيانا صوت القصف أو حركة الغربان التي تحوم فوق الموتى.
في هذا العالم، تظهر أرملة ولديها هاجس واحد: إنقاذ طفلها الذي لا يسمع، وإخراجه من هذا الجحيم قبل أن تبتلعه الحرب كما ابتلعت آخرين.
في المقابل، يظهر مصور أجنبي جاء إلى المدينة لتوثيق ما يحدث، رجلاً يحمل الكاميرا وكأنها وسيلته الوحيدة لفهم العالم، لكنه يجد نفسه عالقاً داخل المأساة بدلاً من أن يكون مجرد شاهد عليها.
ومع تصاعد الأحداث، يتقاطع مصير الشخصيتين وسط صراع نفسي وإنساني معقد، حيث تتحول الرحلة من محاولة فردية للبقاء إلى سؤال وجودي أوسع: هل يستطيع الإنسان حقاً النجاة من الحرب، حتى لو خرج منها حياً؟
ولا يقدم الفيلم إجابات جاهزة، بل يترك نهايات ومساحات مفتوحة تدفع المشاهد إلى استكمال القصة بنفسه، وهو ما شكل إحدى أبرز النقاط المثيرة للجدل بعد العرض.
“مجمع الناجين”.. حرب مستمرة
ومن أبرز الأفكار التي يطرحها الفيلم مفهوم “عقدة الناجين” حيث يعيش الأبطال في حالة دائمة من الذنب والتساؤلات والبحث عن المعنى بعد كل ما حدث.
ولخص مخرج الفيلم مجدي الخطيب الفكرة بالقول إن الفيلم يتناول محاولة الفرد البحث عن المعنى في عبث الحرب، ومحاولة الإنسان إيجاد توازنه رغم عقدة الناجي.
وأشار الخطيب، في حديثه إلى عنب بلدي، إلى أن الشخصيتين الرئيسيتين تحملان هذه العقدة بطرق مختلفة، لكن كل منهما يحاول البقاء نفسيًا قبل البقاء جسديًا.
أما الفنان السوري فراس إبراهيم، فرأى أن الفيلم لا يقدم رسالة مباشرة بقدر ما يترك لكل مشاهد تجربته الخاصة.
وأكد لعنب بلدي أن كل شخص يخرج بانطباع مختلف بحسب تجربته في الحياة والرؤية والسينما.
هذا الاقتراح يجعل الفيلم أقرب إلى التجربة العاطفية منه إلى السرد التقليدي، فهو لا يبحث عن إجابة نهائية، بل يضع المشاهد في حالة دائمة من التساؤل.
الأمومة كغريزة البقاء
وفي قلب الدمار، يضع الفيلم شخصية الأم أمام أقسى اختبار ممكن: كيف يمكن للأم أن تحمي طفلها وسط مدينة منهارة؟
ووصفت الفنانة مرح حجاز، بطلة العمل، الشخصية بأنها مثل أي امرأة سورية تجد نفسها أمام خطر يهدد أطفالها. وقالت، “غريزة الأمومة تجعلها تفعل المستحيل لحماية ابنها، وعندما تعجز عن ذلك يصبح كافيًا لمحو وجودها بالكامل”، بحسب تعبير حجاز في حديثها إلى عنب بلدي.
ولا يتناول الفيلم الأم كبطلة مثالية، بل كشخص خائف ومضطرب، تدفعه غريزة البقاء، التي أعطت للشخصية الصدق الإنساني البعيد عن الخطابات المباشرة.
غموض ونهايات مفتوحة…شراكة مع المشاهد
ترك الفيلم عدداً كبيراً من التفاصيل والأسئلة دون إجابة، وهو الاختيار الذي أثار نقاشاً واسعاً بعد العرض.
واعتبر المخرج مجدي الخطيب أن هذا الغموض مقصود، لأن السينما بالنسبة له تقوم على الشراكة مع الجمهور.
وأوضح ذلك بقوله إنه عندما تفتح باب التأويل يتحول المشاهد إلى شريك يكمل اللقطة الأخيرة ويرسم اللون الأخير.
ودعمت الفنانة السورية ريم عبد العزيز هذا الاتجاه، مؤكدة لعنب بلدي حبها للنهايات المفتوحة لأنها تجعل خيال المشاهد يبحث ويفكر بعد انتهاء الفيلم.
كما رأى الفنان وسام رضا أن هذا النوع من الأفلام يمنح المتلقي حرية الفهم والتفسير، بدلاً من تقديم كل شيء بشكل مباشر.
وأوضح أن العمل لا يطرح فكرة واحدة محددة، بل يفتح الباب لقراءات متعددة بحسب تجربة كل متلقي.
وأشار رضا إلى أن الفيلم يطرح عدة قضايا إنسانية ونفسية متشابكة، تتجسد من خلال الشخصيتين الرئيسيتين وصراعهما الفكري والإنساني، حيث يحمل كل طرف قناعاته ومبادئه في مواجهة واقع الحرب والبقاء.
النفس البشرية في خضم الحرب
ولا يدخل الفيلم في تفاصيل سياسية مباشرة، بل يستخدم الحرب كفضاء لفهم البشر تحت الضغط.
الشخصيات هنا ليست «أبطال حرب» بالمعنى التقليدي، بل أفراد عاديون وجدوا أنفسهم في ظرف استثنائي، وهو ما أشار إليه المخرج مجدي الخطيب.
وقال إن التحدي كان يتمثل في خلق شخصيات استثنائية، لكنها تظل من لحم ودم ويمكن التعاطف معها.
وبالتالي، فإن هذا الاقتراح جعل الفيلم أقرب إلى دراسة نفسية حول الخوف والندوب والهجرة والعودة، بدلاً من أن يكون فيلماً عن الحرب فقط.
لغة الصورة… الدمار كشخصية داخل الفيلم
من أبرز نقاط القوة في “Day Zero” اعتمادها الكبير على الصورة والفضاء البصري.
المدينة المدمرة لم تكن مجرد مكان للتصوير، بل تحولت إلى امتداد نفسي للشخصيات: المباني المقصوفة، والفراغ، والصمت، والغربان، وحتى الكلب الذي يرفض أكل الجثث بعد أن يكبر، كلها رموز تحمل دلالات عميقة لتآكل الإنسانية.
وأشادت الفنانة ريم عبد العزيز بجميع العناصر البصرية والفنية في الفيلم، من حركة الكاميرا والإضاءة إلى إدارة الممثلين، معتبرة أن العمل يحمل ملامح الموهبة الواضحة.
بين الجرأة البصرية وإشكالية الإيقاع
قدم الناقد الفني وسام كنعان قراءة نقدية متوازنة لفيلم «اليوم صفر»، معتبرا أن العمل يعتبر تجربة أولى للمخرج مجدي الخطيب، ما يتطلب التعامل معه كمساحة للتجريب والبحث وليس تجربة كاملة.
وأشار كنعان إلى أن التجارب الأولى «تعطيهم ما لا يحق للآخرين»، لأنها بطبيعتها تنطوي على محاولات اكتشاف اللغة السينمائية والرؤية الإخراجية، مضيفاً أن الفيلم أظهر ملامح واضحة للموهبة على مستوى الصورة والكاميرا وإدارة المكان والأداء التمثيلي.
في المقابل، ركز على طبيعة الموضوع الذي يتناوله الفيلم، معتبراً أن العودة إلى سنوات الحرب قد تكون مرهقة نفسياً لجزء من الجمهور السوري، خاصة بعد كثافة الأعمال التي تناولت هذه المرحلة خلال السنوات الماضية.
وقال إن المزاج العام لم يعد دائما متشوقا لهذا النوع من القصص المؤلمة.
كما أشار إلى أن الإيقاع البطيء وفترات الصمت الطويلة أثرت على نغمة الفيلم، وربما أثرت على تفاعل بعض المشاهدين، رغم أن العمل حافظ على مستويات جيدة بصريا وفنيا.
وعن اعتماد الفيلم على الغموض والنهايات المفتوحة، رأى كنعان أن هذا الخيار ينتمي إلى المدارس السينمائية التي تحاول تحفيز المشاهد على التفكير وعدم تقديم الإجابات بشكل مباشر، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى أن الغموض المفرط قد يترك أثراً سلبياً على بعض المتلقين إذا شعروا أن الأسئلة تبقى دون حل أكثر من اللازم.
ورغم تصريحاته، أكد الناقد السوري أهمية دعم هذه التجارب السينمائية الشابة، معتبراً أن «يوم الصفر» يحتوي على جوانب مشرقة يمكن البناء عليها مستقبلاً، وقد يشكل خطوة أولى نحو أعمال أكثر نضجاً وعمقاً في تجارب المخرج المقبلة.
الجوائز والحضور الدولي
وقبل عرضه محلياً، شارك الفيلم في عدة مهرجانات عربية وعالمية، وحقق حضوراً لافتاً أبرزها:
- “مهرجان سيول ويسلر السينمائي” حيث حصل على جائزة أفضل مخرج.
- “مهرجان عنابة السينمائي الدولي” وحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.
- “مهرجان الإسكندرية السينمائي” لدول البحر الأبيض المتوسط، حيث حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مسابقة الفيلم العربي.
متعلق ب
#اليوم #الصفر. #عندما #يتحول #النجاة #من #الحرب #إلى #صراع #نفسي
“اليوم الصفر”.. عندما يتحول النجاة من الحرب إلى صراع نفسي
– الدستور نيوز
اخبار الفن – “اليوم الصفر”.. عندما يتحول النجاة من الحرب إلى صراع نفسي
المصدر : www.enabbaladi.net
