.

أخبار الفن – ملف جلجامش: الفرات والنفيليم والأسئلة المؤجلة حول التاريخ المخفي

تهاني احمدمنذ ساعتين
أخبار الفن – ملف جلجامش: الفرات والنفيليم والأسئلة المؤجلة حول التاريخ المخفي


دستور نيوز

ويرى الكاتب والباحث الأكاديمي التركي أيدوغان فاتانداس أن ملحمة جلجامش لا يمكن التعامل معها على أنها مجرد نص أسطوري معزول عن الواقع التاريخي، بل باعتبارها واحدة من أقدم الشهادات الإنسانية التي تناولت أسئلة الموت والسلطة والحكمة والبحث عن الخلود. ويشير إلى أن القراءة المتأنية للنصوص السومرية والأكادية تكشف وجود عناصر متكررة ظهرت لاحقا في مختلف التراثات الدينية والأساطير الثقافية، مثل روايات الطوفان، والكائنات شبه الإلهية، والأنساب المختلطة، والعمالقة، والذاكرة المفقودة للحضارات القديمة.

وبحسب وطنداش، فإن اختزال الملحمة إلى فئة “الأسطورة” فقط يعد تبسيطا مبالغا فيه، خاصة مع استمرار الاكتشافات الأثرية التي أظهرت تطابقا جزئيا بين بعض ما ورد في الملحمة والبنية الحقيقية لمدن وادي الرافدين القديمة.

أقدم نص ملحمي في تاريخ البشرية

وتعود أقدم المقاطع الشعرية السومرية المرتبطة بجلجامش إلى ما يقرب من أربعة آلاف ومئتي عام مضت، بينما تعود النسخ الأكادية المعروفة اليوم باسم “ملحمة جلجامش” إلى نسخ منقولة بين القرنين الحادي والعشرين والثاني عشر قبل الميلاد.

ويؤكد وطنداش أن الألواح الطينية المتوفرة حاليا ليست سوى نسخ متأخرة نسبيا، في حين أن جذور الرواية نفسها أقدم بكثير، إذ استندت إلى تقاليد شفهية ومكتوبة انتقلت عبر قرون عديدة، مما يجعلها واحدة من أقدم النصوص الملحمية في تاريخ البشرية.

الطوفان المشترك بين جلجامش ونصوص الكتاب المقدس

ومن أبرز النقاط التي يتوقف عندها الباحث التركي، التشابه الواضح بين رواية الطوفان الواردة في الملحمة السومرية وقصة النبي نوح في التوراة، في مقال نشره الموقع الإخباري التركي “TR724”.

وعادة ما تتم مقارنة شخصية أوتنابشتيم الذي نجا من الطوفان في الملحمة، بشخصية نوح، وهو ما يثير -بحسب وطنداش- إمكانية وجود “ذاكرة تاريخية مشتركة” بين شعوب الشرق الأدنى القديم، نُقلت فيما بعد إلى نصوص دينية مختلفة بأشكال متعددة.

ويشير أيضًا إلى أن جلجامش تم تصويره في النقوش والأختام الأسطوانية السومرية والبابلية على أنه ملك ذو طبيعة استثنائية، يمتلك قوة بدنية هائلة، ويتحكم في الطبيعة، ويصارع الأسود، وهي صور تعكس مكانته كشخصية “شبه إلهية” في الخيال القديم.

النفيليم وكتاب اينوك: التقاطعات مع التراث الديني القديم

ويربط وتانداش شخصية جلجامش بما ورد في سفر التكوين من الكتاب المقدس عن “النفيليم”، وهم العمالقة الذين قيل إنهم نتجوا عن اتحاد “أبناء الله” وبنات البشر.

ويشير إلى أن هذه الروايات توسعت فيما بعد في “كتاب أخنوخ”، حيث تم الحديث عن كائنات سماوية نزلت إلى الأرض وأقامت علاقات مع النساء، مما أدى إلى ذرية هجينة تتمتع بقوة خارقة للطبيعة.

وتتحدث هذه النصوص أيضًا عن تعليم الإنسان أسرار التعدين والحرب وعلم الفلك والمعرفة الغامضة.

ويرى وطنداش أن وصف جلجامش بأنه «ثلثاه إله وثلثه إنسان»، بالإضافة إلى قوته الخارقة وأصوله شبه الإلهية، دفع بعض الباحثين والكتاب المعاصرين إلى وضعه ضمن نفس السياق الفكري المرتبط بأساطير العمالقة والكائنات الهجينة.

لكنه في الوقت نفسه يوضح أن هذه الروابط ليس لها دليل أكاديمي قاطع، على الرغم من وجود تشابه موضوعي واضح بين تراث بلاد ما بين النهرين، والنصوص التوراتية، وسفر أخنوخ.

هل الأسطورة انعكاس لحقائق حقيقية؟

وينتقد وطنداش طريقة تعامل الفكر الحديث مع النصوص القديمة، معتبرا أن تصنيفها التلقائي كـ”أساطير” يؤدي أحيانا إلى استبعاد أي احتمال لاحتوائها على جوهر تاريخي حقيقي.

ويؤكد أن شعوب العالم القديم لم تكن تمتلك اللغة العلمية الحديثة لوصف الظواهر التي واجهتها، ولذلك عبروا عنها ضمن أنظمتهم الرمزية والدينية الخاصة بهم.

ومن هنا فإن التعامل مع النصوص القديمة -حسب رأيه- لا ينبغي أن يكون حرفيا تماما، ولا رافضا تماما في الوقت نفسه، بل ضمن مقاربة تأخذ في الاعتبار اختلاط التاريخ بالرمزية والذاكرة الجماعية.

أوروك وأقنية الماء: تأثير قريب من النص

ويعتمد فاتانداش على الاكتشافات الأثرية الأخيرة في مدينة أوروك السومرية ليؤكد أن بعض التفاصيل الواردة في الملحمة لم تكن خيالية تماما.

كشفت الحفريات عن شبكة متطورة من القنوات المائية والمرافق الحضرية، تتقاطع مع الأوصاف الواردة في النصوص القديمة، مما يعكس مستوى حضاري أكثر تقدما مما كان يعتقد سابقا فيما يتعلق بحضارات بلاد ما بين النهرين.

ويرى الباحث التركي أن هذه التطورات دفعت العديد من علماء الآثار إلى إعادة النظر في الفصل التقليدي بين “الأسطورة” و”التاريخ”.

لغز القبر المفقود في نهر الفرات القديم

أحد الجوانب الأكثر إثارة للاهتمام في الملف يتعلق بما أعلنه عالم الآثار الألماني يورغ فاسبندر وفريقه خلال عمليات المسح المغناطيسي في مدينة أورك.

ووفقا لتصريحات فاسبندر لبي بي سي عام 2003، أظهرت البيانات وجود هيكل معماري في مجرى قديم لنهر الفرات، يحمل تشابها صارخا مع الوصف الوارد في ملحمة قبر جلجامش.

على الرغم من أن فاسبندر لم يؤكد بشكل قاطع اكتشاف قبر جلجامش، إلا أنه أقر بأن التركيبة المكتشفة كانت “مشابهة جدًا” لما تصفه الملحمة.

ويرى وطنداش أن أهمية هذا الاكتشاف لا تكمن فقط في إمكانية العثور على قبر تاريخي، بل أيضا في أن النص الذي اعتبر لفترة طويلة مجرد عمل أسطوري، بدأ يتقاطع مع البيانات الأثرية الملموسة.

صدفة مثيرة بين الاكتشاف وحرب العراق

ويتوقف وطنداش عند نقطة يعتبرها مثيرة للجدل، وهي الصدفة الزمنية بين تداول أخبار الاكتشافات الأثرية قرب أورك واندلاع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

وفي نظر بعض الأوساط، لم يكن الأمر مجرد صدفة زمنية، بل تحول إلى مادة خصبة لنظريات تقول إن العراق لم يكن مستهدفا بسبب النفط وحده، بل أيضا بسبب ما يحتويه من آثار ومواد قد تعيد تشكيل فهم البشرية لتاريخها القديم.

وتزايدت هذه الروايات بعد عمليات النهب الواسعة التي تعرض لها المتحف العراقي في بغداد عقب الغزو، واختفاء عدد من القطع الأثرية في ظروف غامضة.

أقراص جلجامش المسروقة وعودتها من الولايات المتحدة

ومن بين القضايا التي أثارت الجدل أيضا، إعادة الولايات المتحدة لاحقا عددا من القطع المتعلقة بملحمة جلجامش إلى العراق، بعد أن اكتشفت أنها دخلت بطريقة غير مشروعة.

ومن أبرز هذه القطع «لوح حلم جلجامش» الذي يحتوي على أجزاء من الملحمة مكتوبة بالخط المسماري.

ويرى وطنداش أن هذه القضية أثارت تساؤلات أوسع حول مصير الآثار العراقية التي غادرت البلاد بعد الحرب، وما إذا كانت هناك اكتشافات أخرى لم يتم الكشف عنها للرأي العام.

الأنوناكي والهندسة الوراثية: عندما يختلط علم الآثار بالخيال المعاصر

ويشير الكاتب التركي إلى أن الحديث عن جلجامش تجاوز فيما بعد حدود البحث الأثري التقليدي، ليتحول إلى مجال واسع من نظريات المؤامرة والثقافة الشعبية المتعلقة بالكائنات “الأنوناكي”.

الأنوناكي بحسب النصوص السومرية والبابلية كانوا كائنات ذات طبيعة سماوية ارتبطت بالحكم والخلق وتنظيم الكون ونقل المعرفة إلى الإنسان.

لكن الإنترنت الحديث، بحسب وطنداش، أعاد توظيف هذه الروايات إلى روايات تتحدث عن الهندسة الوراثية، والكائنات الهجينة، والتقنيات المفقودة، وحتى ادعاءات بوجود جثة عملاقة محفوظة داخل “مقبرة بيولوجية مغلقة” يعتقد أنها تعود لجلجامش.

ويؤكد الباحث التركي أن هذه الادعاءات لا تستند إلى أدلة علمية موثقة، لكنها تعكس مدى الاهتمام العالمي بالسرديات القديمة وقدرتها على توليد روايات جديدة.

الفرات في الخيال الإسلامي ونبوءات آخر الزمان

ويتطرق وطنداش أيضاً إلى البعد الإسلامي للقضية، مذكراً بالحديث النبوي الشهير الذي يشير إلى أن نهر الفرات سيكشف يوماً ما عن “جبل من ذهب”، وأنه سيحدث بسببه صراع دموي.

ويشير إلى أن الحروب والانهيارات الكبرى التي شهدها العراق بعد عام 2003 دفعت بعض المفسرين المعاصرين إلى الربط رمزيا بين الحديث النبوي والتحولات الجيوسياسية العنيفة التي شهدتها منطقة الفرات.

لكنه يوضح أن هذه القراءات تبقى في نطاق التفسيرات غير القطعية، وأنه لا يمكن التأكد من أن المقصود في الروايات الدينية يرتبط مباشرة بالاكتشافات الأثرية.

فيديوهات غامضة وصمت إعلامي طويل

ومن النقاط التي زادت من الجدل، بحسب وطنداش، ظهور مقاطع فيديو على موقع يوتيوب قيل إنها تعود للحفريات الألمانية المتعلقة بالموقع المفترض لمقبرة جلجامش.

ورغم أنه لم يتم التحقق من صحة هذه المقاطع بشكل مستقل، إلا أن انتشارها على نطاق واسع أدى إلى تنشيط المناقشات حول هذه القضية.

ويشير الباحث التركي أيضًا إلى أن فاسبندر لم يقدم لاحقًا تصريحات تفصيلية جديدة بعد مقابلته الشهيرة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، فيما لم تنشر الشبكة البريطانية متابعة موسعة للقصة رغم طبيعتها الاستثنائية، مما فتح الباب لمزيد من التفسيرات.

ويضيف فانداش أنه حاول شخصيا التواصل مع عالم الآثار الألماني وطرح أسئلة مباشرة عليه دون أن يتلقى إجابات، لكنه يؤكد أن الصمت وحده لا يمكن اعتباره دليلا على صحة الروايات المتداولة.

رسائل هيلاري كلينتون وتسريب “غرفة قيامة جلجامش”.

وعاد الملف إلى الواجهة من جديد بعد نشر رسائل بريد إلكتروني مرتبطة بوزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون ضمن وثائق قانون حرية المعلومات في الولايات المتحدة.

وبحسب وطنداش، فإن بعض الرسائل المتداولة تضمنت عبارات مثل “غرفة قيامة جلجامش” و”موقع دفن نيفيليم”، وهو ما غذى موجة جديدة من النظريات المنتشرة على الإنترنت.

لكن الباحث التركي يوضح أن العديد من هذه التفسيرات تعرضت فيما بعد للمبالغات والتحريفات الرقمية، وأن جزءًا كبيرًا منها تم استخدامه ضمن محتوى مثير وشعبوي.

ما وراء الجدل: أزمة ثقة في الرواية الحديثة للتاريخ

وفي ختام تحليله، يرى فاتانداش أن جوهر النقاش لا يتعلق فقط بجلجامش أو وجود قبر مفقود، بل بالأزمة الأوسع المتعلقة بثقة الإنسان الحديث في الروايات الرسمية للتاريخ والمعرفة.

ويشير إلى أن التاريخ العلمي نفسه شهد تحولات متكررة، وأن المدن التي كانت تعتبر ذات يوم “خيالية” ثبت فيما بعد أن لها وجودا حقيقيا، كما حدث مع طروادة.

ومن هذا المنطلق، يرى أن ملحمة جلجامش أصبحت اليوم جزءًا من نقاش فلسفي وثقافي أوسع، يتجاوز حدود الآثار القديمة ليثير أسئلة عميقة حول السلطة المعرفية، وحدود العلم، وطبيعة الحقيقة التاريخية نفسها.

ملخص

ويرى الباحث التركي أيدوغان فاتانداس أن ملحمة جلجامش لم تعد مجرد نص أسطوري، بل تحولت إلى محور نقاش معقد يتقاطع فيه التأثير مع الدين والسياسة ونظريات المؤامرة والذاكرة الثقافية.

ومع استمرار الاكتشافات الأثرية والتسريبات الرقمية والتفسيرات الدينية، يبقى السؤال مفتوحا حول مدى الحقيقة التاريخية وراء أقدم ملحمة عرفتها البشرية.

#ملف #جلجامش #الفرات #والنفيليم #والأسئلة #المؤجلة #حول #التاريخ #المخفي

ملف جلجامش: الفرات والنفيليم والأسئلة المؤجلة حول التاريخ المخفي

– الدستور نيوز

اخبار الفن – ملف جلجامش: الفرات والنفيليم والأسئلة المؤجلة حول التاريخ المخفي

المصدر : turkiyetodays.com

.